بقلم الشّايب

التمييز بين رجال النظامالجماهيري ورجال الدولةفي زمن حكم القذافي ليس مجرد تفكيك لمسميات وظيفية، بل هو كشف للبنية المزدوجة التي قامت عليها سياسات ليبيا آنذاك.

لفهم هذا التفكيك، يجب النظر إلى أن الجماهيرية لم تكن دولة بالمعنى التقليدي، بل كانت نظاما سياسيا فريدا يقوم على ثنائية متعمدة تهدف إلى تركيز السلطة في يد قائد الثورة” . ولتفكيك هذا الأثر ينبغي العودة للأسس التالية: :

أولا، الأساس النظري: وهم السلطة مقابل حقيقة القبضة الأمنية

في نظر النظام الجماهيري، كان التقسيم واضحا نظريا:

ــ رجال الدولة (الجماهيرية) هم أعضاء المؤتمر الشعبي العامواللجنة الشعبية العامة” (الحكومة). وكان يُزعم أنهم يمثلون السلطة الفعلية عبر نظام اللجان الشعبية الأساسيةالتي تسمح بالمشاركة الشعبية المباشرة. هؤلاء كانوا يُنتخبون نظريا عبر التصعيدلإدارة الشؤون الإدارية والتنفيذية .

ــ رجال النظام (القطاع الثوري): هم أعضاء اللجان الثوريةو الحرس الثوريوالنواة الصلبة للانقلابيين الأصليين (أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين)، على رأسهم معمر القذافي، وهؤلاء لم يكونوا خاضعين لأي انتخابات أو تصعيد.

ثانيا، التفكيك العملي: كيف كان التمييز يتم على الأرض؟

لفهم الأثر، يجب النظر إلى الواقع الذي كان يفرق بين الطرفين بوضوح:

أ. المركزية المطلقة لـ القيادة“:
على الورق، لم يكن للقذافي أي دور رسمي في هيكل السلطة بعد عام 1980. لكن في الواقع، كان يسيطر على مجلس الوزراء (اللجنة الشعبية العامة) وخزينة الدولة، وكان هو الوحيد المخول بدعوة المؤتمر الشعبي العام للانعقاد، وكان يرشح الوزراء الذين يضمن ولائهم . فإذا كان الوزير يتبع أوامر القذافي بشكل شخصي، فهو رجل نظامحتى لو كان مسماه رجل دولة“.

ب. ثنائية القرار:

رجال الدولة (الجهاز الإداري): كانوا مسؤولين عن الفشل والروتين. كان القذافي ينتقدهم علناً ويهدد بحل حكومته (اللجنة الشعبية) بسبب الفساد أو عدم الكفاءة. كان يُنظر إليهم على أنهم موظفونقابلون للتبديل .

رجال النظام (الجهاز الثوري والأمني): كانوا مسؤولين عن القمع والرقابة. كانوا يديرون الأجهزة الأمنية الفعالة لقمع المعارضة، وكانوا يتمتعون بنفوذ يفوق الوزراء. هؤلاء هم من كانوا يحرسون الثورة” .

ج. العصبية القبلية والعائلية:
كان من السهل التمييز عبر الانتماءات. كان رجال النظاممن المقربين للقذافي، وغالباً ما يتم اختيارهم من قبيلته أو القبائل المتحالفة معه أو من أفراد عائلته. على سبيل المثال، تم وضع أبنائه (معتصم، خميس، سيف) على رأس وحدات عسكرية وأمنية حساسة . أما رجال الدولةفكانوا يأتون من خلفيات أوسع لكنهم يفتقرون للسلطة الحقيقية.

ثالثا، أثر هذه الثنائية بعد سقوط النظام:

تكمن أهمية تفكيك هذا الأثر في فهم حالة ليبيا بعد عام 2011:

ــ فراغ السلطة القانوني: أثبتت الأحداث أن النظام الليبي لم يكن يمتلك أي إجراءات قانونية لنقل السلطة في حالات الطوارئ أو غياب القائد. هذا ما جعل ليبيا مختلفة تماماً عن مصر أو تونس حيث كانت هناك مؤسسات راسخة (حتى لو كانت فاسدة) استطاعت تسيير الأمور مؤقتاً .

ــ عدم وضوح الخلافة: أظهر الانهيار أن رجال الدولة” (مثل الأمين العام للمؤتمر الشعبي أو رئيس اللجنة الشعبية) لم يكونوا معترفاً بهم كورثة شرعيين، لأن الولاء كان موجهاً لشخص القذافي وليس للمؤسسة .

الخلاصة: يمكن القول إن تفكيك أثر الجماهيرية يتم بالاعتراف بأن النظام لم يكن دولة، بل كان مشروع قائد“. رجال الدولة كانوا مجرد واجهة إدارية لإضفاء الشرعية الشعبية، بينما رجال النظام هم من كانوا يمتلكون السلطة الحقيقية والأمنية.

عند التفريق بينهم نكتشف أن دولة الجماهيريةكانت خالية من مؤسسات السيادة التقليدية، مختزلة في شبكة من العلاقات الشخصية والقبلية والثورية التي انهارت بمجرد زوال قائدها.

__________

Related Articles