Author - hajahmed

التجربة البرلمانية في ليبيا (1908-1969) (14)

سالم الكبتي 

انتهت الانتخابات الأولى لأول برلمان بعد الاستقلال في التاسع عشر من فبراير 1952. لكن ثمة اقتراعات جديدة جرت في دوائر معينة حدثت فيها بعض التجاوزات أو المشاكل والصدام مع رجال البوليس بين مرشحي وأنصار حزب المؤتمر ومرشحي الحكومة.. جرت يوم 5 مارس 1952 وفقا للأمر الصادر من مراقب عام الانتخابات في ليبيا الشيخ محمود المسلاتي وطبقا للمادة (62) من قانون الانتخاب الصادر عن الجمعية الوطنية التأسيسية في السادس من نوفمبر 1951 والتي تحمل عنوان (الأخطاء في الانتخاب) ونصت على الأتي:

(إذا وقع اختلاف أو إخلال أثناء عملية الانتخاب وقبل الفرز مما يؤثر على نتيجة الانتخاب بحسب رأي مأمور الانتخاب ولجنته وجب عليهم أن يحققوا في الأمر وبعد البت في ذلك يرفع المأمور تقريرا إلى المراقب العام الذي عليه أن يبت في صحة عملية الانتخاب أو بطلانها وفي حالة البطلان يأمر بإجراء انتخاب جديد ويكون قراره في ذلك نهائيا).

في اليوم السادس من مارس أعلنت النتائج الأخيرة بفوز المرشحين في كافة المدن والمناطق الحضرية والريفية لعضوية مجلس النواب وبانتخابهم انتخابا قانونيا وهم:

1. نواب ولاية طرابلس (35 عضوا) .. عبدالعزيز الزقلعي – عبدالرحمن القلهود – مصطفى ميزران – مصطفى السراج – محمد الزقعار- محمد الشعاب – سعيد العربي – محمد سيف النصر – صالح بن رابحة – باكير طريش – إبراهيم بن شعبان – كمال فرحات – المنير العروسي – أنور بن غرسه – السني اللالي – مفتاح عريقيب – حسين الفقي – مصطفى المنتصر – مصطفى عزيز – محمود البحباح – علي بن سليم – المهدي بريش- أبوبكر نعامة – عبدالله بن عبدالصمد -علي بن أبوبكر النعاس – علي تامر -عبدالقادر المنتصر – نورالدين الورفلي -عبدالمجيد كعبار – عبدالله السحيري – علي بن سالم – سليمان بن سعيد – يحي بن مسعود – إسماعيل بن الأمين

2. نواب ولاية برقة (15عضوا).. عبدالسلام بسيكري- رمضان الكيخيا – خليل القلال – عبدالرازق شقلوف – ميلود عبدالله بوالخنه – مراجع الرخ – خليفة عبدالقادر – محمد بريدان – القذافي سعد – علي نورالدين العنيز- صالح بويصي- عبدالقادر البدري – محمود بوشريد- الكيلاني الضريريط – سعد جارالله (لم يستمر منذ البداية في العضوية لإصابته بعارض صحي طاريء)

3. نواب ولاية فزان (5أعضاء)..منصور بن محمد- الطاهر العالم – سالم بن حسن – محمد علي شلقم- السنوسي حمادي.

نص الدستور الليبي في مادته (94) على أن مجلس الشيوخ يؤلف من أربعة وعشرين عضوا ويكون لكل من ولايات المملكة الليبية الثلاث ثمانية أعضاء. وفي مادته (95) نص على أن الملك يعين نصف أعضائه وتقوم مجالس الولايات التشريعية بانتخاب الباقيين. وفي المادة (97) أشار إلى أن الملك يعين رئيس مجلس الشيوخ وفي المادة (105) قضى بأن ينتخب مجلس النواب رئيسا له.

وبالنظر إلى أن المجالس التشريعية لم تنتخب في الولايات ولم تصدر القوانين الأساسية لها فقد عين أعضاء مجلس الشيوخ من قبل الملك مباشرة وبالتشاور مع الولاة الذين رشحوا مجموعة من الأسماء للعضوية وأسفر التعيين عن عضوية السادة.. عبدالحميد العبار- ياسين المبري – أحمد رفيق المهدو- عوض خليفة لنقي – عبدالجواد الفريطي- السنوسي الأطيوش – خليل العريضة – محمد المنصوري – علي القره مانلل- حسين عبدالملك – راسم كعبار – طاهر الأزهري – صالح خربيش – خليل ناصوف – محمد شليد – المبروك عريبي- أبوبكر أحمد – محمد بن عمر – الشريف علي بن محمد – أبوالقاسم بادي – سالم سيف النصر – علي عبدالله القطرون – سالم المنتصر – وعين السيد عمر منصور الكيخيا رئيسا للمجلس.

افتتح الملك أول جلسة للبرلمان الذي كون مجلس الأمة (الشيوخ والنواب) يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من مارس 1954. وقد أدى الملك القسم الدستوري أمام البرلمان الوليد وفقا للمادة (47) من الدستور الذي نصه.. (أقسم بالله العظيم أن أحترم دستور البلاد وقوانينها وأن أبذل كل مالدي من قوة للمحافظة على استقلال ليبيا والدفاع عن سلامة أراضيها). واستمع مع المجلس الجديد وهو جالس على كرسي العرش الذي صنع خصيصا في فرنسا على الطراز النابليوني إلى رئيس حكومته الأولى السيد محمود المنتصر وهو يلقي أمامه أول خطاب للعرش بحضور رجال الدولة والسفراء والضيوف الأجانب.

وقد عرض فيه إلى طموحات الدولة ومساعي الحكومة في عزمها على تحقيق الأنظمة الإدارية والقانونية والنهوض بالتعليم والصحة وإزالة مخلفات الحرب وتوالي الجهود للحصول على المساعدات من الأمم المتحدة والدول الواعدة بتلك المساعدة وبناء الجيش الوطني….. وغير ذلك من مشاريع. فيما أدى أعضاء البرلمان نوابا وشيوخا بعد انتهاء الافتتاح القسم الدستوري وهو.. (أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا للوطن والملك ومحترما للدستور ولقوانين البلاد وأن أؤدي أعمالي بالأمانة والصدق). وانتخب مجلس النواب السيد عبدالمجيد كعبار أول رئيس له.

والثابت أن البرلمان عمل منذ بداية افتتاحه على تنظيم أموره وتكوين إداراته وشعبه ولجانه المختلفة المختلفة واستفاد فائدة كبيرة من أنظمة ولوائح بعض البرلمانات العربية وفي مقدمتها مصر التي أبرق رئيس مجلس شيوخها علي زكي العرابي مهنئا الليبيين بافتتاح برلمانهم الأول متمنيا أن يكون فاتحة عهدا جديد حافل بأسباب الخير والتقدم لشعب ليبيا الشقيق. ولم يحدث ذلك من مجلس النواب في القاهرة لأنه كان منحلا في تلك الأيام.

الولايات المتحدة أرسل كل من رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب (الكونغرس) مطارق لتنظيم الجلسات وضبطها لنظيريهما الليبيين.

السيد هنري سيرانو فيلار الذي كان أول سفير أمريكي في ليبيا بعد الاستقلال قام شخصيا بتقديم تلك المطارق إلى السيدين الكيخيا وكعبار. وقد قال في مذكراته التي أصدرها لاحقا عن البرلمان الجديد.. (على خلفية خط أفق مدينة بنغازي المتشظي وفي فصل الربيع المشرق من 1952 كانت ترفرف راية غير معتادة في سماء الرايات الوطنية. نجمة وهلال على خلفية من الخطوط الحمراء والسوداء والخضراء. لقد أعلنت راية ليبيا عن ميلاد هيئة ديمقراطية جديدة. إن هذا البرلمان حقق تقدما مذهلا حالما ترك وحده في تعلم قوانين اللعبة وتمكن نواب الشعب المنتخبين في حينه من تحصيل المهارة بالممارسة ومن خلال مايتمتعون به من حس بالقيادة السياسية سرعان ما سيطر هؤلاء النواب على المناقشات في مجلس النواب لأن موهبة الخطابة لدى بعض المتحدثين العرب شئ جميل وسرعان ما وجد أعضاء مجلس الوزراء أنهم كانوا مسؤولين أمام الشعب وعليهم أن يتحملوا مسؤولية أعمالهم. لقد استخدمت النقاط التنظيمية وجدولة المداخلات وأعمال اللجان بشكل مقبول على حين أفسحت الخطوات المترنحة خطوات أكثر رشاقة وتقنيات أفضل وزيادة تدريجية في درجة الإنجاز) مذكرات السفير. المملكة العربية الجديدة في شمال أفريقيا. ترجمة عثمان المثلوتي. دار المدى للخدمات الإعلامية طرابلس 2013

دامت الدورة الأولى للبرلمان خمسة أشهر حتى أغسطس 1952 بذل فيها أعضاؤه جهودا في منتهى الوطنية والإخلاص كما بدت للمراقبين. فقد أصدر خلالها قانون الميزانية العامة للدولة التي كانت تعيش على المساعدات عن العام 1952 – 1953 بمبلغ قدره مليونان وتسعمائة وخمسة وثمانون ألف ومائة وثلاثة عشر جنيها، وعلى ضوئها أقر في جلسته المنعقدة بطرابلس يوم 19مايو 1952 قانونا بشأن مرتبات الوزراء ومكافآت أعضاء مجلس الأمة وكانت كالآتي:

رئيس الوزراء مرتبه السنوي 2000 جنيه وكل وزير يكون مرتبه السنوي 1600 جنيه بينما حددت مكافآت رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب سنويا بمبلغ قدره 1600 جنيه تضاف إليها علاوة السكن قدرها 160 جنيها إلى أن تهيأ لهم محلات للسكن من الدولة ويتقاضى كل عضو بالمجلسين شيخا أو نائبا مكافأة سنوية قدرها 720 جنيها من غير أولئك الأعضاء الذين يتقاضون مرتبات أو مكافآت. وأصدر خلال هذه الدورة قانون شعار المملكة الليبية المتحدة وقانون اللغة العربية وفقا للمادة 186 من الدستور وقد تقدم باقتراح إصداره الوزير في الحكومة الأولى وعضو المجلس السيد إبراهيم بن شعبان من أمازيغ زوارة وقانون المحاماة وقانون استثمار الثروات المائية وقانون حيازة الأجانب للأملاك غير المنقولة في ليبيا وقانون توفير التعليم في ليبيا وقانون تحديد السنة المالية للدولة.

تمت هذه القوانين بالمناقشة والمداولة وقام الملك بعدها بالمصادقة على مجملها وكانت بداية المشوار لبناء الدولة على أسس صائبة في ليبيا.. ثم صدرت القوانين الأساسية للولايات وصار لها مجالس تنفيذية (مجلس وزراء محلي) ومجالس تشريعية (برلمان محلي).. فماذا حدث بشأنها استكمالا لخطوات التجربة والحياة البرلمانية في ليبيا.

Read More

علي عبدالله وريّث .. من شباب جيل تأسيس الدولة

بقلم محمود محمد الناكوع

الشجاعة والصدق والوضوح والوطنية، هي من أبرز خصائص شخصية المرحوم على عبدالله وريّث، وإلى جانب تلك الخصائص يتمتع بدماثة أخلاقية، وبروح مرحة، وإقبال نفسي جذاب، وابتسامة محببة، تجعله محبوبا من كل من عرفه من قريب أو من بعيد.

إضافة لتلك الفضائل فهو من أصحاب الوسامة والأناقة، وبذلك تكاملت في شخصيته مقومات الجاذبية “الكارزمية” وجعلته مرموقا في عيون وقلوب الناس، وخاصة في مدينة طرابلس.

كان عندما يمشي في شوارع طرابلس لا تكاد تتوقف يده عن التلويح ردا على تحيات من يحيونه تعبيرا عن احترامهم له، ولا يكاد لسانه يتوقف عن رد السلام، فقد كانت شعبيته واسعة بين شتى فئات المجتمع.

عرفته في لقاءات كثيرة جمعتنا في منتديات عامة، ومن أهمها جمعية الفكر بطرابلس، كما جمعتنا لقاءات خاصة في منازل بعض الأصدقاء، وآخرى في مكتب مشترك بينه وبين صهره إبراهيم الغويل المحامي، وهو المكتب الواقع في شارع 24 ديسمبر حسب تسميته في العهد الملكي.

كان علي وريّث كثير النشاط، ونشاطه ثقافي اجتماعي سياسي، وفي سنوات الستينيات، وفي أواخر العهد الملكي، كانت الحياة الثقافية في أفضل حالاتها، وتمثل ذلك في المحاضرات، وتنوع الصحافة، وفي النشاط السياسي من خلال مجلس النواب، والنقابات، وما جسدته حيوية الطلاب في المعاهد المتوسطة وفي الجامعة، وفي داخل المعسكرات والثكنات والمكاتب العسكرية التابعة للجيش الليبي، الذي تعددت داخله الاتجاهات والتنظيمات المسيسة والمتطلعة إلى التغيير.

علي وريّث كان من أكثر المثقفين حيوية ونشاطا، يحاضر في طرابلس، وخاصة في جمعية الفكر، ويحاضر في مصراتة، وغريان، ومدن أخرى.

وفي 1963، وفي عهد حكومة محي الدين فكيني أصدر صحيفة “البلاغ” واستمرت لمدة قصيرة جدا، وكانت تمثل الصوت المعارض القوي، وفيها يجد القارئ مادة نقدية للسياسة الحكومية، وكانت تنفد من مراكز البيع خلال الساعات الأولى من توزيعها.

وكنت على صلة بالصحيفة وكثير من كتابها، وشاركت بكتابة ونشر بعض المقالات على صفحاتها.

في تلك المرحلة كنت في بداية نشاطي الصحفي، وفي إحدى الأمسيات مررت على المطبعة الحكومية، ووجدت علي وريّث يتابع عملية طباعة الصحيفة لعددها الذي يصدر اليوم التالي، وبادرني قائلا: مقالتك يا أخ محمود كانت ممتازة، وستنشر في الصفحة الأخيرة لعدد الغد، والصفحة الأخيرة من الصفحات المهمة في الجريدة، وكانت فيما أظن مقالة فكرية. وجل مقالاتي في تلك المرحلة كانت تعالج موضوعات فكرية، أو ثقافية، أو اجتماعية تربوية.

وكان من كبار كتاب “البلاغ”: الدكتور أحمد صدقي الدجاني، والاستاذ عبداللطيف الشويرف، وإبراهيم الغويل، وآخرين. وأظن أن أعداد البلاغ التي نشرت في تلك المرحلة، كانت سبعة أعداد فقط، ثم مُنعت من الصدور بسبب شدة مادتها النقدية للحكومة ومشروعاتها التي لا تلبي ما يريده الشعب.

في عام 1964 قرر علي وريّث الترشح لعضوية مجلس النواب، وكانت شعبيته تؤهله للفوز بمقعد في البرلمان ولكن كانت هناك توجيهات من أعلى السلطات من الملك او من رئيس الحكومة بعدم السماح للاشخاص المعارضين لسياسات الحكومة وللمعاهدات الاجنبية بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية، وشمل المنع علي وريّث، واعتقل خلال أيام الترشيح حتى لا يتمكن من تسجيل اسمه مرشحا في دائرة حي “بالخير” بوسط مدينة طرابلس ـ حسب ما أذكرـ وذلك في عهد حكومة محمود المنتصر الثانية، إلا أن المنتصر كان غائبا بسبب السفر إلى لندن لغرض العلاج .. وكل تلك التصرفات من جانب الحكومة قد زادت من شعبية علي وريّث.

ولد علي وريّث بطرابلس عام 1934، ودرس المراحل الأولى من تعليمه في طرابلس، ثم أكمل دراسته الجامعية في القاهرة، ونال درجة الليسانس في علم الاجتماع منها عام 1959، ثم عاد إلى أرض الوطن، وعمل بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

كان علي وريّث في محاضراته العامة يعمل على توظيف كسبه العلمي في مجال الدراسات الإجتماعية، لتطوير ثقافة المجتمع بما يحقق له رغباته وتطلعاته المشروعة في حياة أفضل.

وفي نظرته إلى المجتمع وتطوره السياسي يقول عام 1962: “إن اي تطور سياسي لأي مجتمع أو أي قطاع منه، يعتمد بالدرجة الأولى على وجود أسس فكرية تنبع من العقائد الأساسية ذات الإتجاهات الواقعية الموضوعية، بمعنى أن تكون هذه العقائد ملبية لمطالب الفرد الروحية والفكرية، ومطالبه التي تتصل بحياته اليومية”.

وقال أيضا في حديثه مع الصحفي الطاهر النعاس في الجزء الأول من كتابه “مع الناس”: “إن شعور الفرد بضرورة تحسين وضعه أمر ضروري لحدوث الحركة الإجتماعية، وأن هذه الحركة أذا لم تقم على أساس من الاعداد الراسخ بقيمة الفرد المستمدة من تقديسه لحريته وإحترامه لحرية الآخرين، سوف لن تنتج إلا إنقاصا يؤدي إلى تفتيت المجتمع وتشتيته”.

عندما تعرفت على علي وريّث في بداية الستينيات، كان يعمل هو وإبراهيم الغويل المحامي في مكتب واحد، ويظهر من مكتبهم ونشاطهم أن وضعهم المالي كان جيدا، كما أن وضعهم الاجتماعي والسياسي جعلهم من طبقة النخب اللامعة في تلك المرحلة من تاريخ البلاد.

وفي الأجواء الصحية إعلاميا وثقافيا في تلك السنوات، برز ذلك الثلاثي المثقف “أحمد صدقي الدجاني، وعلي وريث، وإبراهيم الغويل” فكانوا دائما لا يكاد أحدهم يفارق الآخرين، هم في سيارة واحدة، في إتجاه واحد، ويشاركون في الندوات والمحاضرات.

أما خطابهم السياسي فهو خطاب عروبي إسلامي ناصري وثقافتهم الإسلامية واضحة، كما سلوكهم العام، وكانت الحوارات تجري بيننا حول المفاهيم والسياسات التي يتبناها التيار القومي الناصري. وكنا على خلاف سياسي معهم، لكن العلاقات مع ذلك الثلاثي ظلت جيدة، وفيها الكثير من المودة والاحترام.

تميز علي وريّث في محاضراته، وفي مقالاته الصحفية بخطاب وطني يتسم بالحماسة والحدة أحيانا، ولكنه يتسم في الوقت ذاته بالوعي المؤسس على قواعد علم الاجتماع التي درسها بالجامعة، والمؤسس أيضا على ثقافتة العامة.

كان علي وريّث انموذجا للسياسي الشجاع في عقد الستينيات من القرن الماضي، وأصبح شخصية لامعة وذات شعبية واسعة وخاصة في مدينة طرابلس حيث ولد ونشأ ومارس النشاط العام في دوائره الثقافية والاجتماعية والسياسية.

وعندما وقع التغيير، وانتهى النظام الملكي كان علي وريّث من المرحبين بالتغيير، أو بالإنقلاب، أو بالثورة، وقد تعددت الاسماء والحال واحد.

وشارك على وريّث في ندوة الفكر الثوري، وظل جريئا في طرحه ومواقفه، وحاول قادة حركة الضباط الأحرارأن يحتووا كل الشخصيات والنخب الليبية المثقفة والمسيّسة ولو إلى حين .. كما حاولوا أن يكتشفوا التيارات الفكرية ورموزها للتعامل معها حسب رؤية تصنيفية لتلك التيارات والشخصيات المتبنية لها.

وشاء قدر الله ألا تطول علاقته وتجربته مع الحكام الجدد، فقد توفى في 14 أغسطس 1970 في حادث وهو يقود سيارته عائدا من مصراتة إلى طربلس، وكان معه إبراهيم الغويل الذي أصيب بكسر في يده، وتم علاجه فيما بعد.

اهتزت مدينة طرابلس لموته، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، وهي سن النضج والقدرة على العطاء. ولعل الله قد أراد به خيرا فجعله من الناجين من المحرقة، التي التهمت الكثير من النخب المميزة في البلاد، وكادت نيرانها أن تحرق البعض من أقرب الناس اليه.

وفي أحدى أحاديثي مع عبدالسلام البكوش عندما كنا في الزنزانات (السجن الانفرادي) عام 1977، تناولنا مسألة الاعتقالات، ومواقف بعض الشخصيات الوطنية، وذكرنا فيما ذكرنا علي وريّث، فشهد عبد الحميد البكوش لعلي وريّث بالصدق والشجاعة، وقال: “لو كان على وريّبث حيا لكان معكم في السجن”، أي أن الاعتقال سيشمله باعتباره من الشخصيات غير القابلة للإحتواء والتبعية.

والجدير بالذكر أن علي وريّث كان من أشد النخب نقدا لسياسات عبدالحميد البكوش عندما كان رئيسا للحكومة.

للّه درّك يا علي وريّث، عشت وأنت تملأ الأبصار والأسماع، ورحلت محبوبا، وتركت صيتا حسنا.

رحمة الله عليه وأحسن مثواه.

_____________

المصدر: كتاب “أسماء في النفس وفي الذاكرة” لمؤلفه الاستاذ محمود محمد الناكوع، دار الحكمة ـ لندن (الطبعة الأولى 2011)

التجربة البرلمانية في ليبيا (1908-1969) (11)

سالم الكبتي 

 خلال تلك الأيام من عام 1951 التي شهدت إعداد الدستور وصياغته قانونيا في صورته النهائية ظل يعرض أيضا على الملك إدريس.

كان بعض أعضاء لجنة الدستور يأتون إلى بنغازي لمقابلته والحوار معه في الكثير من نصوصه ومواده. وبالطبع لم تكن للملك الدراية القانونية فهو ليس متخصصا في القانون ولكنه ضليع بخبرته السياسية وحنكته المعروفة في متابعة العديد من أمور السياسة والحكم في المنطقة العربية على وجه التحديد.

فقد عاش مهاجرا لفترة من الزمن في مصر ووقف على أجواء البرلمانات والانتخابات والدساتير وله معارف كثيرون فيها وفي غيرها من الدول وكذا من خلال علاقاته القديمة والمعاصرة في أوروبا ونظمها ولهذا كانت نقاشاته وحواراته على الدوام مع مندوب الأمم المتحدة المستر إدريان بلت والمجلس الاستشاري وأعضاء الجمعية الوطنية ولجنة الدستور تلقي بأضوائها على الكثير من جوانبها وتفيدها بكل دراية ودبلوماسية.

لقد كان يعرف الواقع المحلي والعربي والدولي ولهذا فإنه كثيرا على سبيل المثال ما وقع تحت تأثير الحروب الإعلامية الهوجاء التي نسيت بأنه بشر له وعليه ولعل أخف هذه الاتهامات التي طالته أنه حسب لديها (عميلا إنجليزيا)!وهو لم يكن كذلك لهم ولا لغيرهم وذلك من سوء الفهم والالتباس الذي قاد الكثيرين للوقوع في فخاخ التسرع والحكم الطائش.

أنا هنا لست بصدد تقييمه أو الدفاع عنه بأي شكل من الأشكال ولكنني أرى أن الرجل وغيره من جيله الذين قادوا المرحلة في المنطقة رأوا أن بريطانيا (دولة عظمى) ومن المفيد سياسيا التحالف معها والتعاون بما يفيد الدولة لغير. فلم تستعمل هذه العلاقة ضد أي فرد من الشعب أو ضد دولة من الدول مجاورة أو بعيدة.

كان (الأمر الواقع) و (السياسة المتوازنة) التي رآها الآخرون عمالة وخيانة هي السائدة لمداولة الشؤون والأمور. وللمتابع أن يتقصى الكثير من التفاصيل المتعلقة بالمفاوضات السلمية التي قادها الأمير ثم الملك ليعرف دهاءه وتصرفه السياسي بعيدا عن الحكم المسبق ووضعه في إطاره الزمني والتاريخي ومراعاة أسباب الثغرات والأخطاء.

كان السيد إدريس السنوسي ومجايلوه في ليبيا أو خارجها يدركون العالم الذي يعيشونه ويعرفون التعامل معه وفقا لما أتيح له ولهم من دراية وتجربة ومعرفة بالأمور فوق الأرض. لم يكن مفهوم العمالة أو الخيانة في أذهانهم على الإطلاق فيما أتصور وفيما سيحكم به التاريخ.

وعلى أية حال كان الملك يتابع أعمال لجنة الدستور وقد أشار الكثيرون ممن كانوا يلازمونه العمل والقرب بأنه كان زاهدا ومترددا في قبول الحكم واعتلاء العرش إذا كان وجوده يسبب صراعا أو انقساما في ليبيا. وأذكر أن السيد فتحي العابدية الذي كان سكرتيرا خاصا للملك في تلك الأيام وحضر جانبا من لقاءاته مع لجنة الدستور في قصر الغدير قرب بنغازي (بوعطني) الذي منحه للجيش لاحقا ليكون مقرا لأول كلية عسكرية ليبية عام 1957.

أذكر أن السيد العابدية روى لي الكثير من هذه التفاصيل بكل صدق وحياد فقد أشار غير مرة إلى أن الملك أكد في كثير من الأحيان على أن يكون نظام الحكم في ليبيا جمهوريا وقد حدث أن قدم له السادة: الشيخ أبو الأسعاد العالم وعمر شنيب وخليل القلال وسليمان الجربي المسودة النهائية للدستور بعد الفراغ من صياغتها للاطلاع عليها وتقديم أية اقتراحات بشأنها أو تعديلات تيضيف المزيد مما لم يصل إليه أعضاء لجنة الدستور..

فماذا حدث بالضبط؟

كان السيد العابدية شاهدا وصادقا في روايته فقد قام الملك شخصيا بشطب نصوص المواد الأولى التي تتصدر الدستور بالقلم الأحمر لأنها قضت بأن يكون نظام الدولة ملكيا وراثيا واقترح أن يتولى شؤون البلاد وإدارتها فترة من الزمن شخص محايد من خارجها نتيجة للكثير من التصورات والآراء المتعلقة بشخص الملك إدريس في الداخل وهذا الشخص هو الأمير محمد علي من الأسرة المالكة المصرية وكان من أفرادها المشهود لهم بالاستقامة والخلق الحسن والورع وكان أيامها وليا للعهد في مصر قبل حركة الجيش عام 1952 ولكن الأمر تغير بعد أن رزق الملك فاروق بولي للعهد وهو ابنه أحمد فؤاد في يناير من ذلك العام الذي وقع فيه حريق القاهرة المشهود.

كما أشار السيد العابدية، في أحاديثه عن هذه الفترة مباشرة معي في بيته في بنغازي خلال سنوات 1986و1987 و1988، إضافة إلى أحاديث أخرى عن الدولة الليبية وسياستها في فترة الاستقلال، إلى أن الملك نفسه أكد في مرات لاحقة سعيا للتغيير الهاديء والسلس على أن يكون نظام الحكم (جمهوريا) في لقاءات مع رئيس الحكومة السيد مصطفى بن حليم والمستر إدريان بلت واقترح بنفسه أيضا أنه في حالة وفاته وشغور المكان بتلك الوفاة يتم اختيار مجلس للسيادة يدير البلاد لمدة سنتين.

وهذا المجلس يضم من ثلاثة أشخاص إلى خمسة فقط تحفظ أسماؤهم بطريقة سرية في مظروف مختوم بالشمع الأحمر يوضع في خزانة الديوان الملكي وتودع نسخ منه في خزانة الديوان الملكي وخزانة البرلمان وخزانة الحكومة وعندما توفي أخوه الأمير محمد الرضا عام 1955 وكان وليا للعهد لم يعين من يخلفه مباشرة إلا بعد عام من الوفاة في 1965 حيث استدعى ابنه الحسن الرضا وصدر أمر ملكي بتعيينه وليا للعهد وكان قد قدم استقالته أيضا تلك الأيام. أشار إلى أن التغيير قادم مع التطور والسنوات وهو يود أن يرعى التغيير بنفسه دون اللجوء إلى محاولات أو إجراءات يخشى وقوعها وتأثيرها على ليبيا إجمالا.

وفي إحدى جلسات الجمعية الوطنية في بنغازي اعترض الملك أمام أعضائها على كثير من السلطات التي منحت له وفقا للدستور فقد أصر على أن تضاف عبارة البرلمان في المادة التي أعطت له الحق في إعلان الحرب وأشار إلى أنها لاتتم من قبله فقط بل بمشاركة البرلمان وكذا الشيء نفسه في إعلان حالة الطوارئ في البلاد والكثير من الأمور. كما يذكر الكثيرون أن الملك عقب إعلان الاستقلال بأيام جمع أفراد أسرته كبارا وصغارا وأشار لهم بأن هذه البلاد ينبغي أن يتولاها أهلها ونحن نبعد إلى حيث المجالات التي تسمح بمواصلة نشاط الدعوة السنوسية فقط وشدد عليهم بالابتعاد عن الأمور السياسية ومغادرة البلاد أيضا إذا لزم الأمر قائلا لهم (بوحافر يحفر وبوجناح يطير).

أعلن الملك الاستقلال صباح يوم الاثنين الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 من قصر المنار وسط جموع الشعب وخرائب البنايات المتهدمة من الحرب وعبر الحالة الاقتصادية البائسة وحضور أعضاء الجمعية الوطنية ومندوب الأمم المتحدة والمجلس الاستشاري والحكومة الوطنية وظل الماضي البعيد والقريب مجرد حكايات طويت ولم يعد بالإمكان إعادتها فقد مضى ذلك الماضي وبدأت مرحلة الاستقلال بالتوافق والنظرة البعيدة نحو البناء والتشييد واستخدام العقل والحكمة والصبر.

ووفقا لقانون الانتخابات الذي أصدرته الجمعية الوطنية تم إجراء أول انتخابات بعد الاستقلال. جرت في التاسع عشر من فبراير 1952 وأعلنت النتائج في العشرين منه بحضور مراقبين من الأمم المتحدة إضافة إلى العديد من المراقبيين المحليين في مختلف المناطق. واقتضى التوافق بأن يتم ترشيح خمسة وثلاثين نائبا عن طرابلس وخمسة عشرة عن برقة وخمسة عن فزان بحكم التركيب السكاني لكل إقليم من أقاليم ليبيا الثلاثة.

فكيف تمت هذه الانتخابات الأولى التي أفلحت في إنجاز الطريق لأول برلمان ليبي بعد الاستقلال؟ وماذا حدث بالتفصيل وكيف كان نظامها و نتائجها؟ وماذا ترتب عنها؟.

_____________

Read More

التجربة البرلمانية في ليبيا (1908-1969) (10)

سالم الكبتي

(..وإنه لمن أعز أمانينا كما تعرفون أن تحيا البلاد حياة دستورية صحيحة)
الملك إدريس السنوسي في خطاب إعلان الأستقلال

.. ولابد أحيانا من العودة إلى التاريخ أو بمعنى آخر التقدم خطوة نحوه. فقد ظلت ليبيا وستبقى ذات موقع مهم على ساحل البحر الأبيض المتوسط وتحميها من الخلف عبر البعيد الصحراء الكبرى ومنذ القدم تشكلت هويتها وشخصيتها بالتدريج نتيجة لتلاقي الحضارات فوق أديمها الواسع وامتزاج الثقافات والمعارف والفنون والعادات وتأسيس المدن والمراكز الحضارية واستيعاب القادمين للعيش بها في حرية وسلام.

في (قوريني)على قمة الجبل الأخضر نشأ الفلاسفة وبرزت مدرسة المشائين ووضع المشرع الأغريقي الشهير (ديموناكس) دستورا للمدينة في سنوات ما الميلاد وظلت قوريني على الدوام في تلك الحقبة مقرا للحكمة والفلسفة والرياضة والطب والعلوم ومنها انطلق كاليموخس لإنشاء مكتبة الأسكندرية إحدى مدن العالم القديم الكبرى مع قوريني وقرطاجنه ولبدة. وعند الفتح الإسلامي دارت حول طلميثة التي كانت عاصمة لإقليم برقة أولى معارك الإسلام في ليبيا وعقب تلك المعارك الفاصلة كتب المسلمون الفاتحون مع سكانها النسخة الأولى من وثيقة الصلح التي أصبحت نموذجا راقيا لجميع الوثائق اللاحقة مع بقية المدن المنتشرة التي سيقومون بفتحها في شمال إفريقيا. كانت هذه الوثيقة كما تقول المصادر التاريخية وثيقة تحرير بالفعل من العصر المظلم الذي عاشته شعوب المنطقة تحت حكم الرومان. ثمة خلفية تاريخية تطل دائما عبر ليبيا تنهض أمام الأعين مرة في لحظات اليأس وتغيب أكثر بكل مرارة في أوقات مؤلمة من الانكسار والحزن. فلتكن مشيئة الله كما أرادها.

وفي كل الظروف لعل الليبيين غدوا يستفيدون من هذا التاريخ والإفادة من تجربتهم المتواصلة إضافة إلى تجارب الآخرين على الطريق وبهذا تكتمل أسس تكوين الدول فمن لاقديم له لاحاضر لديه بأختصار شديد. إن ذلك يعتبر قفزة في الفراغ وفي الهواء فوق كنوز مطمورة تحت الأرض.

يذكر د.مجيد خدوري العالم المشهور وثاني عميد لكلية الآداب والتربية في الجامعة الليبية عام – 1957 -1956 في مذكراته في ليبيا أن في تحضير الدستور الليبي عام 1951 حدثه الدكتور عوني الدجاني الذي كان مستشارا قانونيا للجمعية الوطنية التأسيسية خلال أعمالها في لقاء جمعهما يوم الخميس الموافق للرابع والعشرين من يناير 1957 قائلا: (نظرا لقرب الفترة الزمنية التي حددتها الأمم المتحدة موعدا لاستقلال ليبيا فقد أعد الدستور بشيء من السرعة عبر اجتماعات اللجنة الدستورية التابعة للجمعية الوطنية وانتهى الفراغ منه خلال ستة أشهر فقط. وهذه اللجنة عينت تسعة أعضاء من أجل وضع لائحة الدستور وكانت بواقع ثلاثة أعضاء عن كل إقليم. كنت مستشارا قانونيا للملك إدريس فأرسلني لأعمل إعداد الدستور وكنت أمثل وجهة نظر الملك فيما يتعلق بالدستور.

وقد وضعت لجنة التسعة أعضاء مسودة الدستور وترجمت كافة الدساتير الفيدرالية (نحو إثني عشر) في العالم حتى يطلع عليها أعضاء اللجان وجلبت أيضا دساتير البلاد العربية الأخرى للاطلاع عليها. وأكد الدجاني على أنه حضر (بتشديد الضاد) نحو ثلثي الدستور: ثاني أبوبه الذي يتعلق بالمقدمة وحقوق الملك والشعب والوزارة والمحكمة العليا. أما عمر لطفي المستشار القانوني لأدريان بلت فقد حضر المواد المتعلقة بالبرلمان والنظام المالي وقد استقى أكثر المواد لهذه الأقسام – نحو أربعة أبواب – من الدستور المصري. فالنظام التشريعي كثير الشبه بالدستور المصري.

وأشار الدجاني في هذا اللقاء أيضا إلى أنه علم آراء الملك العامة كرغبته في أن يكون شكل نظام الحكم فيدراليا ورأيه في هذا ساد بالرغم من كثرة مطالبة الأعضاء الطرابلسيين بالدولة الموحدة. وقد شرع أول قانون دستوري من قبل الجمعية الوطنية بقانون اقترحه السيد محمود المنتصر رئيس الحكومة المؤقتة نص على أن يكون نظام الحكم ملكيا وإعلان ملكية إدريس الأول أول ملك لمملكة ليبيا. وكذلك نظرت الجمعية في عدة اقتراحات وقوانين كانت لها صفة دستورية).

وعلى هذه المعطيات والتفاصيل القول يظل مؤكدا على أن خطوات الدستور ومناقشته تولتها اللجنة المختارة من الجمعية الوطنية فيما ظل أمر الصياغة القانونية في صورة الدستور النهائية تعود للمستشارين الدجاني ولطفي بعد الموافقة النهائية من الجمعية بالكامل.

لقد ناقشت الجمعية أيضا بكل مسؤولية وأمانة في جلسات استغرقت وقتا طويلا وعاصفا بعض الأحيان موضوع البرلمان وتكوينه وتفاصيل النظام الانتخابي وتفاصيل تقسيم السلطات التشريعية بين مجلسي البرلمان المقترحين وهما النواب والشيوخ واستعرضت عدة اقتراحات بشأنها وقر الاتفاق على أن ينص الدستور الليبي على قيام برلمان ليبي مؤلف من مجلسين: أحدهما مجلس للشيوخ يؤلف من ممثلين للأقاليم على أساس المساواة وعلى أن يكون هؤلاء الممثلون معينين أو مختارين من قبل حكومات الأقاليم ثم يعينهم الملك وفي هذا تفضيل للجمعية في أن تؤكد على ذلك أو ترغب في أن يقوم الملك من تلقاء نفسه بتعيين عدد محدود من هؤلاء الممثلين ويتم اختيار الآخرين من قبل حكومات الأقاليم ثم يعينهم الملك ويتم انتخاب أعضاء مجلس النواب على أساس نسبي يضمن تمثيل سكان الأقاليم الثلاثة.

وواصلت نقاشها في كل القضايا التي تهم المستقبل ومن بينها مسألة تنقيح الدستور وإجازة ذلك بعد موافقة المجالس التشريعية في الأقاليم والبرلمان ثم الملك وهذا ماحدث لاحقا عند إجراء التعديلات الدستورية عام 1963 .

بعد الموافقة من قبل لجنة العمل على مشروع الدستور إكتمل بمقدمة واثنى عشر فصلا ومائتين وثلاث عشرة مادة. وأرسل إلى الجمعية الوطنية في العاشر من سبتمبر 1951 وقريء فيها للمرة الأولى وفي التاسع والعشرين من الشهر نفسه عقدت الجمعية جلساتها في بنغازي لمناقشة مشروع الدستور وإقراره ثم وافقت عليه دون أية تحفظات أو اعتراضات في السابع من إكتوبر 1951. ثم قدمت الحكومة الاتحادية المؤقتة للجمعية في الثاني والعشرين من إكتوبر مشروع قانون الانتخاب وبعد أن درسته وأجرت بعض التعديلات أقرته وأصدرته في السادس من نوفمبر 1951.

ستجرى هذه الانتخابات لاحقا في النصف الثاني من فبراير 1952 وكان بود الجمعية الوطنية أن تجرى تلك الانتخابات قبل إعلان الاستقلال ولكن وضع قانون الانتخاب لم يكن ممكنا بطبيعة الحال كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلا بعد أن انتهي من وضع الدستور الذي حدد الهيئات الواجب اتخاذها والمباديء الأساسية الواجب اتباعها في النظام الانتخابي. فيما لخص المستر إدريان بلت رأيه في هذا الدستور في إحدى تقاريره بأنه:

(يمكن القول بأن الدستور الليبي ذو طابع ديمقراطي والملك هو ملك دستوري يتولى سلطاته عن طريق وزرائه المسؤولين أمام مجلس النواب المنتخب أما فيما يتعلق بحقوق الإنسان فالدستور يتبع بوجه عام مباديء إعلان حقوق الإنسان الذي وضعته الأمم المتحدة ونظرا للظروف السائدة في ليبيا فإن الدستور ليس ديمقراطيا من حيث الفكرة بل يتيح فرصة للتقدم المطرد).

ومن أهم خصائص الدستور الليبي وقتها التي أشارت إليها تقارير الأمم المتحدة أيضا بأنه: دستور ديمقراطي لأنه يعترف بالسيادة للشعب فالسيادة للأمة والأمة مصدر السلطات. وهو دستور نيابي لأن مجلس الأمة بمجلسيه نوابا وشيوخا يقوم باستعمال حقوق الشعب الدستورية نيابة عنه وهو أخيرا دستور برلماني لأنه يقرر المسؤولية الوزارية أمام مجلس النواب.

.. فماذا كانت آراء الملك عندما كانت تعرض عليه مسودة الدستور تلك الأيام. كيف كان ينظر إلى الأمور التالية بعد الاستقلال؟!

Read More

انتخابات 1952 .. من طرف خفي: تقارير المخابرات البريطانية

محمد محمد المفتي (*)

لا خلاف في أن بريطانيا كان لها حضور جوهري في مسار السياسة الليبية في زمن المملكة. وكان ذلك نتيجة لحرص بريطانيا على وجود قواتها في ليبيا، كجبهة متقدمة لحماية مصالحها في قناة السويس ونفط الشرق الاوسط.

Read More

بشير السعداوي.. المناضل الليبي الذي كافح الاستعمار وحارب الطائفية

 تالله لم أشغف بغير طلالها … لا منيتي مالت لغير بلادي
 في حب هاتيك الديار وأهلها … ذهبت حشاشة مهجتي وفؤادي
وُلد بشير السعداوي في زمن التحولات والحروب، وأصابه اليتم وهو ابن سنتين، لكنه خرج من رحى الأحداث كأحد أبرز الشخصيات التي طبعت تاريخ ليبيا في بداية القرن العشرين. ينتمي السعداوي إلى قبيلة الأغالبة الذين أسسوا دولتهم في القيروان، وجاء جدهم إلى مصراته، وما زال بعض الأغالبة بهذا الاسم يقطنون مصراته، منهم العلماء والكتّاب والمؤرخون.
نستعرض في هذا الفيلم الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية بعنوان: “بشير السعداوي.. مناضل بحجم وطن”؛ سيرة المناضل الليبي بشير السعداوي، بدءا من حربه ضد المحتل الإيطالي مرورا برحلة عمله تحت ظل الأستانة في ولايات المشرق العربي، ثم عودته إلى الوطن، وانتهاء بكفاحه ضد المرض في المنفى.
مدينة الخمس.. طفل يتيم يتقلد أعلى المناصب العثمانية
يقول عنه حفيده فيصل السعداوي: ولد المناضل بشير في مدينة الخُمس سنة 1884، وتربى مع إخوته أحمد ومحمد النوري السعداوي، وقد توفي والدهم عندما كانوا صغارا، ثم تزوجت أمه من عمه الصادق، وولدت له أخا ثالثا اسمه مختار. كان بشير لا يميل إلى اللعب مع الأقران في صغره، وكان منطويا على نفسه يحب القراءة والتأمل.
كانت الأولوية في ذلك العصر لحفظ القرآن الكريم، فالتحق بشير بكُتّاب مدينة الخمس في البداية، ثم أتمّ الحفظ في الزاوية السنوسية، وقد كان التعليم وقتها ضعيفا، فلا تكاد تجد شخصا واحدا يقرأ ويكتب في القرية أو القبيلة كلها، وكانت هنالك مدرسة واحدة في الغرب الليبي هي الرُّشْدية (نسبة إلى السلطان رشيد)، وكان يرتادها قليل جدا من أبناء الأغنياء.
شكّل بشير ثقافته بنفسه، فاستعان بأمهات الكتب العربية، وقرأ مؤلفات المعاصرين من أمثال محمد عبده ورشيد رضا، وتأثر بأفكار الكواكبي في رفض الاستعباد والتعصب الديني، وكذلك بأستاذه التركي حقّي بيك الذي أولاه اهتماما خاصا في المدرسة، وكان يعيره الكتب ويشجعه على المطالعة وبناء أفكاره.
عمل السعداوي في المالية والضرائب، حيث كان يعمل والده من قبله، وتدرج في دواليب الإدارة العثمانية حتى أصبح أحد أهم رجالات الدولة بولاية طرابلس الغرب، وتقلّب في عدة مناصب، من مأمور أعشار وصولا لمنصب مدير التحريرات (الأحوال الشخصية والقضاء) بين عامي 1909-1911، حيث كان أول ليبي يصل إلى هذا المنصب الرفيع بأمر من الأستانة مباشرة.
ظهور الاحتلال الإيطالي.. بداية معارك الكفاح المسلح
قبل دخول الإيطاليين إلى ليبيا مهّدوا لهم موطئ قدم هناك، وتمثل في إنشاء مصرف روما في طرابلس، وصاروا يمنحون السلف والقروض للمواطنين، وصولا إلى تملُّك الكثير من الأراضي الليبية، ثم أرسلوا البعثات التبشيرية، وكانت أهدافها تجسسية في غالب الأحيان، إلى أن جاء عام 1911، وفيه بدأت إيطاليا عدوانها العسكري الغاشم على ليبيا.
حاصرت قوات إيطاليا طرابلس وبنغازي، واستخدمت الطيران لقصف المجاهدين الليبيين، في سابقة هي الأولى في تاريخ الحروب، وهنا أعلن بشير السعداوي الجهاد، وألهب حماس المتطوعين في منطقة الخمس، وقاد فيها معارك ضد الطليان طيلة عام 1912، وكانت تلك نقلة نوعية في شخصية بشير، من موظف روتيني منظم إلى قائد حربي ومجاهد عنيد.
لم يكن في قاموس الليبيين قادة خلف الكواليس وجنود أمامها، لكن الجميع يواجه العدو، ويتقدمهم القادة أولا، هكذا نال السعداوي ثقة المجاهدين الليبيين والقادة العثمانيين على حد سواء، حتى عيّن قائم مقام لساحل آل حامد قرب الخمس، وهنا اندفعت إيطاليا بقوة في معسكر السوالم، ثم فلاجة ومصراته، بينما استمرت المقاومة في الغرب بقيادة آل السعداوي.
“معاهدة لوزان”.. انسحاب عثماني يفت عضد المقاومة
خلال السنة الأولى كانت المقاومة ليبية عثمانية، لكن الأمور تغيرت بعد “معاهدة لوزان” في الثالث من أكتوبر/تشرين الثاني عام 1912، حيث انسحبت القوات العثمانية من ليبيا تاركة أهلها لمواجهة مصيرهم المحتوم أمام إيطاليا، وكانت هذه صدمة كبيرة لعموم الليبيين، للمجاهدين منهم والقادة على وجه الخصوص، فقد اتخذ الأتراك هذه الخطوة بشكل أحادي، ودون استشارة أهل ليبيا، أو حتى مجرد إخبارهم.
جاءت أوامر الأستانة للسعداوي وبقية الموظفين الأتراك بضرورة مغادرة ليبيا والتوجه إلى تركيا فورا، الأمر الذي خلّف أثرا بالغا في إضعاف المقاومة الليبية في مواجهة الطليان، ففقدان القيادة المؤثرة، ومن قبلها فقدان الإمدادات والأسلحة؛ أدى إلى فتور الهمم وفقدان البوصلة وتشتت الهدف.
توقيع معاهدة لوزان في الثالث من أكتوبر/تشرين الثاني عام 1912، والتي أعلن فيها انسحاب القوات العثمانية من ليبيا تاركة أهلها لمواجهة مصيرهم المحتوم أمام إيطاليا
بقيت مسألة خروج السعداوي من ليبيا في أوائل الصراع مع المحتل الإيطالي مسألة يصعب فهمها، فهو قد أثبت نفسه كقائد وطني متميز في السنة الأولى للاحتلال، وهو إضافة إلى ذلك ليبي من عائلة لها تاريخ ممتد ومكانة مرموقة في الغرب الليبي، لكن الجهاد استمر، واستجمع المجاهدون بقايا قوتهم في العزيزية، وقرروا مواصلة الجهاد.
عند وصوله إلى الأستانة فوجئ بأن أستاذه التركي حقّي بيك الذي علَّمه في الخمس يشغل منصبا عاليا في الدولة العلية، فعيّنه على الفور قائم مقام في منطقة ريزا على الحدود مع روسيا، وبقي هناك حتى بدايات الحرب العالمية الأولى أواخر 1914، حيث دخلت تركيا الحرب إلى جانب الألمان ضد روسيا، وجرى سحب السعداوي من ريزا وأعيد إلى الأستانة.
سقوط ينبع.. معارك الشريف حسين وحلفائه الإنجليز
عُيِّن بشير السعداوي قائم مقام في منطقة ينبع البحر على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، فوصل إلى المدينة المنورة في فبراير/شباط 1915، ونصحه الوالي التركي أن لا يسافر إلى ينبع لخطورة الطرق، وتهديد قوات الشريف حسين أمير مكة لها، لكنه احتال للأمر ووصل إلى ينبع التي كانت قلقة وغير مستقرة نتيجة تأليب القبائل العربية هناك ضد الحكم التركي.
جاءت الأوامر من الأستانة بتوسيع نفوذ السعداوي، وطُلِب إليه التصدي لتحركات الشريف حسين، المدعومة من الإنجليز ورجلهم “لورانس”. في البداية حاول العرب استمالة السعداوي لجانبهم في الثورة على الأتراك، لكنه أبى، فحاولوا اغتياله، وتصدى الأمير فيصل بن الحسين لهذه المهمة، وأغرى بعض شيوخ القبائل بالمال لتنفيذ رغبته، لكن أهل ينبع حالوا دون ذلك.
الأمير فيصل بن الحسين الذي تصدى لبشير السعداوي
في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران 1916 انهزم بشير السعداوي إثر وصول المدمرات الإنجليزية، حاملة معها العساكر من أفريقيا والهند، فدخلت القوات ينبع تحت نيران المدفعية الكثيفة، وانسحب السعداوي إلى المدينة بمساعدة رجال القبائل في ينبع، وقد راودت الشكوك الوالي العثماني من الطريقة التي وصل بها بشير إلى المدينة، لكنه أقنعه أن ذلك كان بمساعدة العرب الذين يكنّون له الحب والولاء.
جبل لبنان الجائع.. إنسانية تتفوق على الطائفية
عاد بشير السعداوي إلى الأستانة، ومكث هناك شهورا قبل أن تأتيه الأوامر بالتوجه إلى قضاء جزّين في لبنان، وقد كانت الأجواء هناك في حالة غليان، فالمنطقة برمّتها تعاني ويلات الحرب العالمية، ومتصرفية جبل لبنان تتغير نتيجة الأوضاع التركية الجديدة، وقضاء جزّين تحاصره القوات البريطانية من جهة البحر، بينما لا تزال القوات التركية تضيق عليه الخناق برا.
كانت المجاعة تضرب بقوة في جبل لبنان، وقد مات خلالها 200 ألف مسيحي، حتى انتشرت الجثث في الطرقات لعدم قدرة الناس على دفن موتاهم من شدة الفاقة، وتذكر الوثائق التاريخية وشهادات الأجداد أن السعداوي بدأ بتوفير المساعدات لأهل جزين، واقتطع –بطرق قانونية- من الضرائب التي تُجمع للأتراك، وكان يوزعها على أهل جزين للمؤونة ودفن الموتى بكرامة.
وكان السعداوي يمنح أهل جزين بطاقات خاصة باسمه، ليتسنى لهم تجاوز الحدود إلى حوران والجولان، من أجل جلب الحنطة والشعير، وبلغ من مساعدته لأهل قضاء جزين أن كثيرين حسبوه مسيحيا للوهلة الأولى، وكانت نظرته الإنسانية لا تفرق بين المسلمين والمسيحيين هناك.
مؤتمر غريان.. بيعة ملكية لتوحيد الصفوف ضد المحتل
في العام 1920 وبعد انحسار الدولة العثمانية قرّر السعداوي العودة إلى ليبيا، وقتها كانت الجمهورية الطرابلسية تحتضر، وذلك بعد محاولتها ملء الفراغ السياسي بعد معركة الغردابية التي انتصر فيها المجاهدون على الطليان، وأرغموهم على الانحسار في خمس مدن فقط، هي زوارة وطرابلس ومصراته وبنغازي ودرنة.
كانت طرابلس حينئذ تشهد نزاعات وانقسامات بين زعاماتها، فتنادى العقلاء منهم إلى مؤتمر غريان في 1920، واختارت كل منطقة من يمثلها عدا الأمازيغ، وشكّلوا حكومة عرفت بهيئة الإصلاح المركزية من 20 عضوا بينهم بشير السعداوي، وشكَّلوا وفدا لمفاوضات مع الملك إدريس السنوسي الذي كان قد سوّى خلافاته مع الطليان في برقة.
ا
الملك إدريس السنوسي الذي سوّى خلافاته مع الطليان في برقة
كان محور المفاوضات توحيد الجهود ضد الطليان، وكانت مطالب حكومة الغرب تتلخص في الدفاع المشترك ضد العدوان الإيطالي على أي من الشرق أو الغرب الليبي، ولم توافق حكومة برقة إلا بشرط اعتراف طرابلس بالملك السنوسي حاكما لعموم ليبيا، والحقيقة أن السعداوي كان يتوقع هذا الشرط ومستعدٌّ للقبول به، بل وأقنع أهل طرابلس، ويقال إنه هو الذي صاغ خطاب البيعة للملك.
“بينيتو موسوليني”.. حرب المخابرات تلاحق السعداوي في مصر
لكن وصول الحزب الفاشي بزعامة “بينيتو موسوليني” إلى سدة الحكم في إيطاليا قلب الأمور رأسا على عقب، واجتاحت القوات الإيطالية كامل التراب الليبي، وقوَّضت الحياة السياسية بكل مظاهرها، وبدأت حرب إبادة وهدم وتنكيل بالمجاهدين في كل أنحاء ليبيا، وانفرط عقد الاتفاق السياسي بين الغرب والشرق تحت وطأة الهجوم الإيطالي الكاسح.
في أثناء ذلك تلقّى السعداوي نصائح من أطراف متعددة بالهجرة إلى مصر، ليواصل من هناك الجهاد على المستويين الإعلامي والسياسي، وبالفعل مُهِّدت له طريق الهرب إلى مصر بمساعدة زعماء القبائل وشيوخ الطرق الصوفية، لكن الضغوط الإيطالية على الحكومة المصرية لاحقته هو وسبعة من القادة الليبيين، مما اضطره لترك مصر إلى الشام.
وصول الحزب الفاشي بزعامة “بينيتو موسوليني” إلى سدة الحكم في إيطاليا قلب الأمور رأسا على عقب، واجتاحت القوات الإيطالية كامل التراب الليبي
في مصر كانت المخابرات الإيطالية تُخطّط لاغتياله أو أَسْرِه، ونجحت في إحداها بصدمه عن طريق سيارة لأحد عملائها، وكانت قد جهزت قرب المكان سيارة إسعاف للظفر به، لكن تَصادف وجود رجل أمن مصري يعرف السعداوي، فخلّصه من الإيطاليين تحت تهديد السلاح، ونقله إلى مستشفى بريطاني في المنطقة.
“حكم الإعدام وسام على صدري”
فور وصوله إلى دمشق أسس جمعية “الدفاع الطرابلسي البرقاوي” عام 1928، وصاغ ميثاق المشروع الوطني الليبي، وأنشأ للجمعية عدة فروع في سوريا ولبنان وفلسطين والحجاز وتونس ومصر وجزيرة العرب والهند، وكتب المنشورات التي تفضح جرائم الاحتلال الإيطالي، ولفت أنظار العالم إلى الفظائع التي يرتكبها الفاشيون في ليبيا، وكان الملك إدريس السنوسي من أشد الداعمين لهذه الجمعية.
ضاق الإيطاليون ذرعا بأنشطة السعداوي، وحاولوا اغتياله مرارا، وإغراءه بالعودة إلى ليبيا واسترجاع ممتلكاته، لكنه رفض كل محاولاتهم، ثم انتدبوا إمام اليمن للتوسط إليه، ووعدوه بتخفيف حكم الإعدام في حال تراجعه عن أنشطته الإعلامية ضد إيطاليا، فرفض وقال قولته المشهورة لإمام اليمن: “حكم الإعدام وسام على صدري”.
بشير السعداوي يمثل قادة المجاهدين الليبيين في مصر في المؤتمر الإسلامي عام 1931، الذي انعقد في القدس بزعامة الحاج أمين الحسيني
وتقديرا لدوره النضالي والإعلامي، طلب قادة المجاهدين الليبيين في مصر من بشير السعداوي تمثيلهم في المؤتمر الإسلامي عام 1931، الذي انعقد في القدس بزعامة الحاج أمين الحسيني وعدد من القادة والوجهاء العرب والمسلمين، وعيِّن السعداوي في اللجنة التنفيذية للمؤتمر.
مستشار الملك عبد العزيز.. تفتح آفاق السياسة العالمية
كان للورقة التي قدمها السعداوي عن القضية الليبية أثر بالغ دفع المجاهد الشيخ عز الدين القسام للإشادة بالجهاد الليبي، ودفع المجاهدين الفلسطينيين والعرب للمشاركة فيه، وتطوّع 200 منهم للجهاد تحت قيادة شيخ المجاهدين عمر المختار.
كذلك كانت للسعداوي جهود مقدّرة في التأليف بين الملك السعودي عبد العزيز والإمام اليمني حميد الدين أحمد بن يحيى، ونزع فتيل الحرب بينهما، وقد أُعجب الملك عبد العزيز بالسعداوي وحصافته السياسية، وطلب منه العمل لديه كمستشار، وكانت أولى مهماته هناك تقديم مشورة عسكرية في جمع شتات القوات السعودية، وتأسيس جيش نظامي حديث، فرشّح له السعداوي قائدا ليبيا للقيام بهذه المهمة، وهو طارق الأفريقي، وكان بهذا أول قائد أركان للجيش السعودي.
بشير السعداوي عمل مستشارا للملك السعودي عبد العزيز
تفتحت آفاق السياسة الدولية أمام السعداوي بصفته مستشارا للملك، وحضر مع عبد العزيز كل اجتماعاته مع القادة العالميين، وكان أبرزها مع الرئيس الأمريكي “فرانكلين روزفلت”، ورئيس الوزراء البريطاني “وينستون تشرشل”، ثم حضر معه مؤتمر القمة العربية في القاهرة، وقد أكسبته هذه الوظيفة حضورا مرموقا في أروقة السياسة ودهاليز الحكم.
انتخابات طرابلس.. خسارة مدوية لحزب المؤتمر
حنَّ بشير السعداوي إلى وطنه الأم، فاستأذن الملك عبد العزيز ليسمح له بالعودة إلى ليبيا بصفته عضوا في هيئة تحرير ليبيا، وذلك من أجل التصدي لمشروع تقسيم ليبيا بين دول الاستعمار بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، الذي عرف بمشروع “بيفن سفورزا”، ومع أن المشروع سقط بعد التصويت عليه، فإنه أفرز زعامات محلية موالية لدول الاستعمار هذه.
أتاحت هذه الفترة بعض الحرية السياسية، مما سمح بتشكيل الأحزاب، حيث كانت أحزاب برقة تنادي باستقلال الإقليم البرقاوي لوحده، بينما كانت أحزاب طرابلس منهمكة في صراعات ونزاعات لا تنتهي، أما السعداوي فكان ينادي بالاستقلال والوحدة معا، وكان لا يرى معنى لنضاله دون تحقيق وحدة واستقلال كامل التراب الليبي.
أسس السعداوي حزب المؤتمر الوطني في طرابلس، ونادى من أول يوم بجمع كلمة الليبيين جميعا تحت قيادة الملك السنوسي في برقة
في مارس 1948 أسس السعداوي حزب المؤتمر الوطني في طرابلس، ونادى من أول يوم بجمع كلمة الليبيين جميعا تحت قيادة الملك السنوسي في برقة، واستطاع في فترة وجيزة أن يخطف الأبصار تجاه حزبه، والتفّت حوله الزعامات القبلية والمدنية.
في 23 سبتمبر/أيلول 1953 تنازلت بريطانيا وفرنسا عن إقليميْ برقة وفزّان، ليعلن إدريس السنوسي قيام مملكة ليبيا في اليوم التالي. وفي أول منافسة انتخابية خسر حزب المؤتمر أمام خصمه الحزب الفيدرالي، وذلك في مفاجأة لم يتوقعها الشارع الطرابلسي، وخيّمت على المشهد شُبهة تزوير واضح ومؤامرة إنجليزية، لأن السعداوي لم يخضع لشروطهم.
آثر السعداوي بعدها الانسحاب حفاظا على رفاقه في الحزب، ونُفي إلى خارج البلاد بتهمة التحريض على العنف، فعاد إلى السعودية عام 1952.
أسير المنفى والمرض.. جنازة رسمية في ليبيا
مكث السعداوي في السعودية عاما ونصفا، ولم يكتب خلال هذه المدة خطابا واحدا لليبيين، وكانت تراوده حسرة دفينة على بلد قضى معظم حياته في سبيل استقلاله ووحدته، وها هو منفيٌّ عنه، وهو يرى التجاذبات السياسية والمؤامرات الخارجية تُمزقه، فأصابه غمّ شديد وأمراض بدنية نقل على إثرها إلى لبنان للعلاج.
ساءت حالته الصحية، ولم تزل كذلك إلى أن توفي في العام 1957، ودفن في بيروت، وبعد قيام ثورة الفاتح من سبتمبر/أيلول، أمر العقيد معمر القذافي بإحضار جثمانه من بيروت، وكذلك جرى إحضار جثمان سليمان الباروني من الهند، وفي عام 1972 أقيمت لهما جنازة رسمية حاشدة، ودُفن السعداوي في مقبرة سيدي منذر في الخُمس.
حارب السعداوي رحمه الله النزعة الطائفية، وكان عَلَما في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ودعا إلى الوحدة العربية على أساس من الفكرة الإسلامية الشاملة، وكان جمهوريا بامتياز، حيث دعا إلى الحرية الفكرية والسياسية كأعلى مكاسب الجهاد المادي والمعنوي، وكان في بداية حياته مُنحازا إلى فكرة الخلافة الإسلامية الجامعة، ثم تخلّى عنها إلى فكرة الدولة القومية، دون انسلاخها عن حاضنتها الدينية.
_____________

التجربة البرلمانية في ليبيا 1908-1969 (9)

سالم الكبتي

إن متابعتي واهتمامي بموضوع التجربة الدستورية والبرلمانية في ليبيا التي عاشها أبناؤها فترة من الأعوام في ظروف مختلفة تلاحقت وتباينت ثم ظلت بعيدة وراء الأفق في أطياف التاريخ وانتهت بتجربة نيابية ديمقراطية رغم العثرات دامت ثمانية عشر عاما إلى 1969 حيث تعطلت وتوقفت.. إن ذلك يعود إلى أيام بعيدة ماضيات إقتربت والتقيت فيها بكثير من رجال ليبيا الذين أسهموا بجهودهم في إرساء قواعد هذه التجارب العديدة وفي هذا كله يتعين عليَّ خلال هذه المقالات أن أشير إلى بعض منهم وهم السادة: محمود بوهدمة وسليمان الجربي والطاهر العالم.. على سبيل المثال.
لقد كان الأول عضوا في لجنة الواحد والعشرين ثم الجمعية الوطنية (الستين) وكان الثاني عضوا مثله في الستين وفي لجنة الدستور وقام بأعمال السكرتارية وتدوين محاضرها وجلساتها بدقة عالية التنظيم وكانا ضمن وفد إقليم برقة فيما كان الثالث مثلهما في الجمعية إضافة إلى اختياره في فترة لاحقة عضوا بلجنة العمل وإعداد الدستور ضمن زملائه وفد فزان في الجمعية المذكورة. وأضيف إلى ذلك: أن السيد بوهدمة كان رئيسا لأول مجلس تشريعي في ولاية برقة بعد الاستقلال وهي – المجالس التشريعية في الولايات الثلاث – تجربة برلمانية سأتعرض إليها في ثنايا مايبقى من مقالات ثم اختير ثالث رئيس لمجلس شيوخ في المملكة وعينه الملك نائبا له مع رئيس مجلس النواب خلال غيابه عن الدولة عام 1956 قبل تعيين ولي للعهد تلك الأيام. وأن السيد العالم كان نائبا في أول برلمان ليبي بعد الاستقلال في 1952.
التقيتهم في بنغازي وطرابلس مرارا وتحدثوا لي عن هذه المخاضات العسيرة والتجارب التي انقطع عنها الجيل اللاحق وولى لها ظهره دون الإفادة منها أو متابعتها بالتحليل والدراسة والنقد والحوار. دونت وسجلت منهم مما دار في كواليس القاعات والجلسات ووقفت في حقيقة الأمر على قيمة هذه الجهود الكبيرة التي بذلوها مع بقية زملائهم أياما وليالي طويلة بين طرابلس وبنغازي. لقاءات وحوارات وجلسات ونقاشات وجولات وتفاهمات وتناقضات وأخذ ورد وشد وجذب ثم كانت المحصلة الختامية لهذه الجهود الوطنية توحد الخطوات نحو طريق واحدة تؤدي إلى الوطن الواحد الذي يسع الجميع رغم المطالبات والحلم بالمزايا لكل إقليم وكان هناك في كل الأحوال درء وسد لمحاولات النفاذ الأجنبي والتدخل بتغيير وجهة ذلك الطريق.
ولم يكن هذا العمل الوطني المخلص يسعى لتحقيق أطماع أو مأرب شخصية. وكان الحضور والتواجد في طرابلس يتم بالتنقل عبر ظروف صعبة بالبر وأحيانا بالجو في طائرة الأمم المتحدة الوحيدة التي خصصت لمندوبها في ليبيا المستر إدريان بلت. وتظل إحدى أحاديث الشيخ بوهدمة إلي ماثلة في الذهن ولاتنسى فقد ذكر بأنه خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية الوطنية عامي 1950و1951 كان يغادر من بنغازي إلى طرابلس مع رفيقه السيد عمر فائق شنيب لحضور تلك الاجتماعات مصحوبين بعائلتيهما. كانت الوسيلة التي تقلهما شاحنة كبيرة ويستغرق سيرها أياما عديدة وكثيرا ما تتعطل تلك الشاحنة في بعض الأماكن البعيدة عبر الطريق الساحلي عن أي وجه من وجوه المساعدة اللازمة. ينتظرون فترة من الأيام والليالي في أيام الصيف والشتاء حتى تصل إليهم أول نجدة للقيام بإصلاح وصيانة الشاحنة. ينتظرون في تلك البقعة الخالية.. يتسامرون ويتحدثون عن شجون الوطن دون شعور بالشكوى أو الألم وعندما يصلون إلى طرابلس كانا يؤجران مسكنا على حسابهما الخاص رغم قلة ذات اليد ويشرعون في حضور الاجتماعات متناسيين تعب الطريق ومشاقه. كانت الطريق الأخرى نحو الاستقلال أكثر مشقة منها.
وظل السيد العالم في أحاديثه عن معاصرته لوضع أسس وبنيان الدولة الوليدة يؤكد على وطنية وحرص الشيخ أبو الأسعاد العالم الذي يجهله الكثيرون وروعة أدائه للجلسات وحسن سيطرته بكل ديمقراطية وإتاحة الفرصة أمام كل الآراء وتقريب وجهات النظر بكل حنكة ودراية. فيما أشار إلى المحاولات الخبيثة التي كان يرمي بها بعض رجال فرنسا في إدارتها في فزان للتأثير عليه وزملائه الذين يمثلون الإقليم سعيا لانفصال الوطن. ذاكرا بأن لجنة العمل في إعداد الدستور ظلت تناقش القضايا والموضوعات دون أي تدخل خارجي من أي طرف. ماعدا الصياغة النهائية في صورتها القانونية من قبل المستشارين عمر لطفي وعوني الدجاني وغيرهما. مشيرا في الوقت نفسه إلى أن من القضايا الحساسة التي غدت مثار اهتمام ومتابعة كثيرة على سبيل المثال هي موضوعات الاتفاقيات الأجنبية وإعلان الحرب والعاصمة.
وفي جملة هذه التفاصيل المهمة التي خرج عبرها الدستور الليبي الذي لم يكن صناعة أجنبية بل كان نتاجا ليبيا وبأيدي ليبية لم تكن عميلة أو يحركها الخارج على أي وجه من الوجوه.. أود أن أستعين بما ذكره صديقي الدكتور محمد الطاهر الجراري الذي كان والده السيد الطاهر عبدالله الجراري عضوا من فزان في لجنة الواحد والعشرين.. فقد سمع ذات يوم من السيد علي رجب المدني عضو اللجنة عن طرابلس هذه القصة التي دارت أيام جلسات اللجنة المذكورة صيف عام 1950 ما مفاده مختصرا في بعض جوانبه: (ذات يوم قام السفير البريطاني في طرابلس بدعوة أعضاء لجنة الواحد والعشرين لمائدة العشاء واختار السطوح مكانا للعشاء في جو رائق. يطل فيه الضيوف الناعم منهم والخشن على مصابيح طرابلس المتلألئة من بعيد أو قريب ومويجات بحرها المتسابقة ونجوم سمائها الصافية ونسائم مسائها المتعانقة وسط الأكل المطروح للراغبين والماء المسكوب للسائلين. فتحولت الجلسة المدروسة وإطارها إلى سمفونية رائعة يتداخل فيها الهواء مع الحضور السماوي والأرضي والمائي فإلى أين المفر أيها الواحد والعشرون؟.
تعمدت في هذا الجو الساحر التأكيد على مصالح من نوبوني عنهم فقصدت أحد ممثلي فزان (وكان والدك المقصود). أطلقت السلام.. فرد. وعرفت بنفسي فقام هو بالرد والترحيب ثم بدأت أناقشه في القضايا المطروحة وقتها للنقاش ومنها العاصمة. فرد بأنه قديم التردد على طرابلس وفيها نبيع ونشتري ونملك ونتزاور مع أقاربنا القاطنين بها. واسترسل في العلاقات بين الجنوب والشمال وحتى عن فشل محاولات فرنسا ربط الجنوب (فزان) بمستعمراتها في المغرب وإفريقيا. سعدت بكل هذه الأحاديث واعتبرتها تقدمة ناجحة لتقديم سؤالي الرئيسي له وهو.. التصويت لصالح طرابلس عاصمة لليبيا. رد: طرابلس اقتصاديا من مصلحتي الشخصية أن تصبح عاصمة حتى تزدهر استثماراتي البسيطة بها.. لكنها عاطفيا وحدها لاتشبع غروري الطامح إلى ليبيا الواسعة!
إستغربت رده ولكنني فهمت منه أننا جميعا ندور في حلقة شكوك وظنون لكنه شخصيا (والدك الشيخ الجراري) أشار إلى أن من يضحك الآن علينا ويهزأ الآن بنا جميعا ومن يخطط لتأكيد مصالحه فينا جميعا (برقة وطرابلس وفزان) هو ذاك الواقف هناك المستضيف لنا الليلة. مشيرا بأصبعه إلى السفير البريطاني!).
في هذه الأجواء الوطنية والحماس والخوف من المجهول والحرص على الوطن رغم محاولات تغليب المزايا لكل إقليم على حده.. ولد الدستورمن أبناء ليبيا. وكان الملك العتيد إدريس قد ألقى خطابا أثناء زيارته إلى طرابلس بتاريخ 21 مايو 1951أشار فيه إلى أنه: فهم أن الدستور الذي تقوم بوضعه الجمعية الوطنية سيشمل إنشاء دولة واحدة ووزارة واحدة وأنه عندما يحدد ذلك ستعدل أنظمة الحكم في الأقاليم الثلاثة حال إعلان الدستور وتنفيذه من وزارات إلى ولايات لها سلطات تشريعية داخلية في تلك الشؤون التي ينص عليها الدستور ..
الدستور الذي حققه الليبيون .
____________

Read More