ومن التغيير بالقوة إلى أسلوب العمل السلمي

علي رمضان ابوزعكوك

الولايات المتحدة المهجر:

بعد قرار إبعادي عن الجامعة الذي اتخذ بدون أي سند قانوني، نسبت لجمعية الدعوة الإسلامية للعمل خارج ليبيا. وبناء على حاجة المركز الإسلامي في مدينة آن آربر بولاية ميشيجان لمن يديره اقترح بعض الأصدقاء على جمعية الدعوة بإيفادي إلى امريكا لأكون ممثلا للجمعية في شمال امريكا وفي نفس الوقت لأدير البيت الدولي للشباب المسلم في مدينة آن آربر.

وقد أتيحت لي الفرصة للذهاب لإحدى الدول الخليجية للعمل في الصحافة فيها، ولكنني وجدت بعد ان عشت في أمريكا أن مناخ الحرية الموجود بها لا يمكن أن يوجد له مثيل في الدول العربية، وأن أغلب الدول العربية تحكمها نظم متشابهة في درجة تدني مستوى الحريات للمواطنين بوجه عام.

وفي الولايات المتحدة واصلت منهج النقد الحاد للأنظمة العربية المتغولة بوجه عام وللنظام الليبي بوجه خاص. وأذكر أننا أقمنا صلاة الغائب على كل من محمد مقتدى الصدر الذي اغتاله النظم العراقي ومحمد مصطفى رمضان الذي اغتاله النظام الليبي في المركز الإسلامي، وقد علمت أن عيون النظام الليبي الذين كانوا منتشرين في الجامعات الأمريكة كانوا يبلغون السلطات الليبية عن نشاطي الدعوي والحركي الناقد للنظام.

وقد طلب مني رسميا العودة إلى ليبيا في أوائل سنة 1980، وكنت قد رتبت أموري على العودة بعد التشاور مع بعض من كنت اثق بهم. وفجأة جاءني مندوبون عن مكتب التحقيقات الاتحادي بالمدينة ليخبروني أن هناك حملة يقوم بها النظام الليبي لاغتيال منتقديه في الخارج والذين كان اللجان الثورية تصفهم بالكلاب الضالة، وبأنني من ضمن هذه القائمة وحددوا لي تواريخ معينة لتوقع الهجوم، ونظموا لي سلسلة من الإجراءات الأمنية لحمايتي وحماية أسرتي وأطفالي، وطلبوا مني مواصلة نشاطي المعتاد من الذهاب لمكتبي بالمركز الإسلامي أو لحضور محاضراتي في جامعة ميشجان حيث كنت على وشك الانتهاء من درجة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية بها.

وعرفت وقتها معنى الحراسة الأمنية المشددة، والتي استمرت معي لمدة أسبوعين سمعنا خلالها أخبار الاغتيالات التي تمت في المدن الأوربية والمحاولة الفاشلة لاغتيال فيصل الزقلعي في ولاية كولورادو.

وكان مجال التحرك الأساس وسط الجمعيات الإسلامية التي كانت تربطني بها علاقات قوية، فبدأت مع عدد من الاصدقاء توزيع البيانات التي تعلم الناس بما يجري في ليبيا وما يهدد الليبيين في خارجها. فكان الكثير من طلاب البعثات الليبيين يجدون بيانات منشورة تحت اسم حركة التجمع الاسلامي تندد بالطغيان الحاكم في ليبيا وبالجرائم التي يرتكبها ضد الشعب الليبي.

وقد تزامن تحركنا مع خروج بعض الأصوات الليبية المعارضة مثل تنظيم الحركة الوطنية الليبية. كما أعلن في سنة 1980 السفير الليبي في الهند استقالته المسببة وإعلانه المعارضة للنظام الليبي، وقد كانت تربطني به علاقات حميمة عندما كان بالجامعة الليبية في أوائل السبعينيات.

وقد كان إعلانه فرصة لالتقاء بعض الشخصيات الليبية المعروفة بمواقفها ضد سلطة الانقلاب العسكري، والتي كان أغلبها يعيش خارج الوطن. وعلى مدى أكثر من سنة من الاجتماعات والحوارات المتواصلة عبر قارات العالم توصلنا إلى الإعلان عن تنظيم الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التاسع يوم عرفات (تيمنا به) سنة 1401 /7 أكتوبر 1981.

وكان بعضنا موجود في ذلك الوقت بالمشاعر المقدسة، وقد قمنا بحملة لتوزيع البيان التأسيسي وغيره من المعلومات بين الحجاج الليبيين، والتعريف بتنظيم الجبهة، وقد نجحت الحملة في تعبئة الحجيج الليبي وفي ضم العديد من الفراد للعمل.

برنامج الجبهة المتكامل:

بعد مداولة مطولة بين الفريق المؤسس للجبهة لمدة خمسة عشر شهرا أصدرت الجبهة بيانها التأسيسي في يوم 9 ذي الحجة 1401 الموافق 7 أكتوبر 1981 والذي جاء فيه:

في هذه الآونة العصيبة التي بلغت فيها معاناة شعبنا الليبي في ظل حكم الطاغية القذافي مداهاوفي هذه الأيام الحاسمة التي بلغ ذروته، وتعاظم فيها إستعداد شعبنا للتصدي له وللاجهاز عليه.. وفي هذا الوقت الذي تأكدت فيه الحقيقة التآمرية الإرهابية لحكم القذافي لدى جيراننا وأشقائنا بل ولدى كافة أعضاء الأسرة الدولية.

في هذه الظروف كلها يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتكامل (وجود) الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التي تأمل أن تسهم في المزيد، من كشف النقاب عن كافة الممارسات الإجرامية لحكم القذافي، ومن إذكاء وتأجيج الروح الوطنية الليبية، ومن حفز واستقطاب وتوحيد كافة القوى الوطنية الليبية من أجل تحرير أرض ليبيا وإنقاذها من حكم القذافي، ومن أجل إيجاد البديل الراشد الأفضل.

إن هذه الجبهة (لتؤمن) أشد الايمان بأن العمل الوطني الليبي في مواجهة حكم القذافي يتطلب برامج نضالوليس برامج حكمومن ثم فهي ترى أن مهامها ومسؤولياتها وواجباتها تتناول ما يلي

أولاً: خلال مرحلة النضال من أجل الإطاحة بحكم القذافي

(تؤمن) الجبهة خلال هذه المرحلة بضرورة حشد وتوحيد ودفع كافة العناصر الوطنية داخل ليبيا وخارجها في برامج عمل ونضال متكامل يستهدف الإطاحة بحكم القذافي ومن يرتبط به وتحرير ليبيا منه (مستخدمة) كل الوسائل المشروعة الممكنة.

ثانياً: خلال مرحلة ما بعد سقوط القذافي

إذا كان من طبائع الأشياء ألا يضطلع بأعباء وتبعات العمل والنضال خلال المرحلة الأولى سوى أقلية من أبناء شعبنا، (فإن من طبائع الأمور أيضاً أن يكون العمل) خلال هذه المرحلة الثانية ملكاً لكامل شعبنا الليبي، كما ينبغي أن تصدر كافة الاختيارات والقرارات عن شعبنا بكامله.

ومن ثم فإن هذه الجبهة (تؤمن) – وسواء أتت الإطاحة بحكم القذافي عن طريق عناصرها أم على يد عناصر وطنية ليبية أخرى بأن يقتصر دورها خلال هذه المرحلة على الدعوة والسعي، من خلال شعبنا بكافة فئاته، إلى ما يلي

أالدعوة والسعي إلى تشكيل مجلس رئاسةو حكومة مؤقتهتتولى تسيير دقة الأمور خلال الفترة الإنتقالية التي لا ينبغي أن تتجاوز بحال من الأحوال سنة واحدة. ويكون من واجباتها إتخاذ كافة الترتيبات والإجراءات الإنتقالية التي تكفل سرعة وسلامة ونزاهة قيام حكم وطني دستوري، ومن هذه الترتيبات:

1. إجراء انتخابات عامةخلال ستة أشهر من تشكيل مجلس الرئاسة والحكومة المؤقتة لاختيار جمعية وطنية تأسيسيةيكون من بين مهامها وضع دستور دائميطرح للاستفتاء العـام.

2. إجراء انتخابات عامةلاختيار رئيس للدولة في ضوء الدستور الجديد بعد إقراره من الشعب في استفتاء عام.

3. نقل كافة السلطات إلى المؤسسات الدستورية المنتخبة أو المشكلة في ضوء الدستور الجديد.

4. تهيئة كافة الظروف التي تساعد على عودة الحياة العامة إلى أوضاعها الطبيعية في أسرع وقت (معقول) ممكن بما في ذلك إجراء مصالحة وطنية عامة، ورفع كافة صور الظلم التي وقعت على المواطنين خلال حكم القذافي، وإجراء الانتخابات التشريعية العامة.

يتبع

_____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *