ومن التغيير بالقوة إلى أسلوب العمل السلمي

علي رمضان ابوزعكوك

تنقسم مسيرة حياتي إلى عدد من المراحل أهمها:

أولا: مرحلة التكوين

يقول علماء النفس إن الطفل أب الرجل، ويبين دارسوا علم الاجتماع كيف تتجمع في طفولة الإنسان المكونات الأساسية الأولى لشخصيته. وطفولتي كانت تدور في أنحاء ليبيا بين مدن مصراتة وبنغازي وسرت، وكانت انعكاسا لظروف الحياة الصعبة التي عشناها، فقد ولدت أثناء الحرب العالمية الثانية التي دارت رحى بعض عملياتها على التراب الليبلي.

وقد هاجر الوالد من قرية السواطي بضواحي مصراتة سنة 1944، إلى بنغازي طلبا للرزق بعد أن مرت على الناس في مصراتة أياما عصيبة بسبب المجاعة التي اجتاحت البلاد وسوء الأحوال الاقتصادية. وكان الوالد الوحيد من بين إخوته الخمسة الذي حفظ القرآن ودرس الفقه في معهد سيدي أحمد الزروق بمصراته. وعند قدومه إلى بنغازي في أعقاب تحريرها نهائيا من الإيطاليين ومن بقايا قوات المحور تحصل على عمل مع دائرة النظافة ببلدية بنغازي.

وكان بعد رجوعه من العمل يعاون الفقي لامينإمام مسجد الحي جامع نبوسفي دروس تحفيظ القرآن. وأتذكر أنني تعودت على مرافقة والدي للجامع، مما أتاح لي فرصة البدء في حفظ القرآن، وتعلم الكتابة على اللوح الخشبي قبل الالتحاق بمدرسة الأمير الابتدائية سنة 1949.

كانت بنغازي مدينة تلملم جراحها بعد أن تعرضت لأكثر من ألف غارة! ولا زلت أتذكر المظاهرات التي عمت المدينة منددة باستيلاء الصهاينة على فلسطين سنة 1948، وكان الحديث وقتها عن المجاهدين الليبيين الذين ذهبوا لنجدة إخوانهم في فلسطين.

كانت ظروف الحياة الصعبة في بنغازي سببا في رجوعي إلى مصراتة من جديد لأعيش في كنف أحد أعمامي. وبسبب رجوعي إلى مصراتة ضاعت مني سنة دراسية كاملة. وقمت بحملة في بيت عمي لإرسالي إلى المدرسة، التي كانت عبارة عن حجرة واحدة ومدرس واحد يدرس لكل التلاميذ، بفصولهم الدراسية من الصف الأول حتى الخامس الواقعة قرب معهد أحمد الزروق.

ثم سخر لي الله أن انتقلت إلى سرت للعمل كمساعد في دكان ابن عمي الذي كان يعمل بالتجارة فيها. وفي سرت واصلت الدراسة من الصف الثالث إلى الصف الخامس. وكانت للتجارة مع القبائل البدوية التي كانت تسكن حوالي المدينة أيام الأحد والثلاثاء والخميس.

وكنت لا أذهب للمدرسة خلال أيام الأسواق، وبالرغم من تلك الظروف الصعبة فقد كنت أعشق الدراسة، واستطعت أن أواصل دراستي بتفوق. ولم يكن لي في سرت مجالا للعب فكانت تسليتي عندما أجد وقتا قراءة القصص الملحمية، مثل السيرة الهلالية، وقصة الأميرة ذات الهمة، ونادرا ما كنت أجد فرصة للعب كرة القدم أو الذهاب للبحر.

وفي سنة 1955 عدت إلى بنغازي من جديد والتحقت بمدرسة الأمير الابتدائية مرة أخرى، واضطررت لإعادة السنة الخامسة لأن الدراسة في سرت كانت خلوا من اللغة الإنجليزية بينما كانت مادة اللغة الإنجليزية تدرس في مدارس بنغازي في السنة الخامسة.

وفي نفس السنة فجعت بوفاة والدي (رحمه الله). فكدت أن أترك الدراسة للبحث عن لقمة العيش. ولكنني بفضل من الله تمكنت من مواصلة الدراسة بالعمل كبائع للحلويات للطلبة قبل ابتداء الحصص وفي وقت الفسحة، وبعد انتهاء الدوام المدرسي. وقد عملت في العديد من الأماكن. وكانت سعادتي تكمن في قراءة مجلة سندبادالتي كانت تأتينا من مصر.

وبالرغم من الظروف الحياتية الصعبة فقد نجحت في امتحان الشهادة الابتدائية بتفوق إذ حصلت على الترتيب السادس ضمن العشرة الأوائل في مدارس ولاية برقة، وأذكر أنني سمعت اسمي يذاع في الإذاعة وأنا أقدم القهوة للزبائن في مقهى سينما الحرية الذي كنت أعمل به جرسونا.

وبدأت بواكير الاهتمام بالحياة العامة تلقي بظلالها على وتساعد في تشكيل شخصيتي. وكانت مدرسة الأمير ببنغازي التي اتممت بها الدراسة الابتدائية تعتبر المحضن الأساس للنشاط الثقافي والتربوي والرياضي والفني بالمدينة.

وقد عمل بعض المدرسين الوطنيين الذين تأثروا ببرامج جمعية عمر المختار قبل أن يقوم النظام الملكي بإغلاقها على الاهتمام بالجيل الجديد من الشباب المتعطش للتعليم وللنشاط الوطني بصفة عامة. وأنشأ هولاء المدرسين عددا من الندوات كان من أهمها؛ ندوة عمر المختار، وندوة الشباب، وندوة الطليعة.

وكانت هذه الندوات مجالا لنا للتدرب على الخطابة والإلقاء وبث شعور الانتماء للوطن. ومنحت هذه الأنشطة الفرصة للشباب لطرح القضايا الوطنية والعربية والإسلامية، ولم تستطع هذه الندوات الاستمرار والنمو لفقدان المجتمع للمؤسسات السياسية والمدنية التي كان بإمكانها دعم هذه التوجهات لدى جيل الشباب الناشئ برغم أنها أظهرت الرغبة لدى للعمل من أجل الوطن وقضاياه.

الشخصيات التي ساهمت في تشكيل شخصيتي

مثّل الوالد (الفقي رمضان ) الشخصية الأولى التي تركت في نفسي آثارا حميدة، ومن أهمها أنه حبب إلي القرآن الكريم لقراءة. فقد استطاع الوالد، الذي كان يطلق عليه في عائلتنا اسم الفقي رمضان حتى أصبحنا نعرف بعائلة عيتالفقي.

وقد كان الوالد يعرض عليّ القرآن وكنت أتابعه في المصحف. ومن نصائحه لي بيتا من الشعر كان يردده علي مسامعي ومسامع أخي الذي يكبرني عندما كنا ندخل في نزاعات، لازلت أحفظه منذ طفولتي:

أخاك أخاك إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بدون سلاح

وقد فارقنا الوالد (رحمه الله) وكان عمري 12 سنة. فعرفت معنى اليتمبعد أن فقدت كلا الوالدين ( فقد فقدت والدتي عندما كان عمري 3 سنوات).

ومن الشخصيات الأخرى التي حببتني للغة العربية كان أستاذ اللغة العربية بالصف السادس الابتدائي (القادم من مصر) والذي أنستني الأيام اسمه فقد كان يشجعني ويشجع بقية الطلبة على الكتابة والخطابة، وكان يطلب مني قراءة مواضيع الإنشاء التي اكتبها على طلاب الفصل.

وكذلك كان أستاذ اللغة الإنجليزية الذي وصل به تشجيعه لي أن أصدرت صحيفة حائطية باللغة الإنجليزية في المدرسة أطلقت عليها اسمThe Mirror . كما شجعنا على تقديم مسرحية باللغة الانجليزية على مسرح المدرسة ونحن لا زلنا تلاميذ في الصف السادس الابتدائي سنة 1956.

ولا أنسى أيضا تشجيع الأساتذة الليبيين الذين درسوني في مدرسة سرت الابتدائية، والذين جعلوني أقدم مسرحية المروءة المقنعةبالاشتراك مع الزميل محمد الكور (رحمه الله) –الذي أصبح فيما بعد من كبار الفنانين الكوميديين الليبيين ونحن تلاميذ في الصف الثالث الابتدائي سنة 1953.

لماذا لا نكون مثل العقاد

لقد كنت أنا ومجموعة من الأصدقاء (كنا أربعة) نعشق القراءة ونلتهم الكتب، ومن شدة إعجابنا بالكاتب والمفكر عباس محمود العقاد قررنا أن نحاول الاقتداء به، وتركنا الدراسة الرسمية –أثناء فترة الدراسة الإعداديةوبدأنا ندور بين المراكز الثقافية، فمن المركز الثقافي المصري إلى المركز الثقافي الأمريكي، ومنه إلى المركز الثقافي البريطاني، نستعير منها الكتب ونحضر المحاضرات والندوات التي تقام بها، وأذكر أنه كان من هذه الشلة الزميل حسن البكوش الذي اهتم باللغة الانجليزية وله الآن مكتب من أفضل مكاتب خدمات الترجمة بطرابلس.

وكان من بينهم أيضا الشاعر الأديب والإذاعي المتميز الأستاذ محمد المهدي أبوزريدة (الذي انتقل إلى رحمة الله) وكان يهتم بالشعر وأصبح من المبرزين فيه.

العمل مع المجموعة اليسارية في ليبيا:

كانت التيارات الفكرية في ليبيا تتشكل تحت السطح بعد أن منعت الأحزاب السياسية في ليبيا، وكان للتيار اليساري مكتبة لبيع الكتب عملت بها لمدة سنتين مما أتاح لي فرصة التعرف على الكثير من الإصدارات الماركسية وأذكر أن من بين تلك الكتب كتاب شهدي عطية الشافعي تطور الحركة الوطنية المصرية 1882 – 1956″ والعديد من الأعمال الفكرية والأدبية التي كانت توزعها مكتبة الفجر العربي“. كما كان لها اهتماما مبكرا بالعمل النقابي العمالي والطلابي.

وقد تاثرت باهتمام اليساريين بالطبقة الكادحة والتي كان معظم أفراد الشعب الليبي منها، مما جعلتني في حياتي ميالا لقضايا الطبقات الكادحة البروليتاريا، وخلقت في نفسي ميولا نحو الفكر اليساري لتركيز خطابه على الدعوة لحقوق الكادحين والمستضعفين في الأرض، وكنت أشعر في داخل نفسي ببداية الصراع بين الفكر اليساري والالتزام الديني.

يتبع

_____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *