رواد شلابي

قد يكون التضخم ظاهرة عالمية، لكن أسبابه وتداعياته في ليبيا تتشكل بصورة خاصة بفعل عائدات النفط، والاعتماد على الواردات، والإنفاق الحكومي.

ففي حين عانت العديد من الاقتصادات من ارتفاع الأسعار منذ جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، بقيت أرقام التضخم الرسمية في ليبيا منخفضة نسبيًا. إلا أن وراء هذا الاستقرار الظاهري واقعًا أكثر تعقيدًا، تلعب فيه أسعار الصرف، والدعم الحكومي، وإيرادات المحروقات دورًا حاسمًا في تشكيل ديناميكيات الأسعار.

لذلك، فإن فهم التضخم في ليبيا يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الأرقام الرئيسية. فالمسألة لا تتعلق فقط بالصدمات العالمية، بل بكيفية إدارة عائدات النفط، ومدى اعتماد البلاد على الواردات، وكيفية استجابة السياسة المالية للضغوط الخارجية. وفي هذا السياق، يصبح التضخم أكثر من مجرد مؤشر اقتصادي، بل انعكاسًا للبنية الاقتصادية الأوسع في ليبيا وخياراتها السياسية.

ومع ذلك، فإن قصة التضخم في ليبيا لا تتبع النمط نفسه الموجود في كثير من الدول الأخرى. فقد أشارت الأرقام الرسمية إلى أن التضخم بلغ نحو 2 بالمئة في عام 2024، ثم عدّله صندوق النقد الدولي لاحقًا إلى 2.4 بالمئة للربع الأول من عام 2025 بعد معالجة فجوات القياس.

وفي الوقت نفسه، حافظ مصرف ليبيا المركزي على معدلات منخفضة نسبيًا: إذ بلغ سعر إعادة الخصم 3 بالمئة، وشهادات الإيداع لأجل 91 يومًا 1 بالمئة، وتسهيل الإيداع الليلي 0.25 بالمئة في مطلع عام 2025. وعلى الورق، يبدو التضخم تحت السيطرة، لكن الضغوط لا تزال قائمة تحت السطح.

وهنا تصبح تبعية ليبيا للنفط عاملًا حاسمًا. فبحسب صندوق النقد الدولي، يظل الاقتصاد الليبي شديد التعرض للصدمات العالمية بسبب اعتماده على صادرات المحروقات وفاتورة وارداته الكبيرة.

وقد تحول الحساب الجاري من فائض قوي في عام 2023 إلى عجز في عام 2024، مع تراجع عائدات الصادرات بينما بقيت الواردات مستقرة نسبيًا. كما ارتفعت واردات الوقود وحدها بشكل حاد، من متوسط 3 مليارات دولار بين عامي 2016 و2019 إلى 9 مليارات دولار في عام 2024، استنادًا إلى بيانات ديوان المحاسبة الليبي التي استشهد بها صندوق النقد الدولي.

وبالنسبة لليبيا، لا يُعد التضخم مجرد مسألة أسعار استهلاكية. فهو مرتبط بعمق بدورات عائدات النفط، وسياسات الدعم، والضغوط المالية الأوسع. فبحلول أواخر عام 2024، بلغت قيمة دعم الوقود 12.8 مليار دينار ليبي بين يناير ونوفمبر، رغم بقاء سعر البنزين عند 0.150 دينار فقط للتر الواحد، وهو من بين الأدنى عالميًا.

ويقدّر صندوق النقد الدولي أن دعم الطاقة يشكل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي، ما يبرز العبء الكبير الذي يفرضه على المالية العامة.

أما البعد السياسي للتضخم، فهو لا يقل أهمية. فعندما ترتفع الأسعار، يكون الأثر فوريًا وملموسًا، وتواجه الحكومات ضغوطًا للاستجابة. وغالبًا ما تأتي هذه الاستجابة في صورة زيادة الدعم، أو تحويلات نقدية، أو إعفاءات ضريبية. ورغم أن مثل هذه الإجراءات قد تخفف الضغط على المدى القصير، فإنها قد تؤدي أيضًا إلى اتساع العجز المالي مع مرور الوقت.

وفي ليبيا، حيث تزيد الانقسامات السياسية من صعوبة ضبط الإنفاق وتنفيذ الإصلاحات، تصبح العلاقة بين التضخم والسياسة المالية أكثر وضوحًا.

وقد كانت البنوك المركزية حول العالم تحاول تحقيق توازن دقيق: خفض التضخم دون خنق النمو. وفي كثير من الحالات، تم ذلك عبر رفع أسعار الفائدة لتقليص الطلب، رغم أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يؤثر في الحكومات، والشركات، والأسر على حد سواء. وتختلف حالة ليبيا من حيث الهيكل الاقتصادي، لكن الحقيقة الأساسية تبقى متشابهة: لا يمكن فصل السياسة النقدية عن القيود المالية والديناميكيات السياسية.

وتضيف أسعار الصرف بُعدًا آخر إلى الصورة. ففي أبريل 2025، خفّضت ليبيا قيمة عملتها بنسبة 13.3 بالمئة، ليصبح السعر الرسمي 5.5677 دينار مقابل الدولار. وبالنسبة لاقتصاد يعتمد بشدة على الواردات — من الغذاء إلى الوقود إلى السلع الاستهلاكية — فإن مثل هذه الخطوة لها تبعات مباشرة. إذ يمكن للعملة الأضعف أن تتحول سريعًا إلى ارتفاع في الأسعار المحلية، حتى عندما تبدو أرقام التضخم الرئيسية مستقرة.

وعالميًا، لا تزال أسعار الطاقة عنصرًا محوريًا في قصة التضخم. فقد بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 80.12 دولارًا للبرميل في عام 2024، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية. وبالنسبة للدول المصدرة للنفط مثل ليبيا، ينعكس ذلك مباشرة على إيرادات الحكومة.

أما بالنسبة للاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، فإنه يغذي التضخم. وبالتالي، فإن الديناميكية السوقية نفسها قد تعزز المالية العامة في دولة، بينما تعمّق أزمة تكلفة المعيشة في أخرى.

وما يجعل التضخم شديد الحساسية سياسيًا هو أثره غير المتكافئ. فالأسر ذات الدخل المنخفض تتضرر أكثر، لأنها تنفق نسبة أكبر من دخلها على الأساسيات مثل الغذاء والطاقة.

ونتيجة لذلك، يصبح التضخم في كثير من الأحيان أقل ارتباطًا بالمؤشرات الاقتصادية الكلية وأكثر ارتباطًا بالعدالة، والثقة، والاستقرار الاجتماعي. وعندما تفشل الحكومات في تخفيف الأثر، يمكن أن تتحول الضغوط الاقتصادية سريعًا إلى ضغط سياسي.

وفي النهاية، فإن موجة التضخم الأخيرة فعلت أكثر من مجرد رفع الأسعار. لقد كشفت نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد العالمي، وأجبرت الدول على إعادة التفكير في أمن الطاقة والغذاء، وسلطت الضوء على مخاطر الاعتماد المفرط.

وبالنسبة لليبيا، فالدرس واضح: التضخم لا تدفعه فقط القوى العالمية، بل أيضًا الخيارات المحلية — كيفية إدارة عائدات النفط، ومدى اعتماد البلاد على الواردات، ومدى متانة ماليتها العامة. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، أصبح من المستحيل تجاهل الخط الفاصل بين الاقتصاد والسياسة.

___________

Related Articles