بقلم الشّايب

التركيز على تفكيك أثر الجماهيرية في التعليم والإعلام كأولوية هو اختيار استراتيجي بامتياز. فهذان القطاعان هما الأكثر قدرة على إحداث تأثير جذري طويل المدى، لأنهما يشكلان الوعي الجمعي ويؤسسان للقيم والمعرفة منذ المراحل المبكرة.

لماذا التعليم والإعلام؟

التعليم والإعلام هما الآليتان الأساسيتان اللتان استخدمتهما الجماهيرية لترسيخ خطابها الثقافي والفكري. كانت المدرسة والجامعة والتلفزيون والإذاعة والصحف هي الأدوات التي أعادت إنتاج الأيديولوجيا يوميًا. لذلك، فإن تفكيك الأثر يمر حتمًا عبر هذين المجالين.

لكن هناك فرق جوهري: التعليم يعمل على المدى الطويل، يؤثر في تكوين العقول الناشئة. والإعلام يعمل على المدى القصير والمتوسط، يؤثر في الرأي العام واللحظة الراهنة. فدمجهما معًا يخلق تأثيرًا إيجابيا: التعليم يبني الأسس، والإعلام ينشر ويحفز النقاش.

أولا: تفكيك أثر الجماهيرية في التعليم

المشكلة: المناهج التعليمية الليبية ظلت لعقود تحمل طابعًا أيديولوجيًا واضحًا في وضع الكتاب الأخضر كان مادة إلزامية في مراحل تعليمية متعددة، والتاريخ كان يُروى من زاوية واحدة: “الثورةوالقائدوالجماهيرية“. واللغة العربية والتربية الوطنية كانتا مسيّستين بالكامل، والفنون والموسيقى والمسرح تم تهميشها أو حذفها من المناهج.

حتى بعد 2011، لم تشهد المناهج تغييرًا جذريًا. هناك محاولات متفرقة لكنها لم تصل إلى مرحلة التفكيكالحقيقي. والمطلوب هو إعادة كتابة المناهج من الصفر من قبل لجنة وطنية مستقلة من أكاديميين وتربويين وخبراء مناهج، تمثل مختلف التوجهات والمناطق، لتطوير مناهج جديدة، على أن تكون المناهج قائمة على التفكير النقدي بدل الحفظ والتلقين، والتعددية في قراءة التاريخ (عرض روايات مختلفة، تعليم الطلاب كيفية تحليل المصادر)، وتشمل الفنون كجزء أساسي من التكوين (موسيقى، مسرح، فنون تشكيلية)، وحقوق الإنسان والمواطنة كمحور عرضي في جميع المواد.

ومن الضروري تبنّي منهجية التدريب المستمر للمعلمين، فالمعلم الليبي اليوم هو نتاج المنظومة التعليمية القديمة، ولا يمكن تغيير المناهج دون تغيير طريقة التفكير لدى المعلم نفسه. وهذا يعني بصياغة برامج تدريب مكثفة للمعلمين على جميع المستويات، ومن أهمها طرق التدريس الحديثة (التفاعلية، النقدية)، وكيفية التعامل مع مواضيع حساسة (التاريخ الحديث، الهوية، الاختلاف)، وتفكيك الخطاب الأيديولوجي الذي تلقوه هم أنفسهم.

هناك حاجة ماسة لإعادة هيكلة المؤسسة التربوية، تزامنا مع تحرير الجامعات من السيطرة السياسية والحزبية، وتفعيل البحث العلمي في مجال التربية والتعليم، وإنشاء مراكز بحثية متخصصة في تطوير المناهج وتقييمها.

التعليم الجامعي في الدولة المدنية ينبغي أن يتزاوج مع النقد الأكاديمي من خلال دعم الدراسات العليا التي تتناول تفكيك الخطاب الثقافي للجماهيرية، وتشجيع الرسائل الجامعية في مجالات تحليل الخطاب السياسي في المناهج القديمة، وتاريخ الثقافة الليبية المعاصرة، وأثر التعليم في تشكيل الهوية الوطنية.

ثانيا: تفكيك أثر الجماهيرية في الإعلام

المشكلة أن الإعلام الليبي يعاني من طبقتين من الإرث:

ــ إرث الجماهيرية: وقد كان الإعلام أداة دعائية مركزية في التلفزيون والإذاعة والصحف وكانت تكرس عبادة الشخصيةوتفرض خطابًا واحدًا، وكانت المؤسسات الإعلامية تتبع مباشرة للسلطة.

ــ إرث ما بعد 2011: انفجار المشهد الإعلامي إلى مئات من الوسائل الإعلامية، لكنها أصبحت منقسمة سياسيًا وجهويًا. وكثير منها تحول إلى أداة للتحريض والتعبئة السياسية والجهوية.

 أما الإعلام الثقافي المستقل فهو إما غائب أوسطحي أو مرتهن في المرحلتين، فلم يوجد إعلام متخصص في الثقافة والفنون والفكر إلا ما ندر. فالإعلام الثقافي المتخصص يحتاج إلى قنوات ومنصات إعلامية متخصصة في الثقافة والفنون، وبرامج يومية أو أسبوعية تناقش الكتب والإصدارات الجديدة، والحراك المسرحي والتشكيلي، وقضايا الفكر والهوية، والنقد الفني والأدبي. بالإضافة إلى استخدام المنصات الرقمية (يوتيوب، بودكاست، منصات التواصل) للوصول إلى جمهور الشباب.

المطلوب في المرحلة الراهنة هو إعلام عام خدمي مستقل متزامنا مع إعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية العامة (التلفزيون، الإذاعة، وكالة الأنباء) لتكون هيئات مستقلة، تُدار من قبل مجالس مهنية، وليس تابعة لوزارات أو جهات سيادية، مع ضمان أن يكون الإعلام العام محايدًا وغير منحاز سياسيًا ويكون منصةً للتنوع الثقافي والفني، وفضاءً للنقاش الحر والمسؤول.

الإعلام كمشروع وطني لتفكيك الخطاب القديم

هذا المشروع ينبغي أن يركز على إنتاج محتوى إعلامي (وثائقيات، برامج حوارية، تقارير استقصائية) تتناول تفكيك عبادة الشخصية وتحليلها، وتوثيق تجارب المبدعين الذين عاشوا وعانوا تحت نظام الجماهيرية، وعرض نقدي للإنتاج الثقافي في تلك الفترة، كما يشمل فتح ملفات الرقابة والتسييس الثقافي.

هذا المشروع يحتاج إلى تدريب وتأهيل الإعلاميين ببرامج تدريب على المعايير المهنية والأخلاقية، وكيفية تغطية الشأن الثقافي، والتعامل مع قضايا الهوية والاختلاف بمسؤولية.

نقطة الالتقاء بين التعليم والإعلام تجعلهما يعملان معًا من خلال توثيق وأرشفة الإنتاج المعرفي والإعلامي، ومن ثم إتاحة هذا الأرشيف للباحثين والطلاب والإعلاميين، وإنتاج محتوى تعليمي وإعلامي يعتمد على هذا الأرشيف.

المشروع الإعلامي يتطلب بناء سردية وطنية جديدة، فالتعليم يوفر المعرفة والمنهج، والإعلام ينشرها ويحولها إلى نقاش عام، ومعًا يساهمان في بناء سردية وطنية تعترف بتعدد التجارب الليبية، وتتعامل مع الماضي بجرأة وعمق، وتتجه نحو المستقبل دون إنكار أو انفصام.

ومن أساسيات المشروع تبنّي النقد كمنهج ثقافي مهم، من خلال تعليم التفكير النقدي في المدارس والجامعات، ونشر إعلام نقدي يناقش الموروث الثقافي دون تبسيط أو شعبوية.

التحديات العملية للمشروع

لا يمكن إنكار أن هناك تحديات كبيرة أمام هذا المشروع، أهمها الانقسام السياسي. فالتعليم والإعلام في ليبيا اليوم منقسمان بين الشرق والغرب. هناك وزارتان للتعليم، وهيئتان إعلاميتان. وهذا يجعل أي مشروع وطني يواجه صعوبة في التنفيذ الموحد.

كما أن هناك غياب للتمويل المجزئ والمناسب، فمشروع إعادة بناء المناهج وتدريب المعلمين وإنتاج محتوى إعلامي نوعي يحتاج إلى تمويل كبير ومستدام. وهنا ستكون بداية المقاومة للمشروع، بدءا ببقايا النظام السابق الذين ما زالوا في مواقعهم، ومرورا بالأطراف السياسية التي تريد تسيير التعليم والإعلام لصالحها، وانتهاءا بالتيارات الدينية المحافظة التي قد تعارض إدخال الفنون والتفكير النقدي.

ختاما، بالنظر إلى الانقسام السياسي القائم في ليبيا اليوم (حكومتان، مؤسستان متوازيتان)، من الممكن البدء في مشروع وطني للتعليم والإعلام من خلال العمل على ثلاث مسارات:

أولاً: المسار المحلي (من الأسفل إلى الأعلى)

هذا المسار يعتمد على المبادرة الأهلية والمحلية عبر البلديات، والمبادرات الأهلية، والجامعات المحلية، بغض النظر عن المركز، ويعمل في الفضاءات المتاحة رغم الانقسام السياسي. قوته أنه لا ينتظر الإذن من المركز، ويمكن أن يخلق حقائق على الأرض.

في مجال التعليم: يمكن اتخاذ مبادرات لتطوير المناهج على المستوى المحلي بالتعاون مع بلديات ومجالس محلية وإنشاء مدارس نموذجية تجريبية تعتمد مناهج مطورة في مواد محددة (التربية الوطنية، التاريخ، الفنون).

ويمكن أيضا التركيز على الأنشطة خارج الصف المدرسي، بإنشاء نوادي مسرحية وموسيقية في المدارس، وابتكار مسابقات في التفكير النقدي والبحث التاريخي، والقيام بزيارات ميدانية طلابية لمواقع تاريخية وثقافية.

كما أن على الجامعات المحلية تشجيع إنشاء مراكز بحثية في متخصصة في تفكيك الخطاب التربوي للجماهيرية، وتوثيق تاريخ التعليم في ليبيا وتنظيم دورات تدريبية للمعلمين في مهارات التفكير النقدي، وكيفية تدريس مواضيع الهوية والتاريخ الحديث، وإدارة الحوار في الفصول الدراسية. وبذلك يمكن محليا ربط المدارس والجامعات بالمراكز الثقافية المحلية (المكتبات العامة، دور الثقافة).

في مجال الإعلام: يمكن دعم إنشاء منصات إعلامية محلية (مواقع إلكترونية، بودكاست، قنوات يوتيوب) متخصصة في الثقافة والفنون، تدار من قبل شباب محليين. مع الاستفادة من الإذاعات المحلية لتقديم برامج ثقافية وفنية، ودعم مشاريع توثيق الذاكرة الشفوية للمبدعين المحليين. بالإضافة إلى دورات تدريبية للإعلاميين الشباب في التغطية الثقافية، والنقد الفني والأدبي، وإنتاج محتوى وثائقي.

ثانياً: المسار الوطني (من الأعلى إلى الأسفل)

هذا المسار يعمل على مستوى المؤسسات المركزية، ويهدف إلى التوحيد والتنسيق والتشريع. قوته أنه يمكن أن يخلق إطارًا قانونيًا ومؤسسيًا يحمي المبادرات المحلية ويوحدها.

في مجال التعليم: يمكن توحيد المؤسسة التعليمية المحلية، على الرغم من الانقسام السياسي، ومهما يكن فهناك مجالات يمكن التنسيق فيها بالتعاون مع العمل مع وزارتي التربية على توحيد المناهج تدريجيًا، بدءًا من المواد غير الخلافية (الرياضيات، العلوم) ثم الانتقال إلى المواد الأكثر حساسية (التاريخ، التربية الوطنية). ويمكن أيضا تشكيل لجنة تضم خبراء من الشرق والغرب والجنوب، تعمل على تطوير مناهج موحدة.

ويمكن استصدار قانون يؤكد على استقلالية المؤسسة التعليمية عن التدخل السياسي، وحرية البحث الأكاديمي، وإدماج الفنون والتفكير النقدي في المناهج. واعتماد برنامج وطني لتدريب المعلمين (بتمويل مشترك بين الحكومتين والمنظمات الدولية)، وبرنامج وطني لتطوير المناهج بالاستعانة بخبرات عربية ودولية.

في الإعلام: ينبغي العمل على إنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام تضم ممثلين من الشرق والغرب والجنوب، تكون مسؤولة عن إدارة المؤسسات الإعلامية العامة (التلفزيون، الإذاعة، وكالة الأنباء)، ووضع معايير مهنية وأخلاقية للإعلام، وتراخيص الوسائل الإعلامية.

وكذلك إصدار قانون للإعلام يضمن حرية التعبير مع المسؤولية المهنية، واستقلالية الإعلام العام، وحماية الصحفيين، ودعم الإعلام الثقافي. ويمكن العمل على إنتاج وطني مشترك، بتنفيذ مشاريع إعلامية وطنية بمشاركة مؤسسات من الشرق والغرب، وإنتاج أفلام وثائقية عن تاريخ ليبيا الثقافي، ونشر برامج حوارية وطنية تناقش قضايا الهوية والإرث الثقافي.

ثالثاً: نقاط التقاطع بين المسارين

القوة الحقيقية لاستراتيجية المسارين معًاتكمن في نقاط التقاطع، حيث يعزز كل مسار الآخر، من خلال مبادرات محلية تعمل كمعامل تجريبية مدرسة نموذجية هنا، ومنصة إعلامية ثقافية هناك. فالمسار الوطني يتبنى النماذج الناجحة ويعممها على المستوى الوطني.

وهذا المسار يحقق الحماية والشرعية، بمبادرات محلية تواجه خطر الملاحقة الأمنية أو السياسية. فالمسار الوطني يوفر غطاءً قانونيًا وإطارًا يحمي هذه المبادرات. ومن جهة أخرى يمكن للمسار الوطني أن يدعم المبادرات المحلية التي تعاني من ضعف التمويل، ويمكنه تخصيص ميزانيات وطنية، وجذب تمويل دولي للمشاريع المشتركة.

أما بالنسبة للكوادر الشبابية، فالمبادرات المحلية تكتشف وتدرب الكوادر، والمسار الوطني يستوعب هذه الكوادر في مؤسسات وطنية.

__________

Related Articles