سالم الكبتي

وقبل السير في طريق الانتخابات التي ستشرف عليها الحكومة الثالثة في برقة الأطول عمرا ومدة من الحكومتين السابقتين اللتين مضتا، صار يلاحظ الاهتمام الدولي بالمسألة الليبية.

تلازم الحديث في ذات الوقت عن الشروع في الطريق الموازي من بعيد لتحقيق استقلال ليبيا.

وظل يلاحظ أيضا النقاش الذي بدأ ولم ينته حول مستقبل ليبيا. حديث وحوار نهض حول (ليبيا) هذا الاسم الحائر في تلك الأيام.. عن واقعه ومصيره ومستقبله.

الحديث أيضا يعلو حول وضع الأقاليم الثلاثة وما مصيرها بالطبع، لكن تطغى ليبيا وتدخل على الخط المباشر حين يتم الكلام عن كل إقليم على حده.

فترة حكومة الساقزلي كانت فترة مهمة في واقع التاريخ السياسي المعاصر لليبيا. فقد شهد وجودها وتواصل النقاش والالتباس حول الكيان الليبي ووجوده عبر الصحف والجماعات والمسؤولين.

وشاء القدر أيضا أن تشهد هذه الفترة وصول بعثة الأمم المتحدة وتشكيل مجلسها الاستشاري ثم تكوين لجنة الواحد والعشرين وبعدها الجمعية التأسيسية (الستين) وبيعتها للأمير إدريس ملكا دستوريا لليبيا ثم وضع الدستور في السابع من أكتوبر 1951 وتشكيل الحكومة المؤقتة لتصريف الأعمال على مستوى البلاد إضافة إلى إنجاز الانتخابات وتشكيل مجلس النواب في برقة وحل جمعية عمر المختار وإيقاف نشاطها.

إن هذه الأحداث لم تشهدها حكومة محلية قبل ذلك. أحداث كبيرة وبعضها خطير ومؤثر وسط ظروف تحيط بليبيا وأقاليمها. كانت الحكومة تسير على خط الإقليم محليا وخط ليبيا من جهة أخرى.

وكان ثمة صعوبة بالغة في تحقيق المواءمة والجمع بين الأطراف وإرضائها. فهي حكومة محلية بالدرجة الأولى داخل الإقليم وكان عليها في الوقت ذاته مراعاة الخط الليبي الذي بدأ يسير نحو طريق الاستقلال.

اختارت الأمم المتحدة عبر هذه الظروف المعقدة رجلا من رجالها أصحاب الكفاءة الدولية والدبلوماسية وجعلته مندوبها في ليبيا.. صندوق الرمال المغلق لكي يجمع الأطراف المتناثرة ويرمم أرضية الفسيفساء المشروخة ويلتقي بجميع من يهمه الأمر على مستوى أقاليمها وجماعاتها وقبائلها وأعيانها. كان الرجل يمتلك عقلية ناضجة ورؤية راجحة وصبرا طويلا.

ومنذ وصوله أشار بالقول عن نفسه ومهمته في تصريح وجهه لأهل البلاد:

(إنني جد مغتبط إذ أجد نفسي بينكم محييا ومتعرفا إليكم. إن الابتهاج الذي أشعر به منذ أن وطأت قدمي أرضكم الجميلة لا يعادله سوى الشرف الذي حباني به مجلس الأمم المتحدة الذي انتدبني لأرشدكم إلى طريق الاستقلال. وقد وضعت نصب عيني أن تكون اتصالاتي الأولى بكم. إن بابي مفتوح لكم فزياراتكم واقتراحاتكم ستلقى كل ترحيب ويمكننكم اعتبار هذا عهدا مني صادرا من صميم قلبي الملئ بروح التعاون وأنني عازم على الذهاب إلى برقة وفزان [كان يتحدث من طرابلس] لأزور وأسمع الناطقين باسم الرأي العام وزعماء القبائل ممن لم يحصل لي شرف مقابلتهم في طرابلس. وليست وظيفتي أن أحكم بلادكم. إن ذلك سيبقى من اختصاص الإدارات الحاكمة حتى تتسلموا أنتم أنفسكم زمام الحكم. في عصرنا هذا الذي نعيش فيه وكيما نستطيع مواجهة ما ينتظرنا من جليل المهمة لا يجوز لنا أن نعتمد على المعجزات إنما بالعمل الشاق وحده مع توفر حسن النية وبروح الذكاء).

من هنا كانت البداية الدولية مع السكان في ليبيا لإنجاز طريق الاستقلال وسط الصخور وإزالة رماد الأيام السوداء.

ومن هنا أيضا وعبر إشارات وتلميحات المندوب الدولي تبرز عنايته بالواقع المنظور وتفهمه له وما يشمله من حساسيات وتأثيرات. أشار إلى الإدارات الحاكمة وهي السلطتان البريطانية والفرنسية في الأقاليم وغير بعيد عنها السلطات المحلية فيهما وخاصة الحكومة الثالثة في برقة.

كان لزاما على المندوب أن يراعي هذه العناصر تمهيدا للتعامل معها مباشرة أو بواسطة من ينوب عنه في مهامه في كل المناطق التي يرسلهم إليها إذا تعذر ذهابه شخصيا لوجوده خارج البلاد على سبيل المثال.

ومن هذا المنطلق أيضا تعامل بخصوصية فريدة مع الأمير إدريس الملك المنتظر ومع حكومته في برقة التي أضحى أحد وزرائها عضوا في مجلسه الاستشاري.

هنا لم يعد ليبيا أسما حائرا بين الأقاليم ووسط العالم. صحيح أن المجلس الاستشاري ضم ممثلين للأقاليم لكنه عرف باسم المجلس الاستشاري للأمم المتحدة في ليبيا.

وسط هذه الظروف الدولية المستجدة في ليبيا اشتغلت حكومة محمد الساقزلي وخاضت الصراع لتحقيق التوازن المطلوب. الساقزلي كان أيضا مثل سلفه الباشا عمر الكيخيا يولي أهمية لبرقة ودورها وكان عليه أن يوازن خطواته وسط حقول الألغام رغم حدة طبعه.

الساقزلي والباشا عمر شخصيتان متقاربتان في الطباع والأداء. كلاهما، رغم فارق السن، عاصر الفترة التركية في البلاد والاحتلال الإيطالي وظلا يخوضان الآن معركة برقة وليبيا وصولا للاستقلال.

تميزت حكومة الساقزلي بهذه المخاضات غير السهلة في كل الأحوال بالسير نحو الديمقراطية. الانتخابات ووضع نظام لها وإنجازها في موعد محدد ونشأ عن ذلك مجلس نواب كما سلف القول. أعضاؤه كانوا خمسين عضوا بالانتخاب وعشرة اختارهم الأمير إدريس فصاروا يشكلون المجلس بستين عضوا ضم نخبا قديمة وجديدة مثلوا مدنهم وقبائلهم.

جمعية عمر المختار اختارت مصطفى بن عامر وعلي زواوة في بنغازي وعبدالرازق شقلوف وإبراهيم الأسطى عمر في درنة والذي لم تطل عضويته كثيرا إذ غرق في شاطئ دليس غرب درنة بعد مضي حوالي أربعة أشهر من تلك العضوية.

سيختار المجلس الحاج رشيد الكيخيا أخ الباشا عمر الرئيس السابق للحكومة رئيسا لهذا البرلمان. تعقد جلساته في بنغازي بعد الافتتاح. حضور ومناقشات للحكومة في شتى الموضوعات. والصحف تنشر الوقائع.

وثمة طرائف شهدتها الجلسات. ناقش المجلس البضائع والمواد التي تورد من طرابلس إلى برقة لتحديد الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها ولعدم ضرورتها.

بسؤال الرئيس للأعضاء عن تلك الكماليات أشار أحد أعضاء الدواخل بأنها البطاطا. مادة كمالية في رأيه ولا ينبغي استيرادها.

كان بعض الأعضاء يدعون (الوطنية) ويقومون من جهة أخرى بالوشاية في زملائهم وكتابة التقارير عنهم للحكومة والأمير والسلطات الأمنية والإنجليزية. صراع تلك الأيام الذي لا يستقر.

في فترة الساقزلي وفي تداعيات لمداولات الأمم المتحدة عن مصير ليبيا نهضت مسألة إثارة الحدود الشرقية القديمة. بين ليبيا ومصر. ناقشها المجلس وأرسل برقيات بشأنها إلى الجارة القريبة والأمم المتحدة.

مسألة كانت قد انتهت بتوقيع الاتفاقية المصرية الإيطالية حول الحدود في نوفمبر 1925. ولا داعي لتجديدها وليبيا تسير نحو الاستقلال وتحتاج إلى الدعم في الممرات الدولية.

لم يكن الباشا عبدالرحمن عزام وهو الأمين على الجامعة العربية وأبنائها ومن يلف حوله، لم يكونوا بعيدين عن هذه الإثارة التي توارت من على السطح.

الصحف في بنغازي لم تكن بعيدة عن هذا الذي جرى في فترة حكومة الساقزلي.

أوضحت الأمور المهمة لصالح الجارتين من خلال شهود العيان المؤثرين والفاعلين. نشرت صحف التاج وبرقة الجديدة مقالات حول مسألة الحدود لعمر شنيب وكان رئيسا للديوان الأميري ثم للباشا عمر الكيخيا وفرج المبروك بن سعود.

تداعى هؤلاء بالتوضيح في وقت ندر فيه المحللون السياسيون والناشطون في الفراغ!!

ووسط هذه الظروف أيضا المتحركة نشطت الحكومات المحلية في فزان وطرابلس وتشكلت برجالها واختيرت الآنسة وداد الساقزلي كريمة رئيس الحكومة سكرتيرة للأميرة فاطمة زوجة الأمير إدريس.

أزمة أخرى من ضمن الأزمات..

مشاكل الطلبة والإضرابات والأقسام الداخلية في بنغازي.

وتوقف جمعية عمر المختار بضربة في مقتل من حكومة الساقزلي خلال الصيف الحار. يوليو 1951.

السجن والملاحقة وختم الجمعية بالشمع الأحمر.. إلى الأبد !!

______________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *