بقلم الشّايب

تُعد ظاهرة انتشار السلاح والمجموعات المسلحة في ليبيا واحدة من أكثر الآثار المدمرة التي خلفتها عقود الجماهيرية. ولفهم هذا التفكيك، يجب تحليل كيف تحولت الجماهيريةمن دولة مركزية تمتلك ترسانة ضخمة إلى فراغ أمني كامل بعد سقوطها، مما أدى إلى ظهور مجموعات مسلحة متناحرة وحولت ليبيا إلى مصدر رئيسي لتهريب الأسلحة في أفريقيا والعالم.

 تراكم السلاح تحت الحكم الجماهيري: القنبلة الموقوتة

لم تكن فوضى السلاح في ليبيا نتيجة حتمية للحرب الأهلية فقط، بل كانت نتاجاً مباشراً لسياسات القذافي التسلحية لعقود طويلة:

التسلح المفرط: حوّل القذافي ليبيا إلى واحدة من أكثر الدول تسليحاً في أفريقيا، حيث قام بتخزين ترسانة هائلة قدرت بأكثر من مليون قطعة سلاح خفيف ومتوسط . شملت هذه المخزونات أسلحة متطورة مثل صواريخ مضادة للدروع وقاذفات صواريخ محمولة على الكتف ودبابات وعربات مدرعة تم شراؤها من روسيا وأوروبا وكوريا الشمالية .

سياسة التوزيع العشوائي: في إطار شعاره الشعب المسلح، اعتمد القذافي سياسة توزيع الأسلحة على القبائل الموالية له وإنشاء حرس وطنيشعبي، بحجة الدفاع عن الثورة. هذه السياسة جعلت السلاح منتشراً في المجتمع وليس حكراً على الجيش فقط .

دعم الجماعات المسلحة إقليمياً: استخدم القذافي فائض أسلحته لدعم حركات متمردة وثورية حول العالم (مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي وجماعات مسلحة في أفريقيا)، مما عزز ثقافة اعتماد الفاعلين غير الدوليين على السلاح كأداة للتأثير السياسي .

انهيار الجماهيرية: تفكك الدولة وتفجير الفوضى (2011)

شكل سقوط النظام في عام 2011 نقطة التحول الكارثية حيث تحولت هذه المخزونات الضخمة من أداة سيطرة إلى مصدر فوضى:

نهب المستودعات: خلال الحرب الأهلية التي استمرت 8 أشهر، ومع انسحاب قوات النظام، تركت المستودعات العسكرية بدون حراسة، مما سمح للثوار والمواطنين العاديين بنهب كميات هائلة من الأسلحة الثقيلة والخفيفة .

تسليح الميليشيات: تم تسليح ما يقدر بـ 125 ألف ليبي خلال فترة الثمانية أشهر، ليسوا جميعهم تابعين للجيش، بل متطوعين انقسموا لاحقاً إلى كيانات مسلحة قبلية وإقليمية .

غياب خطة ما بعد النزاع: ركز حلف شمال الأطلسي (الناتو) على الإطاحة بالنظام دون تقديم أي خطة جدية لنزع سلاح الميليشيات أو إعادة بناء قطاع الأمن. انتهت العملية العسكرية بعد أسبوعين فقط من مقتل القذافي، تاركة الفراغ ليُملأ بالمسلحين .

تفكك المشهد الأمني: من جيش موحد إلى مئات الميليشيات

بعد 2011، انهارت احتكارية الدولة لاستخدام القوة بشكل كامل وحل محلها نظام متعدد المراكز:

تعدد الفصائل: تشير التقديرات إلى أكثر من ألف مجموعة مسلحة في ليبيا بعد سقوط الجماهيرية . هذه المجموعات لم تكن متجانسة، بل انقسمت بين إسلاميين، وقوميين، ومجموعات جهوية، ومرتزقة .

فشل سياسات نزع السلاح: حاولت الحكومات الانتقالية المتعاقبة دمج هذه الميليشيات في مؤسسة الجيش أو الشرطة، لكنها فشلت. بدلاً من ذلك، تم إضفاء الشرعية عليها عبر ربطها بوزارات الدولة، مما جعل الدولة أسيرة لهذه الجماعات.

الصراع على الموارد: تطورت الحرب الأهلية الثانية (2014) إلى صراع إقليمي ودولي، حيث تحولت ليبيا إلى ساحة حرب بالوكالة بين قوى كبرى مثل تركيا وقطر (داعمة لحكومة الوفاق) وروسيا ومصر والإمارات (داعمة لجيش حفتر) .

الأثر الإقليمي والدولي: “سوبر ماركت الأسلحة

الأسوأ من الأزمة الداخلية هو انعكاسها على المنطقة بأكملها، حيث أصبحت ليبيا المصدر الرئيسي لتهريب الأسلحة غير المشروعة في أفريقيا:

إغراق الساحل الأفريقي: تدفقت الأسلحة المنهوبة من ليبيا عبر طرق التهريب التقليدية في الصحراء الكبرى إلى مالي والنيجر وتشاد .

تغذية الإرهاب والتمرد: كان لهذه الأسلحة دور حاسم في تحول حركات التمرد: في مالي، عاد الطوارق الذين قاتلوا مع القذافي مسلحين، مما أدى إلى اندلاع تمرد عام 2012 ساهم في انقلاب عسكري واحتلال شمال البلاد .

وفي نيجيريا، ارتفعت قدرات جماعة بوكو حرام القتالية بشكل ملحوظ بفضل الأسلحة القادمة من ليبيا . تم رصد أسلحة ليبية في صراعات السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وحتى في سوريا . شكلت صواريخ أرض جو المحمولة على الكتف خطراً استراتيجياً على الطيران المدني، حيث تم نهب كميات كبيرة منها من مخازن الجماهيرية .

الخلاصة: “تفكيك الأثر

أثر الجماهيرية في ظاهرة انتشار السلاح لم يكن مجرد وجود ترسانة ضخمة، بل كان في تفكيك كل الضوابط التي تحكم استخدام هذه الترسانة.

لقد أسس القذافي دولة البندقيةدفع ضريبتها كل ليبي، لكنه أبقى القبضة الأمنية مركزية وقمعية. وعندما انهارت القبضة المركزية بفعل الحرب والتدخل الخارجي، لم يجد المواطن العادي بندقيته، ولكن السلاح الحقيقي سقط في يد الجميع، دون وجود إرادة سياسية أو مؤسسة قادرة على استعادتها، مما أدى إلى تحول ليبيا من الجماهيرية إلى دولة الفوضى المسلحة.

مفارقة سياسية في ليبيا بعد 2011 كشفت التباين الكبير بين نجاح المجموعات المسلحة في تجنيد الشباب وتنظيمهم بسرعة، وبين فشل النخب السياسية (الحزبية والمدنية) في استقطاب الشباب في مرحلة التأسيس الديمقراطي وإعادة بناء الدولة المدنية. ولهذه المفارقة أسباب كثيرة على عدة مستويات بنيوية، واقتصادية، وسياسية، وأمنية.

فيما يتعلق باستقطاب الشباب، نجد أن المجموعات المسلحة قد قدمت عروض فورية ومغرية، وتشمل الراتب الشهري أو الدخل السريع، والسلاح، والسلطة، والهوية، والحماية شخصية والعائلية، والمكانة اجتماعية.

ولكن الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني لم تستطع أن تنافس بما تطرحه من أفكار ورؤى ومفاهيم سياسية عن الديمقراطية ووعود الدولة المدنية، وبالتالي كان تفاعل الشباب طبيعيا وواقعيا، فالشباب اختاروا ما يحميهم اليوم، لا ما قد يفيدهم في المستقبل.

منذ فبراير توقفت مسارات التوظيف للشباب وخاصة بعد ضرب جزء مهم من القطاع الخاص ومع انتشار الفساد المالي نشأ ما يعرف باقتصاد الحرب، حيث أصبح من السهل أن يجد الشباب في الحواجز وحراسة المؤسسات وحماية الشخصيات مصادر دخل حقيقية، ومن المؤسف أن البعض استهوته عمليات التهريب الحدودية والابتزاز وغيرها من الجرائم. النتيجة أن المجموعات المسلحة لم تعد مجرد تنظيم مسلح، بل أصبحت شركة توظيف بديلة للدولة.

بالنسبة للنخب المدنية بعد 2011، تعددت هوياتهم وعلاقاتهم وأهدافهم، وتم تصنيفهم ألى عدة مسميات كإسلاميين وليبراليين وفدراليين وجهويين، وقدم كل طرف منهم سرديته الإقصائية للآخرين ، بينما كانت سردية المجموعات المسلحة  بسيطة وفعالة في استقطاب الشباب بدعوتهم لحماية (الثورة أو المدينة أو القبيلة أو الحي“. ومن المعروف أنه في زمن الفوضى تكون السردية البسيطة أكثر جاذبية

لا شكل أن جيل ما قبل فبراير لم يتعلم العمل السياسي التنظيمي وخاصة الحزبي، ولم يعي أهمية ثقافة الديمقراطية والانتخابات والحريات، بمعنى آخر الشباب لم يُهزموا سياسيًا… بل لم يتعلموا السياسة أصلًا ، بينما دور السلاح أصبح مفهوم وواضح ومباشر مرتبط بفكرة “الرجولة والبطولة”

بعد سقوط النظام، انهارت هيبة الدولة واختفت السلطة المركزية، وظهرت ممارسات عنف يومية (خطف، وتفتيش، وإذلال). وبالتالي فقد أعادت الكتيبة أو التشكيل المسلح للشاب شعورهم بالسيطرة، واحترام الآخرين لهم، وخوف الناس منهم (وهذا يُفسَّر نفسيًا كاحترام).

كثير من الأحزاب تكونت من نخب مدينية، وكانت لغتها أكاديمية، ومكاتبها كانت بعيدة عن الأحياء الشعبية. بينما المجموعات المسلحة ظهرت من نفس الحي، ومن نفس العائلة، وربما بدأت في نفس المدرسة. وهذا القرب الاجتماعي كان أقوى من الشرعية القانونية.

المجموعات حصلت على دعم من الدولة مبكرا، ودعم من رجال أعمال فيما بعد، تم توسعت مواردها بأعمال أخرى بعضها مخالف للقوانين والقيم المجتمعية السائدة. أما الأحزاب السياسية وأغلب مؤسسات المجتمع المدني لم يتوفر لها إلا القليل من التبرعات والمنح الصغيرة، بمعنى عملي، كانت ميزانية التشكيل المسلح أكبر من ميزانية البرامج الديمقراطية.

ولنكن صرحاء، بأن الدولة تبنت مقاربة خاطئة حين أدخلت كتائب مسلحة في وزارات ومؤسسات سيادية، ومنحتها رواتب وامتيازات مالية ، وأعطت بعضها صفة قوة نظاميةوبالتالي كانت الرسالة للشباب، أن السلاح طريق شرعي للصعود الاجتماعي.

الخلاصة أن المفارقة ليست غريبة. لأن المجموعات المسلحة قدّمت الأمان، والدخل، والهوية، والسلطة ومستقبل واعد، بينما النخب المدنية لم يكن ما تقدمة إلى الوعود بالدولة المدنية والديمقراطية في بيئة من الخوف والفوضى، والااقتصاد المنهار. النتيجة أن الشباب اختار أن يعمل مع الدولة البديلةبدلا من رؤية الدولة

في الدول الطبيعية، التعليم والوظيفة وريادة الأعمال هي طرق الصعود الاجتماعي. أما إذا استمر الوضع الراهن، فالرتبة داخل تشكيل مسلح، والقرب من القائد، والسيطرة على مورد أو نقطة نفوذ، تصبح هي سلم الصعود الطبقي الحقيقي. وبالتالي الشاب المتعلم يخسر أمام الشاب المسلح، وتتراجع قيمة الشهادة العلمية والمهنية، ويرتفع وزن الولاء بدل الكفاءة.

مع الوقت، استطاعت التشكيلات المسلحة ان تبني شبكات مالية، وتحمي مصالح اقتصادية، وتسيطر على إدارات، وتحمي مصارف ومنافذ فنشأت مؤسسات غير رسمية أقوى من الأجهزة الرسمية. وتطور الأمر حتى أصبح أن الوزير لا يستطيع تنفيذ قرار بدون موافقة قوة محلية، والمدير الإداري يخضع لحماية مسلحين، والقضاء يتردد في مواجهة الإشكال. والنتيجة، رغم أن الدولة لن تنهار شكليًا… لكنها فقدت قدرتها الفعلية.

طبيعيا أن المجموعات المسلحة ستدافع عن مصدر دخلها، حتى إذا كان دخلها مرتبطًا بالحماية والتهريب والسيطرة والابتزاز والنفوذ الأمني، وهنا يكمن الفخ، لإن الاستقرار الكامل يهدد مصالحها. وهذا الوضع يؤدي إلى إنتاج استقرار منخفض ودائم ويبقى في منزلة بين لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي. وهذا النمط عرف في العديد من دول ما بعد الصراع.

أخطر أثر لهذه الظاهرة ليس سياسيا بل ثقافيا، لأن استمرارية الوضع الراهن لأكثر من عشرة سنوات يصبح حمل السلاح أمرًا طبيعيًا، والنزاع يُحل بالقوة لا بالقانون، والقيادة تعني السيطرة لا الخدمة العامة. وهذا يخلق عقلية أمنية للمجتمع ككل. وهنا نؤكد أنه حتى لو جاءت انتخابات سياسية أو برلمانية، فإن الشاب المسلح والمواطن العادي سيصوّت لمن “يحميه” لا لمن يقدم له برنامج سياسي ثم يتخلى عن كل وعوده.

الإشكال يصبح أكثر تعقيدا، فالشباب الذين يريدون مهنة حقيقية وحياة مستقرة ومسار مهني واضح، وفي غياب أي فرص لهم في القطاع العام أو الخاص، سيختارون الهجرة لتحقيق أمانيهم، والنتيجة أن الدولة ستخسر بخروج هذه العقول، وببقاء المسلحين متشبتين بسلاحهم.

الخلاصة، أنه إذا استمر هذا المسار لسنوات قادمة، لن تكون المشكلة في “وجود ميليشيات”. بل تصبح الميليشيا هي البنية الطبيعية للدولة. أي أن السياسة ستُدار بالسلاح والاقتصاد يُدار بالنفوذ والقانون يُدار بالوساطة

السؤال لم يعد لماذا انظم الشباب للتشكيلات المسلحة، أو لماذا أصبحت تلك التشكيلات هي المؤسسة الأكثر فاعلية في النظام، ولا حتى كيف نحل هذه التشكيلات، بل السؤال الأهم كيف نخلق مسارا بديلا جاذبا للشباب أقوى من مسار السلاح، لأن الشاب المسلح لن يترك التشكيل المسلح لأسباب أخلاقية، بل سيتركها عندما يستطيع أن يضمن دخلا أفضل وأمان حقيقي، ومكانة اجتماعية، ومستقبل أفضل.

____________

Related Articles