Archive - ديسمبر 2021
سالم الكبتي
انتهت الانتخابات الأولى لأول برلمان بعد الاستقلال في التاسع عشر من فبراير 1952. لكن ثمة اقتراعات جديدة جرت في دوائر معينة حدثت فيها بعض التجاوزات أو المشاكل والصدام مع رجال البوليس بين مرشحي وأنصار حزب المؤتمر ومرشحي الحكومة.. جرت يوم 5 مارس 1952 وفقا للأمر الصادر من مراقب عام الانتخابات في ليبيا الشيخ محمود المسلاتي وطبقا للمادة (62) من قانون الانتخاب الصادر عن الجمعية الوطنية التأسيسية في السادس من نوفمبر 1951 والتي تحمل عنوان (الأخطاء في الانتخاب) ونصت على الأتي:
(إذا وقع اختلاف أو إخلال أثناء عملية الانتخاب وقبل الفرز مما يؤثر على نتيجة الانتخاب بحسب رأي مأمور الانتخاب ولجنته وجب عليهم أن يحققوا في الأمر وبعد البت في ذلك يرفع المأمور تقريرا إلى المراقب العام الذي عليه أن يبت في صحة عملية الانتخاب أو بطلانها وفي حالة البطلان يأمر بإجراء انتخاب جديد ويكون قراره في ذلك نهائيا).
في اليوم السادس من مارس أعلنت النتائج الأخيرة بفوز المرشحين في كافة المدن والمناطق الحضرية والريفية لعضوية مجلس النواب وبانتخابهم انتخابا قانونيا وهم:
1. نواب ولاية طرابلس (35 عضوا) .. عبدالعزيز الزقلعي – عبدالرحمن القلهود – مصطفى ميزران – مصطفى السراج – محمد الزقعار- محمد الشعاب – سعيد العربي – محمد سيف النصر – صالح بن رابحة – باكير طريش – إبراهيم بن شعبان – كمال فرحات – المنير العروسي – أنور بن غرسه – السني اللالي – مفتاح عريقيب – حسين الفقي – مصطفى المنتصر – مصطفى عزيز – محمود البحباح – علي بن سليم – المهدي بريش- أبوبكر نعامة – عبدالله بن عبدالصمد -علي بن أبوبكر النعاس – علي تامر -عبدالقادر المنتصر – نورالدين الورفلي -عبدالمجيد كعبار – عبدالله السحيري – علي بن سالم – سليمان بن سعيد – يحي بن مسعود – إسماعيل بن الأمين
2. نواب ولاية برقة (15عضوا).. عبدالسلام بسيكري- رمضان الكيخيا – خليل القلال – عبدالرازق شقلوف – ميلود عبدالله بوالخنه – مراجع الرخ – خليفة عبدالقادر – محمد بريدان – القذافي سعد – علي نورالدين العنيز- صالح بويصي- عبدالقادر البدري – محمود بوشريد- الكيلاني الضريريط – سعد جارالله (لم يستمر منذ البداية في العضوية لإصابته بعارض صحي طاريء)
3. نواب ولاية فزان (5أعضاء)..منصور بن محمد- الطاهر العالم – سالم بن حسن – محمد علي شلقم- السنوسي حمادي.
نص الدستور الليبي في مادته (94) على أن مجلس الشيوخ يؤلف من أربعة وعشرين عضوا ويكون لكل من ولايات المملكة الليبية الثلاث ثمانية أعضاء. وفي مادته (95) نص على أن الملك يعين نصف أعضائه وتقوم مجالس الولايات التشريعية بانتخاب الباقيين. وفي المادة (97) أشار إلى أن الملك يعين رئيس مجلس الشيوخ وفي المادة (105) قضى بأن ينتخب مجلس النواب رئيسا له.
وبالنظر إلى أن المجالس التشريعية لم تنتخب في الولايات ولم تصدر القوانين الأساسية لها فقد عين أعضاء مجلس الشيوخ من قبل الملك مباشرة وبالتشاور مع الولاة الذين رشحوا مجموعة من الأسماء للعضوية وأسفر التعيين عن عضوية السادة.. عبدالحميد العبار- ياسين المبري – أحمد رفيق المهدو- عوض خليفة لنقي – عبدالجواد الفريطي- السنوسي الأطيوش – خليل العريضة – محمد المنصوري – علي القره مانلل- حسين عبدالملك – راسم كعبار – طاهر الأزهري – صالح خربيش – خليل ناصوف – محمد شليد – المبروك عريبي- أبوبكر أحمد – محمد بن عمر – الشريف علي بن محمد – أبوالقاسم بادي – سالم سيف النصر – علي عبدالله القطرون – سالم المنتصر – وعين السيد عمر منصور الكيخيا رئيسا للمجلس.
افتتح الملك أول جلسة للبرلمان الذي كون مجلس الأمة (الشيوخ والنواب) يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من مارس 1954. وقد أدى الملك القسم الدستوري أمام البرلمان الوليد وفقا للمادة (47) من الدستور الذي نصه.. (أقسم بالله العظيم أن أحترم دستور البلاد وقوانينها وأن أبذل كل مالدي من قوة للمحافظة على استقلال ليبيا والدفاع عن سلامة أراضيها). واستمع مع المجلس الجديد وهو جالس على كرسي العرش الذي صنع خصيصا في فرنسا على الطراز النابليوني إلى رئيس حكومته الأولى السيد محمود المنتصر وهو يلقي أمامه أول خطاب للعرش بحضور رجال الدولة والسفراء والضيوف الأجانب.
وقد عرض فيه إلى طموحات الدولة ومساعي الحكومة في عزمها على تحقيق الأنظمة الإدارية والقانونية والنهوض بالتعليم والصحة وإزالة مخلفات الحرب وتوالي الجهود للحصول على المساعدات من الأمم المتحدة والدول الواعدة بتلك المساعدة وبناء الجيش الوطني….. وغير ذلك من مشاريع. فيما أدى أعضاء البرلمان نوابا وشيوخا بعد انتهاء الافتتاح القسم الدستوري وهو.. (أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا للوطن والملك ومحترما للدستور ولقوانين البلاد وأن أؤدي أعمالي بالأمانة والصدق). وانتخب مجلس النواب السيد عبدالمجيد كعبار أول رئيس له.
والثابت أن البرلمان عمل منذ بداية افتتاحه على تنظيم أموره وتكوين إداراته وشعبه ولجانه المختلفة المختلفة واستفاد فائدة كبيرة من أنظمة ولوائح بعض البرلمانات العربية وفي مقدمتها مصر التي أبرق رئيس مجلس شيوخها علي زكي العرابي مهنئا الليبيين بافتتاح برلمانهم الأول متمنيا أن يكون فاتحة عهدا جديد حافل بأسباب الخير والتقدم لشعب ليبيا الشقيق. ولم يحدث ذلك من مجلس النواب في القاهرة لأنه كان منحلا في تلك الأيام.
الولايات المتحدة أرسل كل من رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب (الكونغرس) مطارق لتنظيم الجلسات وضبطها لنظيريهما الليبيين.
السيد هنري سيرانو فيلار الذي كان أول سفير أمريكي في ليبيا بعد الاستقلال قام شخصيا بتقديم تلك المطارق إلى السيدين الكيخيا وكعبار. وقد قال في مذكراته التي أصدرها لاحقا عن البرلمان الجديد.. (على خلفية خط أفق مدينة بنغازي المتشظي وفي فصل الربيع المشرق من 1952 كانت ترفرف راية غير معتادة في سماء الرايات الوطنية. نجمة وهلال على خلفية من الخطوط الحمراء والسوداء والخضراء. لقد أعلنت راية ليبيا عن ميلاد هيئة ديمقراطية جديدة. إن هذا البرلمان حقق تقدما مذهلا حالما ترك وحده في تعلم قوانين اللعبة وتمكن نواب الشعب المنتخبين في حينه من تحصيل المهارة بالممارسة ومن خلال مايتمتعون به من حس بالقيادة السياسية سرعان ما سيطر هؤلاء النواب على المناقشات في مجلس النواب لأن موهبة الخطابة لدى بعض المتحدثين العرب شئ جميل وسرعان ما وجد أعضاء مجلس الوزراء أنهم كانوا مسؤولين أمام الشعب وعليهم أن يتحملوا مسؤولية أعمالهم. لقد استخدمت النقاط التنظيمية وجدولة المداخلات وأعمال اللجان بشكل مقبول على حين أفسحت الخطوات المترنحة خطوات أكثر رشاقة وتقنيات أفضل وزيادة تدريجية في درجة الإنجاز) مذكرات السفير. المملكة العربية الجديدة في شمال أفريقيا. ترجمة عثمان المثلوتي. دار المدى للخدمات الإعلامية طرابلس 2013
دامت الدورة الأولى للبرلمان خمسة أشهر حتى أغسطس 1952 بذل فيها أعضاؤه جهودا في منتهى الوطنية والإخلاص كما بدت للمراقبين. فقد أصدر خلالها قانون الميزانية العامة للدولة التي كانت تعيش على المساعدات عن العام 1952 – 1953 بمبلغ قدره مليونان وتسعمائة وخمسة وثمانون ألف ومائة وثلاثة عشر جنيها، وعلى ضوئها أقر في جلسته المنعقدة بطرابلس يوم 19مايو 1952 قانونا بشأن مرتبات الوزراء ومكافآت أعضاء مجلس الأمة وكانت كالآتي:
رئيس الوزراء مرتبه السنوي 2000 جنيه وكل وزير يكون مرتبه السنوي 1600 جنيه بينما حددت مكافآت رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب سنويا بمبلغ قدره 1600 جنيه تضاف إليها علاوة السكن قدرها 160 جنيها إلى أن تهيأ لهم محلات للسكن من الدولة ويتقاضى كل عضو بالمجلسين شيخا أو نائبا مكافأة سنوية قدرها 720 جنيها من غير أولئك الأعضاء الذين يتقاضون مرتبات أو مكافآت. وأصدر خلال هذه الدورة قانون شعار المملكة الليبية المتحدة وقانون اللغة العربية وفقا للمادة 186 من الدستور وقد تقدم باقتراح إصداره الوزير في الحكومة الأولى وعضو المجلس السيد إبراهيم بن شعبان من أمازيغ زوارة وقانون المحاماة وقانون استثمار الثروات المائية وقانون حيازة الأجانب للأملاك غير المنقولة في ليبيا وقانون توفير التعليم في ليبيا وقانون تحديد السنة المالية للدولة.
تمت هذه القوانين بالمناقشة والمداولة وقام الملك بعدها بالمصادقة على مجملها وكانت بداية المشوار لبناء الدولة على أسس صائبة في ليبيا.. ثم صدرت القوانين الأساسية للولايات وصار لها مجالس تنفيذية (مجلس وزراء محلي) ومجالس تشريعية (برلمان محلي).. فماذا حدث بشأنها استكمالا لخطوات التجربة والحياة البرلمانية في ليبيا.
Read More
بقلم محمود محمد الناكوع

الشجاعة والصدق والوضوح والوطنية، هي من أبرز خصائص شخصية المرحوم على عبدالله وريّث، وإلى جانب تلك الخصائص يتمتع بدماثة أخلاقية، وبروح مرحة، وإقبال نفسي جذاب، وابتسامة محببة، تجعله محبوبا من كل من عرفه من قريب أو من بعيد.
إضافة لتلك الفضائل فهو من أصحاب الوسامة والأناقة، وبذلك تكاملت في شخصيته مقومات الجاذبية “الكارزمية” وجعلته مرموقا في عيون وقلوب الناس، وخاصة في مدينة طرابلس.
كان عندما يمشي في شوارع طرابلس لا تكاد تتوقف يده عن التلويح ردا على تحيات من يحيونه تعبيرا عن احترامهم له، ولا يكاد لسانه يتوقف عن رد السلام، فقد كانت شعبيته واسعة بين شتى فئات المجتمع.
عرفته في لقاءات كثيرة جمعتنا في منتديات عامة، ومن أهمها جمعية الفكر بطرابلس، كما جمعتنا لقاءات خاصة في منازل بعض الأصدقاء، وآخرى في مكتب مشترك بينه وبين صهره إبراهيم الغويل المحامي، وهو المكتب الواقع في شارع 24 ديسمبر حسب تسميته في العهد الملكي.
كان علي وريّث كثير النشاط، ونشاطه ثقافي اجتماعي سياسي، وفي سنوات الستينيات، وفي أواخر العهد الملكي، كانت الحياة الثقافية في أفضل حالاتها، وتمثل ذلك في المحاضرات، وتنوع الصحافة، وفي النشاط السياسي من خلال مجلس النواب، والنقابات، وما جسدته حيوية الطلاب في المعاهد المتوسطة وفي الجامعة، وفي داخل المعسكرات والثكنات والمكاتب العسكرية التابعة للجيش الليبي، الذي تعددت داخله الاتجاهات والتنظيمات المسيسة والمتطلعة إلى التغيير.
علي وريّث كان من أكثر المثقفين حيوية ونشاطا، يحاضر في طرابلس، وخاصة في جمعية الفكر، ويحاضر في مصراتة، وغريان، ومدن أخرى.
وفي 1963، وفي عهد حكومة محي الدين فكيني أصدر صحيفة “البلاغ” واستمرت لمدة قصيرة جدا، وكانت تمثل الصوت المعارض القوي، وفيها يجد القارئ مادة نقدية للسياسة الحكومية، وكانت تنفد من مراكز البيع خلال الساعات الأولى من توزيعها.
وكنت على صلة بالصحيفة وكثير من كتابها، وشاركت بكتابة ونشر بعض المقالات على صفحاتها.
في تلك المرحلة كنت في بداية نشاطي الصحفي، وفي إحدى الأمسيات مررت على المطبعة الحكومية، ووجدت علي وريّث يتابع عملية طباعة الصحيفة لعددها الذي يصدر اليوم التالي، وبادرني قائلا: مقالتك يا أخ محمود كانت ممتازة، وستنشر في الصفحة الأخيرة لعدد الغد، والصفحة الأخيرة من الصفحات المهمة في الجريدة، وكانت فيما أظن مقالة فكرية. وجل مقالاتي في تلك المرحلة كانت تعالج موضوعات فكرية، أو ثقافية، أو اجتماعية تربوية.
وكان من كبار كتاب “البلاغ”: الدكتور أحمد صدقي الدجاني، والاستاذ عبداللطيف الشويرف، وإبراهيم الغويل، وآخرين. وأظن أن أعداد البلاغ التي نشرت في تلك المرحلة، كانت سبعة أعداد فقط، ثم مُنعت من الصدور بسبب شدة مادتها النقدية للحكومة ومشروعاتها التي لا تلبي ما يريده الشعب.
في عام 1964 قرر علي وريّث الترشح لعضوية مجلس النواب، وكانت شعبيته تؤهله للفوز بمقعد في البرلمان ولكن كانت هناك توجيهات من أعلى السلطات من الملك او من رئيس الحكومة بعدم السماح للاشخاص المعارضين لسياسات الحكومة وللمعاهدات الاجنبية بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية، وشمل المنع علي وريّث، واعتقل خلال أيام الترشيح حتى لا يتمكن من تسجيل اسمه مرشحا في دائرة حي “بالخير” بوسط مدينة طرابلس ـ حسب ما أذكرـ وذلك في عهد حكومة محمود المنتصر الثانية، إلا أن المنتصر كان غائبا بسبب السفر إلى لندن لغرض العلاج .. وكل تلك التصرفات من جانب الحكومة قد زادت من شعبية علي وريّث.
ولد علي وريّث بطرابلس عام 1934، ودرس المراحل الأولى من تعليمه في طرابلس، ثم أكمل دراسته الجامعية في القاهرة، ونال درجة الليسانس في علم الاجتماع منها عام 1959، ثم عاد إلى أرض الوطن، وعمل بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
كان علي وريّث في محاضراته العامة يعمل على توظيف كسبه العلمي في مجال الدراسات الإجتماعية، لتطوير ثقافة المجتمع بما يحقق له رغباته وتطلعاته المشروعة في حياة أفضل.
وفي نظرته إلى المجتمع وتطوره السياسي يقول عام 1962: “إن اي تطور سياسي لأي مجتمع أو أي قطاع منه، يعتمد بالدرجة الأولى على وجود أسس فكرية تنبع من العقائد الأساسية ذات الإتجاهات الواقعية الموضوعية، بمعنى أن تكون هذه العقائد ملبية لمطالب الفرد الروحية والفكرية، ومطالبه التي تتصل بحياته اليومية”.
وقال أيضا في حديثه مع الصحفي الطاهر النعاس في الجزء الأول من كتابه “مع الناس”: “إن شعور الفرد بضرورة تحسين وضعه أمر ضروري لحدوث الحركة الإجتماعية، وأن هذه الحركة أذا لم تقم على أساس من الاعداد الراسخ بقيمة الفرد المستمدة من تقديسه لحريته وإحترامه لحرية الآخرين، سوف لن تنتج إلا إنقاصا يؤدي إلى تفتيت المجتمع وتشتيته”.
عندما تعرفت على علي وريّث في بداية الستينيات، كان يعمل هو وإبراهيم الغويل المحامي في مكتب واحد، ويظهر من مكتبهم ونشاطهم أن وضعهم المالي كان جيدا، كما أن وضعهم الاجتماعي والسياسي جعلهم من طبقة النخب اللامعة في تلك المرحلة من تاريخ البلاد.
وفي الأجواء الصحية إعلاميا وثقافيا في تلك السنوات، برز ذلك الثلاثي المثقف “أحمد صدقي الدجاني، وعلي وريث، وإبراهيم الغويل” فكانوا دائما لا يكاد أحدهم يفارق الآخرين، هم في سيارة واحدة، في إتجاه واحد، ويشاركون في الندوات والمحاضرات.
أما خطابهم السياسي فهو خطاب عروبي إسلامي ناصري وثقافتهم الإسلامية واضحة، كما سلوكهم العام، وكانت الحوارات تجري بيننا حول المفاهيم والسياسات التي يتبناها التيار القومي الناصري. وكنا على خلاف سياسي معهم، لكن العلاقات مع ذلك الثلاثي ظلت جيدة، وفيها الكثير من المودة والاحترام.
تميز علي وريّث في محاضراته، وفي مقالاته الصحفية بخطاب وطني يتسم بالحماسة والحدة أحيانا، ولكنه يتسم في الوقت ذاته بالوعي المؤسس على قواعد علم الاجتماع التي درسها بالجامعة، والمؤسس أيضا على ثقافتة العامة.
كان علي وريّث انموذجا للسياسي الشجاع في عقد الستينيات من القرن الماضي، وأصبح شخصية لامعة وذات شعبية واسعة وخاصة في مدينة طرابلس حيث ولد ونشأ ومارس النشاط العام في دوائره الثقافية والاجتماعية والسياسية.
وعندما وقع التغيير، وانتهى النظام الملكي كان علي وريّث من المرحبين بالتغيير، أو بالإنقلاب، أو بالثورة، وقد تعددت الاسماء والحال واحد.
وشارك على وريّث في ندوة الفكر الثوري، وظل جريئا في طرحه ومواقفه، وحاول قادة حركة الضباط الأحرارأن يحتووا كل الشخصيات والنخب الليبية المثقفة والمسيّسة ولو إلى حين .. كما حاولوا أن يكتشفوا التيارات الفكرية ورموزها للتعامل معها حسب رؤية تصنيفية لتلك التيارات والشخصيات المتبنية لها.
وشاء قدر الله ألا تطول علاقته وتجربته مع الحكام الجدد، فقد توفى في 14 أغسطس 1970 في حادث وهو يقود سيارته عائدا من مصراتة إلى طربلس، وكان معه إبراهيم الغويل الذي أصيب بكسر في يده، وتم علاجه فيما بعد.
اهتزت مدينة طرابلس لموته، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، وهي سن النضج والقدرة على العطاء. ولعل الله قد أراد به خيرا فجعله من الناجين من المحرقة، التي التهمت الكثير من النخب المميزة في البلاد، وكادت نيرانها أن تحرق البعض من أقرب الناس اليه.
وفي أحدى أحاديثي مع عبدالسلام البكوش عندما كنا في الزنزانات (السجن الانفرادي) عام 1977، تناولنا مسألة الاعتقالات، ومواقف بعض الشخصيات الوطنية، وذكرنا فيما ذكرنا علي وريّث، فشهد عبد الحميد البكوش لعلي وريّث بالصدق والشجاعة، وقال: “لو كان على وريّبث حيا لكان معكم في السجن”، أي أن الاعتقال سيشمله باعتباره من الشخصيات غير القابلة للإحتواء والتبعية.
والجدير بالذكر أن علي وريّث كان من أشد النخب نقدا لسياسات عبدالحميد البكوش عندما كان رئيسا للحكومة.
للّه درّك يا علي وريّث، عشت وأنت تملأ الأبصار والأسماع، ورحلت محبوبا، وتركت صيتا حسنا.
رحمة الله عليه وأحسن مثواه.
_____________
المصدر: كتاب “أسماء في النفس وفي الذاكرة” لمؤلفه الاستاذ محمود محمد الناكوع، دار الحكمة ـ لندن (الطبعة الأولى 2011)
سالم الكبتي

خلال تلك الأيام من عام 1951 التي شهدت إعداد الدستور وصياغته قانونيا في صورته النهائية ظل يعرض أيضا على الملك إدريس.
كان بعض أعضاء لجنة الدستور يأتون إلى بنغازي لمقابلته والحوار معه في الكثير من نصوصه ومواده. وبالطبع لم تكن للملك الدراية القانونية فهو ليس متخصصا في القانون ولكنه ضليع بخبرته السياسية وحنكته المعروفة في متابعة العديد من أمور السياسة والحكم في المنطقة العربية على وجه التحديد.
فقد عاش مهاجرا لفترة من الزمن في مصر ووقف على أجواء البرلمانات والانتخابات والدساتير وله معارف كثيرون فيها وفي غيرها من الدول وكذا من خلال علاقاته القديمة والمعاصرة في أوروبا ونظمها ولهذا كانت نقاشاته وحواراته على الدوام مع مندوب الأمم المتحدة المستر إدريان بلت والمجلس الاستشاري وأعضاء الجمعية الوطنية ولجنة الدستور تلقي بأضوائها على الكثير من جوانبها وتفيدها بكل دراية ودبلوماسية.
لقد كان يعرف الواقع المحلي والعربي والدولي ولهذا فإنه كثيرا على سبيل المثال ما وقع تحت تأثير الحروب الإعلامية الهوجاء التي نسيت بأنه بشر له وعليه ولعل أخف هذه الاتهامات التي طالته أنه حسب لديها (عميلا إنجليزيا)!وهو لم يكن كذلك لهم ولا لغيرهم وذلك من سوء الفهم والالتباس الذي قاد الكثيرين للوقوع في فخاخ التسرع والحكم الطائش.
أنا هنا لست بصدد تقييمه أو الدفاع عنه بأي شكل من الأشكال ولكنني أرى أن الرجل وغيره من جيله الذين قادوا المرحلة في المنطقة رأوا أن بريطانيا (دولة عظمى) ومن المفيد سياسيا التحالف معها والتعاون بما يفيد الدولة لغير. فلم تستعمل هذه العلاقة ضد أي فرد من الشعب أو ضد دولة من الدول مجاورة أو بعيدة.
كان (الأمر الواقع) و (السياسة المتوازنة) التي رآها الآخرون عمالة وخيانة هي السائدة لمداولة الشؤون والأمور. وللمتابع أن يتقصى الكثير من التفاصيل المتعلقة بالمفاوضات السلمية التي قادها الأمير ثم الملك ليعرف دهاءه وتصرفه السياسي بعيدا عن الحكم المسبق ووضعه في إطاره الزمني والتاريخي ومراعاة أسباب الثغرات والأخطاء.
كان السيد إدريس السنوسي ومجايلوه في ليبيا أو خارجها يدركون العالم الذي يعيشونه ويعرفون التعامل معه وفقا لما أتيح له ولهم من دراية وتجربة ومعرفة بالأمور فوق الأرض. لم يكن مفهوم العمالة أو الخيانة في أذهانهم على الإطلاق فيما أتصور وفيما سيحكم به التاريخ.
وعلى أية حال كان الملك يتابع أعمال لجنة الدستور وقد أشار الكثيرون ممن كانوا يلازمونه العمل والقرب بأنه كان زاهدا ومترددا في قبول الحكم واعتلاء العرش إذا كان وجوده يسبب صراعا أو انقساما في ليبيا. وأذكر أن السيد فتحي العابدية الذي كان سكرتيرا خاصا للملك في تلك الأيام وحضر جانبا من لقاءاته مع لجنة الدستور في قصر الغدير قرب بنغازي (بوعطني) الذي منحه للجيش لاحقا ليكون مقرا لأول كلية عسكرية ليبية عام 1957.
أذكر أن السيد العابدية روى لي الكثير من هذه التفاصيل بكل صدق وحياد فقد أشار غير مرة إلى أن الملك أكد في كثير من الأحيان على أن يكون نظام الحكم في ليبيا جمهوريا وقد حدث أن قدم له السادة: الشيخ أبو الأسعاد العالم وعمر شنيب وخليل القلال وسليمان الجربي المسودة النهائية للدستور بعد الفراغ من صياغتها للاطلاع عليها وتقديم أية اقتراحات بشأنها أو تعديلات تيضيف المزيد مما لم يصل إليه أعضاء لجنة الدستور..
فماذا حدث بالضبط؟
كان السيد العابدية شاهدا وصادقا في روايته فقد قام الملك شخصيا بشطب نصوص المواد الأولى التي تتصدر الدستور بالقلم الأحمر لأنها قضت بأن يكون نظام الدولة ملكيا وراثيا واقترح أن يتولى شؤون البلاد وإدارتها فترة من الزمن شخص محايد من خارجها نتيجة للكثير من التصورات والآراء المتعلقة بشخص الملك إدريس في الداخل وهذا الشخص هو الأمير محمد علي من الأسرة المالكة المصرية وكان من أفرادها المشهود لهم بالاستقامة والخلق الحسن والورع وكان أيامها وليا للعهد في مصر قبل حركة الجيش عام 1952 ولكن الأمر تغير بعد أن رزق الملك فاروق بولي للعهد وهو ابنه أحمد فؤاد في يناير من ذلك العام الذي وقع فيه حريق القاهرة المشهود.
كما أشار السيد العابدية، في أحاديثه عن هذه الفترة مباشرة معي في بيته في بنغازي خلال سنوات 1986و1987 و1988، إضافة إلى أحاديث أخرى عن الدولة الليبية وسياستها في فترة الاستقلال، إلى أن الملك نفسه أكد في مرات لاحقة سعيا للتغيير الهاديء والسلس على أن يكون نظام الحكم (جمهوريا) في لقاءات مع رئيس الحكومة السيد مصطفى بن حليم والمستر إدريان بلت واقترح بنفسه أيضا أنه في حالة وفاته وشغور المكان بتلك الوفاة يتم اختيار مجلس للسيادة يدير البلاد لمدة سنتين.
وهذا المجلس يضم من ثلاثة أشخاص إلى خمسة فقط تحفظ أسماؤهم بطريقة سرية في مظروف مختوم بالشمع الأحمر يوضع في خزانة الديوان الملكي وتودع نسخ منه في خزانة الديوان الملكي وخزانة البرلمان وخزانة الحكومة وعندما توفي أخوه الأمير محمد الرضا عام 1955 وكان وليا للعهد لم يعين من يخلفه مباشرة إلا بعد عام من الوفاة في 1965 حيث استدعى ابنه الحسن الرضا وصدر أمر ملكي بتعيينه وليا للعهد وكان قد قدم استقالته أيضا تلك الأيام. أشار إلى أن التغيير قادم مع التطور والسنوات وهو يود أن يرعى التغيير بنفسه دون اللجوء إلى محاولات أو إجراءات يخشى وقوعها وتأثيرها على ليبيا إجمالا.
وفي إحدى جلسات الجمعية الوطنية في بنغازي اعترض الملك أمام أعضائها على كثير من السلطات التي منحت له وفقا للدستور فقد أصر على أن تضاف عبارة البرلمان في المادة التي أعطت له الحق في إعلان الحرب وأشار إلى أنها لاتتم من قبله فقط بل بمشاركة البرلمان وكذا الشيء نفسه في إعلان حالة الطوارئ في البلاد والكثير من الأمور. كما يذكر الكثيرون أن الملك عقب إعلان الاستقلال بأيام جمع أفراد أسرته كبارا وصغارا وأشار لهم بأن هذه البلاد ينبغي أن يتولاها أهلها ونحن نبعد إلى حيث المجالات التي تسمح بمواصلة نشاط الدعوة السنوسية فقط وشدد عليهم بالابتعاد عن الأمور السياسية ومغادرة البلاد أيضا إذا لزم الأمر قائلا لهم (بوحافر يحفر وبوجناح يطير).
أعلن الملك الاستقلال صباح يوم الاثنين الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 من قصر المنار وسط جموع الشعب وخرائب البنايات المتهدمة من الحرب وعبر الحالة الاقتصادية البائسة وحضور أعضاء الجمعية الوطنية ومندوب الأمم المتحدة والمجلس الاستشاري والحكومة الوطنية وظل الماضي البعيد والقريب مجرد حكايات طويت ولم يعد بالإمكان إعادتها فقد مضى ذلك الماضي وبدأت مرحلة الاستقلال بالتوافق والنظرة البعيدة نحو البناء والتشييد واستخدام العقل والحكمة والصبر.
ووفقا لقانون الانتخابات الذي أصدرته الجمعية الوطنية تم إجراء أول انتخابات بعد الاستقلال. جرت في التاسع عشر من فبراير 1952 وأعلنت النتائج في العشرين منه بحضور مراقبين من الأمم المتحدة إضافة إلى العديد من المراقبيين المحليين في مختلف المناطق. واقتضى التوافق بأن يتم ترشيح خمسة وثلاثين نائبا عن طرابلس وخمسة عشرة عن برقة وخمسة عن فزان بحكم التركيب السكاني لكل إقليم من أقاليم ليبيا الثلاثة.
فكيف تمت هذه الانتخابات الأولى التي أفلحت في إنجاز الطريق لأول برلمان ليبي بعد الاستقلال؟ وماذا حدث بالتفصيل وكيف كان نظامها و نتائجها؟ وماذا ترتب عنها؟.
_____________

سالم الكبتي
(..وإنه لمن أعز أمانينا كما تعرفون أن تحيا البلاد حياة دستورية صحيحة)
الملك إدريس السنوسي في خطاب إعلان الأستقلال
.. ولابد أحيانا من العودة إلى التاريخ أو بمعنى آخر التقدم خطوة نحوه. فقد ظلت ليبيا وستبقى ذات موقع مهم على ساحل البحر الأبيض المتوسط وتحميها من الخلف عبر البعيد الصحراء الكبرى ومنذ القدم تشكلت هويتها وشخصيتها بالتدريج نتيجة لتلاقي الحضارات فوق أديمها الواسع وامتزاج الثقافات والمعارف والفنون والعادات وتأسيس المدن والمراكز الحضارية واستيعاب القادمين للعيش بها في حرية وسلام.
في (قوريني)على قمة الجبل الأخضر نشأ الفلاسفة وبرزت مدرسة المشائين ووضع المشرع الأغريقي الشهير (ديموناكس) دستورا للمدينة في سنوات ما الميلاد وظلت قوريني على الدوام في تلك الحقبة مقرا للحكمة والفلسفة والرياضة والطب والعلوم ومنها انطلق كاليموخس لإنشاء مكتبة الأسكندرية إحدى مدن العالم القديم الكبرى مع قوريني وقرطاجنه ولبدة. وعند الفتح الإسلامي دارت حول طلميثة التي كانت عاصمة لإقليم برقة أولى معارك الإسلام في ليبيا وعقب تلك المعارك الفاصلة كتب المسلمون الفاتحون مع سكانها النسخة الأولى من وثيقة الصلح التي أصبحت نموذجا راقيا لجميع الوثائق اللاحقة مع بقية المدن المنتشرة التي سيقومون بفتحها في شمال إفريقيا. كانت هذه الوثيقة كما تقول المصادر التاريخية وثيقة تحرير بالفعل من العصر المظلم الذي عاشته شعوب المنطقة تحت حكم الرومان. ثمة خلفية تاريخية تطل دائما عبر ليبيا تنهض أمام الأعين مرة في لحظات اليأس وتغيب أكثر بكل مرارة في أوقات مؤلمة من الانكسار والحزن. فلتكن مشيئة الله كما أرادها.
وفي كل الظروف لعل الليبيين غدوا يستفيدون من هذا التاريخ والإفادة من تجربتهم المتواصلة إضافة إلى تجارب الآخرين على الطريق وبهذا تكتمل أسس تكوين الدول فمن لاقديم له لاحاضر لديه بأختصار شديد. إن ذلك يعتبر قفزة في الفراغ وفي الهواء فوق كنوز مطمورة تحت الأرض.
يذكر د.مجيد خدوري العالم المشهور وثاني عميد لكلية الآداب والتربية في الجامعة الليبية عام – 1957 -1956 في مذكراته في ليبيا أن في تحضير الدستور الليبي عام 1951 حدثه الدكتور عوني الدجاني الذي كان مستشارا قانونيا للجمعية الوطنية التأسيسية خلال أعمالها في لقاء جمعهما يوم الخميس الموافق للرابع والعشرين من يناير 1957 قائلا: (نظرا لقرب الفترة الزمنية التي حددتها الأمم المتحدة موعدا لاستقلال ليبيا فقد أعد الدستور بشيء من السرعة عبر اجتماعات اللجنة الدستورية التابعة للجمعية الوطنية وانتهى الفراغ منه خلال ستة أشهر فقط. وهذه اللجنة عينت تسعة أعضاء من أجل وضع لائحة الدستور وكانت بواقع ثلاثة أعضاء عن كل إقليم. كنت مستشارا قانونيا للملك إدريس فأرسلني لأعمل إعداد الدستور وكنت أمثل وجهة نظر الملك فيما يتعلق بالدستور.
وقد وضعت لجنة التسعة أعضاء مسودة الدستور وترجمت كافة الدساتير الفيدرالية (نحو إثني عشر) في العالم حتى يطلع عليها أعضاء اللجان وجلبت أيضا دساتير البلاد العربية الأخرى للاطلاع عليها. وأكد الدجاني على أنه حضر (بتشديد الضاد) نحو ثلثي الدستور: ثاني أبوبه الذي يتعلق بالمقدمة وحقوق الملك والشعب والوزارة والمحكمة العليا. أما عمر لطفي المستشار القانوني لأدريان بلت فقد حضر المواد المتعلقة بالبرلمان والنظام المالي وقد استقى أكثر المواد لهذه الأقسام – نحو أربعة أبواب – من الدستور المصري. فالنظام التشريعي كثير الشبه بالدستور المصري.
وأشار الدجاني في هذا اللقاء أيضا إلى أنه علم آراء الملك العامة كرغبته في أن يكون شكل نظام الحكم فيدراليا ورأيه في هذا ساد بالرغم من كثرة مطالبة الأعضاء الطرابلسيين بالدولة الموحدة. وقد شرع أول قانون دستوري من قبل الجمعية الوطنية بقانون اقترحه السيد محمود المنتصر رئيس الحكومة المؤقتة نص على أن يكون نظام الحكم ملكيا وإعلان ملكية إدريس الأول أول ملك لمملكة ليبيا. وكذلك نظرت الجمعية في عدة اقتراحات وقوانين كانت لها صفة دستورية).
وعلى هذه المعطيات والتفاصيل القول يظل مؤكدا على أن خطوات الدستور ومناقشته تولتها اللجنة المختارة من الجمعية الوطنية فيما ظل أمر الصياغة القانونية في صورة الدستور النهائية تعود للمستشارين الدجاني ولطفي بعد الموافقة النهائية من الجمعية بالكامل.
لقد ناقشت الجمعية أيضا بكل مسؤولية وأمانة في جلسات استغرقت وقتا طويلا وعاصفا بعض الأحيان موضوع البرلمان وتكوينه وتفاصيل النظام الانتخابي وتفاصيل تقسيم السلطات التشريعية بين مجلسي البرلمان المقترحين وهما النواب والشيوخ واستعرضت عدة اقتراحات بشأنها وقر الاتفاق على أن ينص الدستور الليبي على قيام برلمان ليبي مؤلف من مجلسين: أحدهما مجلس للشيوخ يؤلف من ممثلين للأقاليم على أساس المساواة وعلى أن يكون هؤلاء الممثلون معينين أو مختارين من قبل حكومات الأقاليم ثم يعينهم الملك وفي هذا تفضيل للجمعية في أن تؤكد على ذلك أو ترغب في أن يقوم الملك من تلقاء نفسه بتعيين عدد محدود من هؤلاء الممثلين ويتم اختيار الآخرين من قبل حكومات الأقاليم ثم يعينهم الملك ويتم انتخاب أعضاء مجلس النواب على أساس نسبي يضمن تمثيل سكان الأقاليم الثلاثة.
وواصلت نقاشها في كل القضايا التي تهم المستقبل ومن بينها مسألة تنقيح الدستور وإجازة ذلك بعد موافقة المجالس التشريعية في الأقاليم والبرلمان ثم الملك وهذا ماحدث لاحقا عند إجراء التعديلات الدستورية عام 1963 .
بعد الموافقة من قبل لجنة العمل على مشروع الدستور إكتمل بمقدمة واثنى عشر فصلا ومائتين وثلاث عشرة مادة. وأرسل إلى الجمعية الوطنية في العاشر من سبتمبر 1951 وقريء فيها للمرة الأولى وفي التاسع والعشرين من الشهر نفسه عقدت الجمعية جلساتها في بنغازي لمناقشة مشروع الدستور وإقراره ثم وافقت عليه دون أية تحفظات أو اعتراضات في السابع من إكتوبر 1951. ثم قدمت الحكومة الاتحادية المؤقتة للجمعية في الثاني والعشرين من إكتوبر مشروع قانون الانتخاب وبعد أن درسته وأجرت بعض التعديلات أقرته وأصدرته في السادس من نوفمبر 1951.
ستجرى هذه الانتخابات لاحقا في النصف الثاني من فبراير 1952 وكان بود الجمعية الوطنية أن تجرى تلك الانتخابات قبل إعلان الاستقلال ولكن وضع قانون الانتخاب لم يكن ممكنا بطبيعة الحال كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلا بعد أن انتهي من وضع الدستور الذي حدد الهيئات الواجب اتخاذها والمباديء الأساسية الواجب اتباعها في النظام الانتخابي. فيما لخص المستر إدريان بلت رأيه في هذا الدستور في إحدى تقاريره بأنه:
(يمكن القول بأن الدستور الليبي ذو طابع ديمقراطي والملك هو ملك دستوري يتولى سلطاته عن طريق وزرائه المسؤولين أمام مجلس النواب المنتخب أما فيما يتعلق بحقوق الإنسان فالدستور يتبع بوجه عام مباديء إعلان حقوق الإنسان الذي وضعته الأمم المتحدة ونظرا للظروف السائدة في ليبيا فإن الدستور ليس ديمقراطيا من حيث الفكرة بل يتيح فرصة للتقدم المطرد).
ومن أهم خصائص الدستور الليبي وقتها التي أشارت إليها تقارير الأمم المتحدة أيضا بأنه: دستور ديمقراطي لأنه يعترف بالسيادة للشعب فالسيادة للأمة والأمة مصدر السلطات. وهو دستور نيابي لأن مجلس الأمة بمجلسيه نوابا وشيوخا يقوم باستعمال حقوق الشعب الدستورية نيابة عنه وهو أخيرا دستور برلماني لأنه يقرر المسؤولية الوزارية أمام مجلس النواب.
.. فماذا كانت آراء الملك عندما كانت تعرض عليه مسودة الدستور تلك الأيام. كيف كان ينظر إلى الأمور التالية بعد الاستقلال؟!
