Author - hajahmed
|
بقلم: الأستاذ محمود محمد الناكوع
|
||||||||||||||||||||||||||||||
| مثقف واسع الاطلاع تخرج من كامبردج عام 1971م وعاد إلى بلاده داعية للحرية ومنافحا عن الثقافة الإسلامية. لكنه سرعان ما ذاق كلفة اختياراته، وتنقل بين السجون والمنافي، وحتى عندما هجر التدريس جملة واحدة وعاد إلى قريته راعيا للاغنام، لاحقته الأجهزة وضاع خبره عندها منذ 1986م، فلا أحد يعرف مكانه أو مصيره.. وهذه لفتة وفاء لكاتب كريم وشاعر حالم، وخاطرة أمل بأن يذوق طعم الحرية من جديد.
عندما أنهى الدكتور عمرو النامي دراسته في جامعة كامبردج سنة 1971م كان يحلم بمكانة مرموقة في الجامعة الليبية. وهو حلم يتناسب مع قدراته العلمية، ومواهبه الفنية، وتطلعاته الفكرية. انه مثقف واسع الاطلاع، متنوع القراءات. ويتمتع بذكاء أهله إلى درجة المتفوقين – في الدراسات الأدبية في كلية الآداب والتربية، الجامعة الليبية، ومقرها مدينة بنغازين سنة 1962م . ووقع اختياره لبعثة دراسية لاستكمال الدارسات العليا.. كانت الجامعة الليبية في تلك السنوات في بداية عمرها الذهبي، إذ افتتحت أول جامعة ليبية في زمن الاستقلال سنة 1955م. (استقلت ليبيا سنة 1951م). و أهدى الملك إدريس قصره المتواضع، واسمه “قصر المنار” ليكون منارة لطلاب الدراسات الجامعية. ومن حسن الحظ، وحسن السياسة تمكنت الجامعة في عقدي الخمسينات والستينات من الاتفاق مع عدد من الأستاذة الجامعيين اللامعين وجلهم من جامعتي القاهرة، والإسكندرية. وكان بينهم الأستاذ الدكتور محمد محمد حسين، أستاذ الأدب العربي الحديث. وهو شخصية مثيرة، بأسلوبه النقدي، وبتمسكه ببعض القديم بما في ذلك “طربوشه” الذي يميزه عن سائر المدرسين الآخرين. الأستاذ وتلميذه كان الدكتور محمد محمد حسين شديد الإعجاب بذكاء عمرو النامي، فاهتم به وشجعه على المضي في طريق البحث والدراسة حتى يصبح يوما ما أستاذا جامعيا. وجمعت بين الأستاذ وتلميذه رابطة المنطلق والتوجه الإسلامي.. ومن الصدف الطريفة إن قسم اللغة العربية في تلك السنوات (1959-1962) جمع بين ثلاثة من الطلاب الأذكياء، وهم عمرو النامي، ومصطفى الهنقاري، وصادق النيهوم. وفي حين جمعت الصدفة بينهم في الدراسة، فقد كان لكل واحد منهم شخصيته الثقافية، وسلوكه الاجتماعين واختياره الفكري، وتباعدت بينهم الآراء والمعايير والمواقف حتى انعكست في أعمالهم الأدبية والنقدية، والتي سنذكرها فيما بعد، وبالتحديد بين عمرو النامي، وصادق النيهوم. أحداث اعتقالات ” الإخوان” وخروج النامي من مصر في سنة 1962م اكمل عمرو النامي تعليمه الجامعي في ليبيا، وبدأ يستعد لمرحلة الدراسات العليا. وتوجه في بداية الأمر نحو مصر، وبينما كان في تلك المرحلة وقعت أحداث 1965م وهي أحداث اعتقالات ” الإخوان” ومن بينهم محمد قطب وسيد . ونظرا لان عمرو النامي يقع في نفس الدائرة من حيث التوجه الفكري، وخشية من أن تمتد إليه يد الاعتقال ترك مصر، وترك شأن الدراسات العليا بها، وعاد إلى ليبيا لبعض الوقت، واستطاع إن يقنع إدارة الجامعة الليبية بتغيير مكان الدراسة من مصر إلى بريطانيا. وكان مدير الجامعة في ذلك الوقت المرحوم الأستاذ مصطفى بعيّو الذي قدر ظروف عمرو النامي، ووافق على إجراءات التغيير. غربة والدكتوراه في بريطانيا، وفي جامعة كامبردج قضي عمرو قرابة خمس سنوات كان حصادها التعليمي درجة الدكتوراه في الدراسات: ” العربية والإسلامية” وحصادها العام ثقافة واسعة، وتجربة حضارية، وعلاقات متنوعة مع أهل العلم والفكر ورواد الحركات الإسلامية من مختلف الأجناس واللغات والقارات. بينما كان عمرو النامي في غربته تلك من اجل العلم والدراسة (1967-1971م) كان يتابع أخبار الوطن وما يجري فيه من تفاعلات ثقافية وسياسية. وظل يرصد بعض ما تنشره الصحف الليبية من مقالات فكرية و أدبية، أو ما تنشره من شعر. ولا يفوته إن يقيمها، وان عبر عن موقفه من اتجاهاتها وما تعكسه من دلالات لا يرضى عنها في بعض الأوقات، وفي بعض ذلك الإنتاج. النامي يكتب من الغربة
فصول من الجد الهازل نشرت صحيفة “العلم” ما بين سنة 1968-1969م عددا من المقالات النقدية لعمرو النامي. كانت تدور حول: “الحضارة الغربية وموقفها من الإسلام والعالم الإسلامي”. “الشعر الحديث” نماذج ليبية، واختار لها عنوان “فصول من الجد الهازل” وعكست نقدا ساخرا ولاذعا لبعض الإنتاج الشعري الليبي الذل انفات من موازين الشعر العربي، وانفلت من ثقافة وقيم وصور البيئة العربية الإسلامية، وكثرت فيه على حد إشارات النامي “النواقيس” و “الصلبان وأشياء اخرى، وهي ثقافة تعلمها الشبان الليبيون من مجلات: الطليعة والكاتب والداب البيروتية.. وغيرهم. إما المقالات التي أثارت دويا هائلا في تلك الأيام، فهي المقالات التي أنشأها عمرو النامي بعنوان “رمز ام غمز في القرآن” وفيها رد على كتابات للصادق النيهوم، والتي نشرها في صحيفة الحقيقة. ونشر بعضها الآخر في صحيفة الرائد وكانت عن “الرمز في القرآن” ومن أكثرها جدلا مقالته بعنوان “إلى متى يظل المسيح بدون أب” حيث أحدثت ردود أفعال في عدة دوائر دينية وصحافية و أدبية. ومن بين ردود الفعل تلك كانت مقالة عمرو النامي التي أرسلها من مدينة كامبردج ونشرت بـ”العلم” بتاريخ 18/4/1969م وجاء فيها: “ولو إنني اعرف الصادق النيهوم جيدا لكتبت غير هذا عن هذا الامر، فانا اعرف الصادق شخصا لا ينطلق من أسس واضحة فيما يفعل أو يكتب، وهو يصنع ذلك استجابة لما يقرأ او يطرأ عليه من أحوال تكتنف حياته التي لا يحكمها تصور واضح للحياة، أو سلوك ثابت محدود. ولذلك فعندما نشر بعض فصوله عن الرمز في القرآن، حسبت ذلك على ما قدمته من أحواله. وقلت نوبة ستمضي بما جاءت، وهو شئ غير ذي قيمة في الواقع لا من ناحية الجهل والدراسة والبحث العلمي السليم، ولا من حيث آثاره ونتائجه”. وكشف النامي أن ما يردده النيهوم قد سبقه إليه الباطنية نظريا وتطبيقيا. ولعله من المناسب ان نلاحظ إن النيهوم الذي يكتب مقالات في مجلة “الناقد” ما يزال يستخدم نفس الأسلوب، ونفس العناوين الاستفزازية فيما يصدر عنه من آراء بشأن قضايا الفكر الإسلامي. ويبدو ان جو كامبردج، ومناخها الأكاديمي قد أشاع الاطمئنان والارتياح عند الدكتور عمرو النامي. فعندما حدث التغيير في ليبيا في 1/9/1969م، وانتهى النظام الملكي، وحل محله النظام الجمهوري كتب مقالة بعنوان: ” كلمات للثورة” نشرت بصحيفة “الثورة” في 14/11/1969م. ووضع فيها مبررات الثورة، ومهمة الجيش، وهي مهمة استثنائية ضرورية محدودة، يعقبها تسليم السلطة إلى الشعب، وهو الذي يختار أسلوب حياته السياسي والاجتماعي في الفترة القادمة. وتناولت المقالة الاتجاهات الفكرية السياسية القائمة في البلاد في ذلك الوقت ورتبها في الشكل الآتي: 1- القوميون العرب، 2- البعثيون، 3- الناصيرون، 4- الشيوعيون، 5- الإسلاميون. ووصفها بأنها تجمعات عقائدية ولذلك حسب تعبيره”فغالب الظن إنها لن تتخلى عن اتجاهاتها القائمة بل ستستمر في ارتباطها بهذه الاتجاهات والدعوة اليها، ونحن نعتقد ان لها جميعا حقا كاملا في اعتناق أفكارها وعرضها في نطاق الأخلاق العامة للشعب، بعيد عن التراشق بالتهم والكذب والإرجاف.. ويجب ان تتاح الفرصة الكاملة لهذه التجمعات للتعبير عن أفكارها وعرضها بكل الصور المشروعة التي تختارها. كما يجب الاستفادة من خبرات هذه الفئات جميعا على النطاق الفردي في الجهاز الإداري للدولة مع تجنب تمكين أي فئة منها من كل المراكز الحيوية التي تجعلها تستغل مرافق الدولة في سبيل أهدافها الخاصة”. كما تحدث في مقالته الطويلة عن الثورة والإسلام، وأكد ان الإسلام هو الأصل وهو الأساس في أحداث الإصلاح المنشود في ليبيا. فلا توجد في ليبيا عقيدة غير عقيدة الإسلام. في صيف عام 1971م حزم الدكتور عمرو النامي كتبه أمتعته وعاد الى وطنه ليبيا ليحقق حلمه وليقف على منابر الفكر والعلم كاتبا وشاعرا واستاذا جامعيا. وبدل ان تفتح امامه ابواب هذه المنابر، استقبلته مراكز الشرطةن وغرف التحقيقن ومنها الى المعتقل. وجاء اول اعتقال كحالة انذار وتحذير ولم تستغرق مدته الا بضعة ايام، واستأنف حياته العادية، وبدأ نشاطه كأستاذ في الجامعة في بنغازي ثم نقل إلى طرابلس. وعندما جرت الاعتقالات الموسعة سنة 1973م تحت شعارات: “الثورة الثقافية” “من تحزب خان” “الثورة الادارية” كان عمرو النامي، واحدا من مثات المعتقلين من المثقفين والطلبة. وكنت انا احد المعتقلين في السجن الذي دام قرابة سنتين..ز وبعد الافراج عنان طلب من الدكتور عمرو النامي ان يغادر البلاد، واعطي حق اختيار منفاه في اليابان، أو اميركا اللاتينية، او افريقيا. فاتجه اولا الى الولايات المتحدة لتدريس اللغة العربية والاسلام في جامعة اميركية. ثم طلب منه الذهاب الى اليابان في سنة 1979م وفيها انشد يقول:
لانه شديد الحب لوطنه ولاهله ولمرابع طفولته وشبابه وذكرياته لم يطق حياة الاغتراب، وغلبته جاذبية الوطن، فعاد الى ليبيا قبل ان يدور العام دورته. وقرر ان يهجر العلم والتدريس وان يترك المدن الكبيرة وان يتحول من مهنة التدريس إلى مهنة رعي الأغنام لعل ذلك يجعل سدا بينه وبين “منكرات السياية”.. وكان جادا في هذا الاتجاه، واشترى قطيعا من الأغنام، وذهب إلى ظاهر “نالوت” مسقط رأسه، ومقر أسرته و أهله. وفي قصيدة في هذا الموضوع يقول:
لم يتمكن الشاعر، والأستاذ الجامعي من تحقيق أمنيته، ومن إنجاز مشروعه، وليعيش حرا عزيزا كريما كما تطلعت نفسه. وفوجئ مرة ثالثة بأبواب السجن تفتح أمامه سنة 1981م انقطعت اخباره عن اهله واصدقائه. ولا يعرف مصيره حتى الآن. عرفت عمرو النامي يوم كنا في مرحلة الدراسة الإعدادية الثانوية بمدينة غريان. وجمعت بيننا مرحلة الدراسة الجامعية في بنغازي. وتوثقت علاقتنا بروابط العقيدة والفكرة والوجهة الإسلامية الواحدة. وعشنا محنة السجن معا في سنة 1973-1974م. وعرفت فيه الذكاء، والإيمان العميق، والشجاعة، وصلابة الموقف. والرجل كان فعلا يريد ان يعتني بوالديه، وان يعيش بعيدا عن السياسة ومآسيها، وهو يدرك تماما الأبعاد الدولية للصراع في المنطقة.. ولكن يبدو انه لم يفهم من قبل الأجهزة في ليبيا. ودفع ثمن حسن نواياه. كما دفع نفس الثمن كثيرون آخرون. ان الدكتور عمرو خليفة النامي مثل للإنسان المثقف الجاد، وشديد الإخلاص لوطنه و أمته. ولو كانت السلطة السياسية تتصرف بمنطق العقل والحكمة والنظر البعيد لما وقفت منهم موقف المطاردة والملاحقة والاعتقال. بعد ان أكد انه لا ينوي الانخراط في حركة معارضة. واختار ان يتفرغ للعلم والتدريس أولا، ثم بعد ان حيل بينه وبين ذلك اختار ان يعيش في عزلة يرعى شويهاته في أرض ليبيا الواسعة.. ولكن يبدوا ان ليبيا صارت ضيقة لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق هذه خطرات في سيرة رجل ارتبط بالفكر والثقافة،و كانت له مواقفه الصارمة التي لا تقبل الاحتواء، وان قبلت الانزواء في وديان وشعاب نالوت..كان عمرو النامي كاتبا وناقدا ومحاضرا وشاعرا. وخلال سنوات الاعتقال كتب عشرات القصائد. وألف في السجن(1973-1974م) كتابه الوحيد “ظاهرة النفاق في إطار الموازين السلامية” وصدرت طبعته الأولى سنة 1979م.. وشاءت الأقدار أن يغيب عن مسرح الحياة الثقافية في ليبيا، قبل أن ينجز إعماله الفكرية، بل شاءت الأقدار أن يغيب عن الأنظار والأسماع منذ سنة 1986م. والسؤال المطروح: أين الدكتور عمرو النامي؟ —————– |
ـ هذا المخلوق من مواليد مرسى مطروح لأم مصرية من محافضة البحيرة في مصر وهم من قبائل أولاد علي، وهي قبائل تتواجد بالمناطق الحدودية وتمارس جميع أنواع التهريب بين مصر وليبيا.
ـ كان والده يعمل في مصر حارسا لأحد أفراد عائلة سيف النصر(قبيلة اولاد سليمان)، وبعد الاستقلال أصبح ضابط في البوليس، وكان آخر منصب له كضابط بوليس هو نائب قائد القوة المتحركة في ولاية فزان، وهي جزء من قوات البوليس المركزية، وكانت مهمة القوة المتحركة الحفاظ على النظام الملكي.
ـ كان يعرف بمنسق العلاقات الليبية المصرية، ولكن من المؤكد أنه كان صنيعة المخابرات المصرية منذ تخرجه من الكلية العسكرية.
ـ هذا المخلوق، كان أحد أفراد الحلقة الأضيق المقربة من ابن عمه الدكتاتور، وكان يلازمه أينما يتحرك في البداية، وكان يصنف ضمن دائرة كبار المسؤولين الأمنيين في النظام الليبي. وأحد أهم رجال الخيمة، وهو التعبير الذي يقصد به الحلقة الضيقة من المسؤولين الذين يحظون بثقة القذافي، وكان ابن عمه يكلفه بكل الأدوار في الظاهر، ولا دور له في الجوهر، بل كانت له أدوار في الوقاحة والفساد، وكان همه هدم الدولة الليبية.
ـ لم يستطع قذاف الدم أن يكمل دراسته الثانوية، وبعد انقلاب سبتمبر 69، تم تجاوز القانون الذي يشترط شهادة التوجيهية لمن أراد لالتحاق بكلية الضباط، وبأمر من القذافي، تم تحويله إلى الأكاديمية العسكرية. تخرج من الأكاديمية في بداية السبعينيات وبعدها التحق بسلاح الحرس الجمهورى وتدرج في المراتب العسكرية في فترة وجيزة. وعندما أُلتحق قذاف الدم بكلية الضباط في مصر، وجد نفسه بين أخواله، وخاصة الضباط في الجيش والشرطة، وبدأ بتأسيس علاقات في مصر مستفيدا من العوامل الاجتماعية.
ـ كان ضمن أول دفعة ضباط تخرجت بعد الثورة من مصر، ابتعثه ابن عمه لحضور عدة دورات بعدها في تركيا وباكستان ويوغسلافيا وبريطانيا في تخصصات مختلفة في العلوم العسكرية، وصل بسرعة فائقة إلي رتبة عقيد في القوات المسلحة، ومما يتناقله بعض الناس أنه كان ضمن القوات الليبية في الحرب الأهلية اللبنانية
ـ بعد الانقلاب بأشهر قليلة، فشلت أول محاولة للتخلص من القذافي، وكان من بين رجال المحاولة شخصيات من عائلة سيف النصر التي يدين لها والده محمد قذاف الدم بالولاء المطلق، فهم أولياء نعمته، وهم من أحضره من مصر إلى فزان، وكان يعمل خوليا معهم وأعطوه رتبة عسكرية، بالاضافة إلى تبعية القذاذفة إلى عائلة سيف النصر من حيث الولاء والمواقف السياسية والاجتماعية.
ـ في منتصف السبعينيات، تنقل قذاف الدم في الثمانينياب بين السفارة الليبية في مصر وقبلها إمرة منطقة طبرق العسكرية، ثم شارك في الحرب في أوغندا دعما لعيدي أمين دادا، وكلفه إبن عمه بمهام سياسية خاصة لدى بعض الدول. وكان سفيراً في أكثر من بلد أهمها السعودية ومصر وعمل مبعوثاً خاصاً لكافة دول العالم وشارك في معظم القمم العربية والإفريقية والمؤتمرات الدولية.
ـ كلفه معمر بملف المعارضة الليبية في الخارج مع موسى كوسه. وتورط في الضلوع ببعض العمليات لتصفية معارضين ليبيين في الخارج وتحديدا أوروبا.
ـ أعاد معمر القذافي انتاج أحمد قذاف الدم أكثر من مرة، فقد كلفه بالعمل في الأمن الخارجي ووضعه في مواجهة مع بعض العاملين في هذا الجهاز بهدف ترويضه، بخاصة عبدالسلام الزادمة، وسعيد راش خيشة، وإبراهيم البشاري، وفضح هؤلاء الكثير من المعلومات عن سلوكياته، وتصرفاته الاخلاقية والمالية والسياسية، وبموافقة القذافي شخصيا.
ـ كان قذاف الدم سببا في قفل دار نشر ليبية أسست في قبرص وأصدرت مجلة “الموقف العربي” وكان آنذاك سفيرا في القاهرة، والسبب أن الصحيفة أنها نشرت مقالات بناء على معلومات مسربة من شخصيات في الأجهزة الأمنية في ليبيا، وبالتالي تعرضت المطبوعة للإغلاق.
ـ الوسيلة الاعلامية الأخري هي محطة “الساعة” الفضائية التي كانت تبث من القاهرة، التي كانت تتبع لأمانة الاتصال الخارجي. ومارس قذاف الدم الكثير من التدخل بعمل المحطة وبالضغوط على العاملين فيها، مما جعل إدارة المحطة تتنازل عنها وتم نقل ملكيتها إلى قذاف الدم، وبعد فترة ولأسباب أخرى تم إغلاقها بالكامل.
ـ أنشأ قذاف الدم عدة مشاريع تجارية واسعة في مصر ولكن لا يوجد معلومات أو تقديرات عن حجم هذه الاستثمارات. علما بان حجم الاستثمارات الليبية في مصر وصلت إلى عشرات المليارات.
ـ عندما اندلعت ثورة الشباب في فبراير 2011، حاول قذاف الدم الدفع بقبائل “أولاد علي” البدوية علي العمل كمرتزقة لمهاجمت الثوار في المنطقة الشرقية وتحديدا في مدينة بنغازي مقابل مبالغ مالية لكل عائلة تدفع بأبنائها.
ـ طالب معارضون مصريين من الجيش المصري باعتقال قذاف الدم بتهمة قتل الشعب الليبي وخرج مئات المتظاهرين منددين به في مرسى مطروح. مما اضطره أن يلعب لعبة إعلان انشقاقه عن ابن عمه. ومن المضحك أن ادعى أنه قرر اللجوء لمصر احتجاجا على حملة القذافي ضد المتظاهرين (!!!).
ـ ألقت قوات الأمن المصرية القبض على قذاف الدم في 19 مارس 2013، بأمر من الانتربول. وقد وقعت اشتباكات بين القوات والحرس الخاص به، أسفرت عن إصابة ضابط و2 من حراسه. ولكن محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار مصطفي حسن عبد الله قضت ببراءته من تهم الشروع في القتل ومقاومة السلطات وحيازة أسلحة نارية وذخائر دون ترخيص (وهناك شكوك أنه دفع مبالغ كبيرة مقابل براءته).
معلومة أخيرة مصدرها كتاب عبدالرحمن شلقم
ـ سيدة معروفة ويشار لها بـ (د. ش)، وهي عربية تعمل كـ (بدرونة أي مقاولة) وقد أصبحت مليونيرة لأنها تولت حشد النساء من اصقاع الأرض لإمتاع القائد، تقول إنها دخلت إلى حجرة نومه ذات مرة في القيادة فوجدته عاريا مع أحد اقاربه (!!)، ولم يتاثر معمر، فيما استمر الآخر في وضعه، وضحك القذافيان، وطلب “القائد” من “المقاولة” الخروج وقفل الباب، وستكشف الوثائق الكثير من خفايا سلوك معمر القذافي مع خاصته، والحلقات التي لفها حوله.
ـ ومما ذكره شلقم أنه مما كان متداولا أن القذاذفة كانوا يستغلون ظروف عائلة معمر استغلالا غير أخلاقي، فقد انتقم القذافي شخصيا من نسائهم، بل حتى من رجالهم، وقلما نجا أحد منهم من هذا الانتقام الذي صار حديث الكبار والصغار في ليبيا، لان معمر القذافي يتعمد أن يقوم بفعلته تحت أنظار حراسه بل وضيوفه.
المصدر: : تم اقتباس هذه الفقرات (بتصرف من المحرر) من كتاب “أشخاص حول القذافي” للكاتب عبدالرحمن شلقم (دار الفرجاني ـ 2012)
***
“تمثيلية” اعتقال قذاف الدم والكشف عن جنسيته المصرية
محامية «قذاف الدم»: موكلي مصري الجنسية واسمه الحقيقي «جمعة»
قالت الدكتور عصمت الميرغني، محامية أحمد قذاف الدم، منسق العلاقات المصرية الليبية السابق، إنها ستتقدم للنائب للعام العام بمستندات تثبت أن أحمد قذاف الدم، مصري الجنسية، وأنه من أبوين مصريين من محافظة المنيا، واسمه المصري في شهادة الميلاد هو «جمعة».
وأضافت «الميرغني»، الإثنين، في مداخلة هاتفية مع الإعلامية جيهان منصور، خلال برنامج «صباحك يا مصر» على قناة «دريم»، أنها ستُقدم للنائب العام أيضا شهادات ميلادات أخوات قذاف الدم، وقرائن أخرى كثيرة تثبت أنه مصري، مما يستوجب تطبيق القانون المصري عليه، وليس قانون أي دولة أجنبية أخرى، إضافة إلى عدم جواز تسليمه للسلطات الليبية.
وأشارت «المرغني» إلى أن عائلة قذاف الدم ينتمي إليها 15 مليون نسمة، ونزحت إلى مصر منذ الاستعمار الإيطالي، وهي منتشرة في محافظات البحيرة والمنيا ومرسى مطروح والفيوم، مؤكدة أن «قذاف الدم» خريج الكلية الحربية وشارك بحرب أكتوبر، ومعه شهادة ميلاد مصرية، وهي تساوي «الجنسية» حتى لو لم يحمل «جواز سفر مصريًا».
كانت قوات الشرطة ألقت القبض على أحمد قذاف الدم، بعد محاولات وحصار لمنزله بحي الزمالك، ولم تتمكن الشرطة من الدخول لقيام المطلوب «قذاف الدم» بإطلاق أعيرة نارية على رجال الشرطة ومنعهم من دخول المنزل، وذلك قبل أن يعلن استسلامه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف قاوم الشعب الطغيان ؟
من بين أبيات النشيد الوطني الليبي : وخذي منا وثيقات العهود .. إننا يا ليبيا لن نخذلك
يقول الكثير من الليبيين عن الليبيين بأنهم شعب متكاسل، يرضى بقدره مهما كان، ويتحمّل الذل والهوان، ولا يحارب الجبروت والطغيان، وكان قد تأمر على وطنه مع الطليان؛ ثم بارك وجود قواعد عسكرية للإنجليز والأمريكان، ثم ساند ودعّم إنقلاب الشبّان، وحوّل العقيد القذافي إلى هيلمان، وخلق منه ملكا بصولجان، وكاد أن يرفعه الى مراتب الرحمان.
ربما يعتبر من جواز القول بأن أعضاء حكومة العهد الملكي، ونواب برلمانه لم يكونوا قد حافظوا على عهدهم الذي كانوا قد قطعوه على أنفسهم بأنهم لن يخذلوا ليبيا، ولن يتركوها لكل معتد أثيم لكي يعبث بها؛ ذلك أنهم كانوا في واقع الأمر قد خذلوها، وتركوها تخضع بسهولة لملازم مغامر حتى تمكّن منها بكيفية مثيرة للإستغراب حقا أمام أعين وأسماع حماة النظام الملكي من ضباط، وضبّاط صف، وجنود القوة المتحرّكه التي كان يقال عنها بأنها كانت أكثر تدريبا وتسليحا من الجيش، وبأن لها صلاحيات لم تكن تتوفر للجيش نفسه؛
ذلك لأن مهمتها الوحيدة كانت حصريا تكمن في حماية النظام الملكي من محاولات الإطاحه به من أية جهة “داخلية“؛ وكان يفترض في هؤلاء بأن يكونوا على أهبة الإستعداد على مدار الساعه خاصة وأنه عقب حرب عام 1967 كانت ليبيا متهمة من قبل القوميين العرب وعلى رأٍسهم جمال عبد الناصر الذي أشار في أكثر من مناسبه إلى أنه على الشعب الليبي بأن يثور على هذا النظام “الخاضع للإستعمار والصهيونيه“؛
لكن قوة الملك المتحركة رغم كل ذلك لم تتمكن من التحرك في الوقت المناسب، وبالكيفية المناسبه مع علمها بحدوث تحركات سرية لمدة لاتقل عن 3 أشهر قبل وقوع الإنقلاب العسكري في سبتمبر 1969.
لكن… مع كل ذلك؛ يظل الشعب الليبي ـ كغيره من شعوب الأرض ـ يتشكل من خليط من الناس منهم الوطني، ومنهم المصلحي، ومنهم البطل الشجاع، ومنهم بالطبع الخائف الرعديد.. وتلك هي سنة الله في خلقه؛ ولايعتبر الشعب الليبي على الإطلاق شاذّا على هذه القاعد، ولا يمكن إعتباره إستثناء مهما كنا متشائمين، ومهما كانت خيبة أملنا كبيره في هذا الشعب حكما بإستدامة سكوته، وبرضائه بالظلم.
إن المتتبّع الصادق لتاريخ نظال الشعب الليبي يعرف عن يقين بأن الشعب الليبي كغيره من شعوب الأرض كان قد وقف في وجه المستعمر الإيطالي وسطّر في سبيل ذلك أوضح سجلاّت النضال.
كما سجّل التاريخ وسجّلت ذاكرة الناس أيضا بأن الشعب الليبي كان قد قاوم وجود القواعد الأجنبيه على أرضه في وقت كان فيه حاكم البلاد من أشد المطالبين ببقائها من أجل حمايته.
الشعب الليبي أيضا لم يرض بالظلم والطغيان في عهد القذافي مع أن هذا الشعب بطيبته وطبيعته المسالمه فرح ورحّب بالتغيير الذي حدث في عام 1969 ذلك لأن الشعب الليبي يسعى بجدية الى غد أفضل، ولا يحفل كثيرا بمن بوسعه أن يحدث هذا التغيير طالما أنه يعتبر نابعا من صميم هذا الشعب ومن بين أبنائه.
وبمجرد أن شعر الشعب الليبي بالحاكم الجديد وهو ينحرف بدفّة الحكم متجها بها إلى بيته حتى أعلن هذا الشعب عن عدم مباركته لمثل هذا التفرّد بالسلطه، وتلك النيّة المبيّته للإستحواذ على ثروات البلد وتسخيرها من أجل خدمة فئات معينه ومحدوده من أبناء الشعب الليبي حارما منها السواد الأعظم من هذا الشعب.
بمجرّد أن شعر الشعب بذلك قرر عدم السكوت؛ وكان ذلك قد تمثّل بالآتي:
1) كان ربما أول رد شعبي على تفكير وتصرفات القذافي قد حدث في عام 1970 أثناء ندوة “الفكر الثوري” حين وقف الطالب حينها “علي الريشي” وقال للقذافي بالحرف الواحد ” إنك لم تثر من أجل الليبيين؛ لكنك كنت قد ثرت من أجل نفسك” وقد أغاضت هذه العباره العقيد القذافي بشكل ملفت للنظر، وكان بالفعل قد تحسس من مثل ذلك رد الفعل “التلقائي” من قبل فرد عادي من أفراد الشعب في وقت كان فيه الظن “اليقين” بأن كل الشعب الليبي وبدون إستثناء مع “الثوره وقائدها“.
2) محاولات الإنقلاب العسكري المتكررة على سلطة العقيد القذافي، والتي بالفعل أحدثت رعبا في كيان السلطة الحاكمه الأمر الذي أدّى بالعقيد القذافي إلى العمل على التقليل من سلطة الجيش بعد أن كانت القوات المسلحة تعتبر جوهرة النظام العسكري الحاكم الذي كثيرا ما تغنّى بأهمية الجيش، وكان الجيش أيضا محور تفكيرالعقيد القذافي في السنوات الأولى للإنقلاب حيث حظي ضباط الجيش الليبي في أول عمر الإنقلاب العسكري بإمتيازات ماليه ومعنوية حولت الكثير من أفراد الجيش الى حضوات في المجتمع الليبي.
بدأ أولا ببناء ما سمي بـ “المقاومه الشعبية” والتي كان قد إعتمد عليها لاحقا في حربه ضد المتمردين على نظام الرئيس الأوغندي السابق عيدي أمين محاولا بذلك إحداث بديلا للجيش الليبي؛ لكن الكوارث التي ألمت بأفراد المقاومه الشعبيه في بحيرات أوغنده، وتحولهم الى مصيده للتماسيح أصاب مشروع القذافي ذلك بالإحباط.
قام بعد ذلك بإستحداث “التجنيد العسكري”، ثم بعد فشل تلك الفكره نتيجة لعزوف الشباب من أبناء الشعب الليبي عنها وبالأغلبيه الساحقه تفتّق عقل العقيد القذافي وهو يبحث عن بديل للجيش الليبي عن فكرة “الشعب المسلّح” بحيث أقحم كل من هب ودب في هذا الشعب المسلّح بما في ذلك شيب وعجائز الشعب الليبي الأمر الذي ميّع وظيفة جيش البلاد ككل، وحولهم إلى مجموعه من العاطلين عن العمل وبدون أية مؤهلات.
بعد فشل كل هذه التغييرات الخادعة في تركيبة الجيش الليبي ، وإستمرار المحاولات الإنقلابيه من بقايا الجيش النظامي والتي كان آخرها محاولة الإنقلاب الكبرى لضباط الجيش في بني وليد عام 1993 والتي أدت في النهاية الى حل الجيش الليبي عن بكرة أبيه وتأسيس كتائب عسكرية مسلّحة تتبع أبناء القذافي، وتدين كلها بالولاء له؛ بحيث لا يوجد لدى هذه الميليشيات أي ولاء لليبيا كبلد، ولليبيين كشعب.
3) حدثت محاولة شعبيه أخرى في عام 1972 في مدينة الزاوية كان من ورائها تنظيم “حزب الدعوة” الذي كان ينشط بشكل كبير في هذه المدينة والمناطق المحيطه بها من الماية شرقا، وحتى مدينة صبراته غربا مرورا بصرمان وأبي عيسى.
كان خطاب زواره ربما يعتبر كردة فعل من العقيد القذافي بعد إلقاء القبض على أعداد كبيرة من المنتمين لهذا الحزب الإسلامي المتمكّن، وكان أن قامت حمله قوية من قبل طلبة مدرسة الزاوية الثانويه التي كان عدد من مدرسيها ـ من ضمن من تم القبض عليهم ـ وطافت هذه الحملة بالمدارس، والمساجد، وكذلك الأسواق العامه ولكن تحت مسمى “الثورة الثقافية“.
4) في 21 ديسمبر 1975، استكمل طلاب جامعة بنغازي انتخاب ممثليهم في رابطة جامعة بنغازي وكانت تلك الانتخابات ضد رغبة القذافي الذي أعلن رفضه للمؤسسات الطلابية المستقلة بسبب صعوبة السيطرة عليها وإحتوائها.
وفي 25 ديسمبر أعلن الطلبة المنتخبين تكوين رابطة جامعة بنغازي المستقلة بالكامل عن اتحاد الطلبة الحكومي.
في يوم 27 ديسمبر 1975 اعلن أمين التنظيم في الإتحاد الإشتراكي العربي الليبي حل الإتحاد العام لطلبة ليبيا، ورابطة جامعة بنغازي؛ بناء على أوامر شخصية من القذافي، وبعد يومين فقط من صدور ذلك القرار نظّم طلبة الجامعة مسيرات سلمية نددوا فيها بقرار الحكومة مطالبين برفع الوصاية على الإتحاد العام لطلبة ليبيا.
بعد ذلك حدثت الكثير من المواجهات بين رجال الأمن وطلبة جامعة بنغازي أدت إلى القبض على عدد من الطلبه وإيداعهم في السجون مما أثار غضب زملائهم؛ فقامت أعداد كبيرة من طلاب جامعة بنغازي بالتظاهر وسط المدينة؛ ولكن بعد ساعات من ذلك حاصرتهم قوات الحرس الجمهوري في ميدان الجامعه بقرب سوق الظلام وأطلقوا عليهم النار مما أدى الى مصرع أحد الطلاب، ولحقه زميله بعد ذلك بأن توفى متأثرا بجراحه وهو في المستشفى.
ما إن إنتشرت الأخبار حول الصدام الذي حدث في بنغازي؛ حتى عمت مظاهرات التنديد في كليات جامعة طرابلس، وبعض المدارس الثانويه والمعاهد في طرابلس والزاوية وذلك في السادس من يناير عام 1976.
بلغ الإحتقان أشده بين الطلبه وعناصر الأمن حتى كان السابع من أبريل المشئوم في عام 1976 الذي تمكّن فيه القذافي من حسم الصراع لصالحه بعد سقوط أعداد كبيرة من طلبة الجامعه في طرابلس، وبنغازي، وبعض الثانويات.
5) في 8 مايو 1984 قامت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بإرسال فدائييها الى معسكر باب العزيزية حيث مقر القذافي؛ لكن تلك المحاولة باءت بالفشل بعد أن إكتشفت أجهزة أمن القذافي أمرهم بسبب وشاية من أحد المؤتمنين على سر الحركه فقامت أجهزة الأمن والجيش بالإنقضاض على مقاتلي الجبهة والفتك بهم بشكل بربري ووحشي لم يسبق مثيله حتى على أيدي الصهاينه.
6) في عام 1995 وإلى عام 1996 قامت الجماعه الليبيه المقاتله بعدة غارات على بعض المواقع في منطقة الجبل الأخضر وفي بنغازي تم على إثرها تصيّد الجماعه من قبل قوات الأمن والجيش مع الإستعانه بعدد كبير من الطيارين الصرب من يوغوسلافيا السابقه وقتلت منهم أعداد كبيره وتم القبض على بقيتهم حيث تم إيداعهم في سجن أبوسليم حتى تمت تصفية 1200 منهم ومن غيرهم بدم بارد في 28 و 29 يونيو عام 1996.
7) مظاهرات بنغازي العارمه في 17 فبراير 2006.
8) إعتصامات ذوي وأصدقاء ضحايا سجن أبوسليم المستمرة في بنغازي.
9) المعارضه الليبيه في الخارج: وهذه كانت من إفرازات الظلم والكبت والتفرّد بالسلطة داخل البلد.
هاجر من إستطاع من الليبيين، أو تم تهجيره إلى حيث رحبت بوجودهم الأرض، وطاب المقام ولو بعد حين للكثير من الليبيين. من الممكن تقسيم هؤلاء المعارضين لنظام القذافي وهو المرادف تماما لمعارضة التسلّط، والكبت، والجبروت، والظلم الذي مارسه النظام على الشعب الليبي بجميع فئاته وطوائفه. كما أنه بطبيعة الحال يشمل معارضة الفساد الإداري والإجتماعي والثقافي الذي عشعش في بلادنا، ونمى وترعرع خلال الأربعة عقود الماضية من تاريخ شعبنا الليبي الطيّب.
يمكن تقسيم هؤلاء الى ثلاثة طوائف:
أـ فصائل المعارضة المنظّمه؛ وتعتبر “الجبهة الوطنيه لإنقاذ ليبيا” ربما المثال الجيّد الذي يمكن ذكره في هذا الإطار. كما أنني لا أريد أن أهمل بقية التنظيمات الليبية المعارضة الأخرى من أمثال المؤتمر الوطني للمعارضة الليبيه، وبقية التنظيمات ( راجع كتاب “البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد الثورة” للدكتور فتحي الفاضلي).
ب ـ المعارضة الحرة المستقلة: وهي تشمل مجموعة المستقلّين من الشباب الليبي؛ وهم في أغلبهم من المثقفين، والكتّاب، والمبدعين، والمهنيين، وآساتذة الجامعات، وكذلك رجال الأعمال، والفنانين.
ج ـ مجموعة الحقوقيون ورجال القانون: وهؤلاء يندمج أغلبهم في منظمات حقوقيه وقانونيه أو يعملون من خلال هذه المنظمات من أمثال: التضامن لحقوق الإنسان، الإتحاد الليبي للمدافعين عن حقوق الإنسان، وغيرها الكثير.
لماذا فشلت المعارضه الليبية؟
هذا السؤال في حد ذاته يعتبر موضوع بحث طويل وشامل؛ لكنني هنا ربما أتعرّض لبعض الأسباب التي أدت إلى فشل المعارضه الليبيه في تغيير نظام حكم العقيد معمر القذافي رغم المظالم التي لحقت بالشعب الليبي نتيجة لتحكّم هذا النظام الديكتاتوري في جميع مناحي الحياة في ليبيا، ورغم كل المصائب التي لحقت بأبناء الشعب الليبي والتي تجاوزت ما سبق أن فعلته أنظمه ديكتاتورية متسلّطه أخرى في مناطق مختلفه من العالم؛
في نفس الوقت الذي تمكنت فيه شعوب أخرى من حولنا من الإنتفاض، وتغيير أنظمة التسلّط الديكتاتوري في بلادها من أمثال الشعب الروماني، الشعب التشيكي، الشعب الألماني الشرقي، الشعب الروسي، الشعب الفليبيني، وأخيرا الشعب القرغيزي، والشعب التايلاندي.
الأسباب بالطبع يمكن النظر إليها من زاويتين:
أولا ـ نظام الحكم:
ليبيا تعتبر بلدا غنيا بثرواتها الطبيعية، وهي أيضا تتمتع بموقع إستراتيجي هام في العالم؛ وبذلك فقد تسابقت دول كثيرة في العالم من أجل وضع قدم لها على الأرض الليبية وتمكنت تلك الدول من تحقيق ذلك عن طريق التقرّب من نظام حكم القذافي ودعمه حيث رأت تلك الدول أن أنسب طريقة عملية لها في سبيل ذلك تتأتي من خلال المصالحة مع حاكم ليبيا؛ وكانت أمريكا وبريطانيا ربما تعتبر من بين الأمثلة لذلك.
كما أن نظام العقيد القذافي بحكم خلقيته العسكرية، وطبيعته العدوانية كان قد إستعان بعملاء لأجهزة مخابرات عالمية مثل السي أي إيه، والكي جي بي، وكذلك جهاز الشتازي في ألمانيا الشرقية السابقه، السيكوريتات في رومانيا، وأجهزة الأمن في تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا السابقتين.
هذه الأجهزة الأمنية وفرت النصيحه والدعم المباشر لنظام القذافي الديكتاتوري الذي يتشابه ـ وإلى حد التطابق ـ مع الأنظمة الشيوعيه السابقة في دول أوروبا الشرقية.
ثانيا: المعارضه الليبية:
يجب علينا القبول بأن المعارضين الليبيين بجميع تنظيماتهم، وتجمعاتهم، وحتى الأفراد كانوا قد أخفقوا في جميع المحاولات التي قاموا بها من أجل التخلّص من هذا النظام الديكتاتوري البغيض والذي نعرف جميعا بأنه يعتبر نظاما مكروها ومنبوذا من قبل كل الليبيين؛ اللهم إلا أولئك المنتفعين، ومعهم طائفة من البشر لاتستطيع العيش إلا تحت جناح الغير وهذا الغير لايهم أولائك على الإطلاق لأن هؤلاء عندهم دائما “الغاية تبرر الوسيلة“، وهؤلاء لايمكنهم أن يخجلوا من الوسيلة مهما كانت وضيعه ونذيله.
ما هي المجالات التي أخفقت فيها المعارضه الليبية؟ وهل كان بالفعل حصاد كل أعمالها مجرد إخفاقات وهزائم؟.
أنا أعتبر نفسي من بين أولئك الذين يؤمنون بجلد الذات من أجل بلوغ الأحسن، ولكن ليس الى حد تحقير الذات، أو إذلالها؛ فالوسطية يجب أن تكون عنوانا لحياتنا، ومنوالا لتفكيرنا.
شهدت فترة السبعينات قمة التصادم بين الشرق والغرب بحيث إشتدت الحرب البارده بين الشيوعية والرأسماليه بشكل كاد وفي أكثر من مرة أن يشعل شرارة الحرب العالمية الثالثة؛ لكن بدون شك ربنا ستر البشر وجنبهم كارثه كانت ربما ستقضي على البشرية جمعاء نظرا لتوفّر السلاح النووي وتوفر النية لإستخدامه.
كانت فترة السبعينات أيضا مرحلة إشتداد الصراع المسلّح من أجل التحرير، وكذلك تغيير أنظمة الحكم بالإنقلابات العسكرية في بقاع كثيرة من العالم وعلى أخصّها أفريقيا، أمريكا اللاتيتية، وبعض البقاع في أسيا، بل إنها شملت أوروبا أيضا (إسبانيا مثالا).
كانت لغة التعامل في تلك الفترة من الزمن هي لغة الحديد والنار؛ وكانت الأمثلة كثيرة بدءا بالجيش الجمهوري الإيرلندي، وثوار الباسك، وبادر ماينهوف في ألمانيا الغربية، والألوية الحمراء في إيطاليا، وغيرها الكثير من التنظيمات المسلحه في أوروبا التي كانت لاتعرف غير لغة السلاح.
في تلك الأثناء بالطبع تأسست الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وكان طبيعيا أن تكون اللغة الأساسية لهذه الجبهة هي لغة السلاح. يجب التنويه هنا إلى أنه رغم هذه الأجواء الملوّثه بأدخنة البارود، ورائحة التفجيرات؛ إلا أن هذا العقد من الزمان كان أيضا قد شهد حدثا في غاية الأهمية، وهذا الحدث كان قد سلك نهجا مختلفا، وإتخذ مدخلا آخرا للتغيير بعيدا عن جعجعة السلاح.
ذلك الحدث الفريد في وقته كان متمثّلا في ثورة الشعب الإيراني على حكم الشاه الديكتاتور بقيادة الإمام الخميني في فبرايرعام 1979.
لم تكن فترة الثمانينات بأحسن حال من العقد الذي سبقها؛ فقد إستمرت الحركات المسلحة في إستحواذها على مجريات الأمور في دول مختلفه من العالم، وإستمر الصراع بين الشرق والغرب على أشدّه، وتعاضمت الحرب البارده بين الرأسمالية والشيوعية حتى إمتدت إلى أصقاع أفريقيا، ومشارف آسيا؛ بل وإلى أمريكا اللاتيتية أيضا.
الجبهة الوطنيه لإنقاذ ليبيا لم تكن بعيدة عن الأحداث، ولم تشذ عنها في شئ.
ففي 8 مايو من عام 1984 أرسلت الجبهة عدد من مقاتليها الى معسكر باب العزيزية في عملية كانت ولازالت غامضة الأهداف إلى يومنا هذا. كانت عملية باب العزيزيه كارثة بكل معنى الكلمة بالنسبة للجبهة الوطنيه لإنقاذ ليبيا بغض النظر عن ما صدر من أدبيات الجبهة تمجيدا لها، وفرحا بها.
في واقع الأمر ـ من وجهة نظري ـ كانت مضاعفات هزيمة عملية باب العزيزية بالنسبة للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا كمضاعفات هزيمة يونيو عام 1967 بالنسبه للرئيس جمال عبد الناصر. لقد أدت هزيمة عام 1967 إلى تدمير قطار القومية العربية إلى أشلاء متناثرة والتي ظلّت متناثرة ـ بل إنها إتسعت إنتثارا ـ الى يومنا هذا، وكذا.
أدّت هزيمة معركة باب العزيزية إلى تدمير قطار المعارضه الليبية ككل إلى أشلاء متناثره، وهي كذلك ظلّت متناثره ـ بل إنها إزدادت تناثرا وتباعدا ـ إلى يومنا هذا.
وأود في هذه المضمار أن أحيي كل من شارك في تلك العملية من حيث التنفيذ، وإسترحم الله شهداء تلك العملية الأبطال الذين لايشك أحد في صدق نواياهم وتضحياتهم من أجل ليبيا وأهلها؛ لكنني ـ مع حبي وإحترامي للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا كتنظيم، وكقيادة ـ أحسست بأن تلك العملية ما كان يجب أن تحدث على الأقل في ذلك التوقيت، وبتلك الطريقة المبتسرة وإن دل ذلك على شئ فإنما يدل على محدودية في التفكير الإستراتيجي والبعد الميداني والتخطيطي لقيادة الجبهة سواء في ذلك المدنية أو العسكرية.
لقد أهدت الجبهة الوطنية للقذافي إنتصارا مجانيا بتلك العمليهة لم يكن يحلم بمثله من قبل، ولم يكن بإمكانه أن يحقق مثله لو ترك له زمام المبادرة.
تفككت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا نتيجة لتلك العملية الفاشلة، وليس نتيجة لإختراق الجبهة من قبل أجهزة أمن القذافي كما يحاول البعض تبرير السقوط الكبير الذي أصاب الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا والذي أدى فعليا إلى كسر عمودها الفقري بذلك الشكل الذي لم تتمكن الجبهة من بعده من الوقوف على رجليها من جديد.
الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا رغم كل شئ تعتبر رائدة المعارضة الليبية ضد نظام حكم القذافي، وهي بكل جلاء تعتبر من أقوى تنظيمات المعارضة الليبية على الإطلاق، وكانت من أكثرها تنظيما وأكثرها تماسكا؛ ومن هنا أدى كسر الجبهة وتفكيكها الى شل بقية التنظيمات وتهميشها وللأسف.
برز خلال فترة الثمانينات ـ والتي كما أسلفت تعتبر جزءا من فترة الحرب الباردة ـ حدثا آخر وهو بدوره شذّ عن ثقافة تلك الفترة ـ أي فترة العنف والتسيّد بإستحدام ألة الفتك والدمار ـ ذلك الحدث العظيم في وقته تمثّل في ثورة الشعب الفليبيني بقيادة كورازون أكينو على الديكتاتور فرديناند ماركوس والتي أسفرت عن إزاحة الديكتاتور وإنتصار الشعب الفليبيني بدون الحاجة إلى إعتماد قوة الحديد والنار من أجل التغيير الى الأحسن.
بدون شك كانت ثورة الشعب الإيراني، ثم ثورة الشعب الفليبيني ضد الأنظمة الديكتاتورية وبدون اللجوء إلى إستحدام السلاح في وقت كان فيه صوت البندقية من أعلى الأصوات طفرة جديدة أضيفت إلى ثقافة التغيير.
تمكن الشعب الإيراني ثم بعد ذلك الشعب الفليبيني من كسر تلك البديهية وإنتصر الشعبان بكل جدارة؛ بل الأكثر إقناعا هو أن تلك الثورتين ضلّتا منتصرتين إلى اليوم ـ أي أن كلتيهما تمكنتا من البقاء وظلتا ممسكتان بزمام الأمور على عكس غيرها من الثورات (الإنقلابات) العسكرية التي إما أنها أخمدت بإنقلابات عسكرية أخرى، أو أنها أنتجت أنظمة حكم ديكتاتورية مقيته عاثت في الأرض فسادا، ونشرت بين الشعوب التي قامت من أجلها رعبا، وقهرا، وعبودية فاقت عشرات المرات ما كان يحدث في الأنظمه الحاكمهة التي سبقت تلك الإنقلابات.
نعم.. إن ذلك ربما يعطينا درسا مهما علينا تدبّره، وربما محاولة هظمه والذي مفاده أن الطغاة لاتزيحهم الإنقلابات؛ بل ثورات الشعوب العارملة.
هذا الدرس تعلمته دول أوروبا الشرقية في تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، يلغاريا، يوغوسلافيا، بولندا، ألمانيا الشرقيه، والإتحاد السوفييتي.
وتلك هي الدروس نفسها التي تعلمتها شعوب أخرى بعد ذلك؛ بحيث قامت تلك الشعوب بثوراتها “الملّونه” في جورجيا، أوكرانيا، وأخيرا في قرغيزيا، وبعدها تايلاند.
نعم إن ثورات الشعوب هي وحدها التي تغيّر الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة بدون أن تسمح بأن تحل محلها أنظمه أخرى أكثر فسادا تزيد من إستعباد الشعوب، وتدمر إقتصادها كما حدث في العراق، وكما يحدث الآن في أفغانستان.
وختاما..
أريد أن ألخّص أسباب فشل المعارضة الليبية في تغيير نظام حكم الديكتاتور القذافي في النقاط الآتية:
- غياب الأستراتيجية
- غياب التخطيط.
- غياب التعاون.
- غياب المصداقية.
- غياب الوطنية الحقيقية.
- غياب الثقه بين أقطاب المعارضة ( تنظيمات وأفراد).
- غياب وسيلة التخاطب مع الشعب.. كل الشعب، وليس النخب.
- غياب القياده الموحّده “البديلة“.
- تغييب الشعب.
- تغليب الأنا والمصالح الشخصية على مصلحة الوطن.
- _______________
موقع جواب لكل سؤال

كنت أنا في تلك السنوات صحافيا في صحيفة “العلم” اكتب عادة عمودا يوميا. واكتب أحيانا مقالات في بعض الصحف والمجلات الأخرى، بعضها حكومية، وبعضها مستقلة. ونظرا لعلاقة الصداقة بيني وبين عمرو النامي، ونظرا لاهتماماتنا بالفكر والثقافة، وحواراتنا المتواصلة أحيانا، والمتقطعة أحيانا أخرى منذ كنا في الجامعة، فقد اتفقنا ان يكتب مقالات تنشر بصحيفة “العلم” ويمكن وصف عقد الستينات بالعصر الذهبي للصحافة الليبية، وحرية التعبير على صفحاتها، ما كان مها ناطقا باسم الدولة، او ما كان منها قطاعا خاصا، وغالبا يعيش بدعم من الدولة.