بقلم الشّايب
تحدثنا عن تفكيك الجماهيرية في الأجهزة التنفيذية وبعض الوزارات وأيضا في سلك القضاء وعلينا أن نبحث أيضا في المؤسسة التشريعية وتحديدا في مجلس النواب بغرفتيه.
هذا الملف بالغ الحساسية، لأن المؤسسة التشريعية هي التي تصنع القواعد التي تحكم بقية السلطات. فإذا بقيت “فلسفة الجماهيرية” كامنة داخلها (حتى بعد سقوطها كنظام)، فإنها تعيد إنتاج نفسها عبر القوانين واللوائح.
أولاً: ماذا يعني “وجود أثر الجماهيرية” داخل مؤسسة تشريعية؟
ليس المقصود أشخاصاً بعينهم، بل أنماط عمل موروثة، فمجلس النواب لا يعمل بمدأ الفصل بين السلطات، ويتصرف كسلطة تنفيذية أحيانا كثيرة، ويتدخل في التعيينات التنفيذية والقضائية بشكل مباشر. ويشرع بمنطق الأمر الواقع، فهناك قوانين تُمرر بلا نقاش عام، ويتجاهل أثر التشريع في الواقع، ويسيّس القضاء، حيث اتخذ مواقف سياسية بناء على وقائع سياسية، ويمارس ثقافة الولاء لا المحاسبة، فالرقابة البرلمانية شكلية، ولا مساءلة فعلية للحكومة، ويغيّب الشفافة تماما، حيث الجلسات غير موثقة بالكامل، واللجان لا تنشر تقاريرها.
ثانياً: كيف يتم تفكيك هذه البنية دون صدام سياسي مباشر؟
التفكيك لا يكون بإسقاط مجلس النواب كمؤسسة، بل بإعادة هندسة بيئته القانونية والتنظيمية وذلك من خلال إصلاح اللائحة الداخلية للبرلمان، فعلى البرلمان أن يلتزم بنشر محاضر الجلسات كاملة، وبالتصويت العلني المسجل، وعليه أن يحدد آلية استدعاء الوزراء ومساءلتهم، ويلتزم بدراسات الأثر التشريعي قبل إصدارأي قانون، فاللائحة أقوى من الأشخاص لأنها تضبط السلوك المؤسسي.
مجلس النواب يحتاج إعادة تعريف العلاقة مع السلطة التنفيذية، والخط الفاصل بين البرلمان والحكومة يجب أن يكون واضحاً، فالبرلمان يشرّع ويراقب والحكومة تنفذ والقضاء يحكم، وأي تدخل مباشر في التعيينات أو الإدارة اليومية يعيد منطق “اللجان الثورية”.
مجلس النواب ينبغي أن يعتمد على وحدة دعم تشريعي مستقلة، فالبرلمانات الحديثة لا تكتب القوانين ارتجالاً في (المرابيع)، بل تصاغ من قبل فريق من خبراء قانونيين مستقلين، ومحللي سياسات عامة، وباحثين لإعداد دراسات مقارنة. وهذا هو السبيل للتقليل من التشريع السياسي المزاجي.
مسألة أخرى مهمة هي ضرورة تحصين البرلمان من منطق الزعامة الفردية، فأي مؤسسة تصبح خطرة إذا ارتبطت بشخص.، فالحلول المؤسسية كثيرة، منها توزيع صلاحيات رئاسة المجلس، وتحديد مدد واضحة، وتمكين اللجان الدائمة، ومنع تركّز السلطة الإجرائية بيد الرئاسة
تفكيك الجماهيرية داخل قبة البرلمان يعني إنهاء فكرة القرار من الأعلى من خلال آليات عملية، وجلسات استماع علنية، واستقبال مذكرات من المجتمع المدني والأحزاب السياسية، ونشر مشاريع القوانين قبل التصويت عليها.
السيناريو الأخطر أن لا يتم التفكيك، فإذا بقي البرلمان يعمل بعقلية ما قبل 2011، سيتحول البرلمان إلى مركز إعادة إنتاج الشرعية الشكلية، ويصبح أداة في الصراع بين السلطات، ويفقد المواطن ثقته في مجلس النواب بالكامل، وتزداد احتمالات الانقسام المؤسسي
السؤال الأهم: هل يمكن تفكيك آثار الجماهيرية داخل مجلس النواب وهو قائم؟ نعم، ولكن بشرطين:
- أولا، وجود كتلة إصلاحية داخلية تؤمن بالدولة المؤسسية،
- وثانيا، بضغط مجتمعي منظم يطالب بالشفافية لا بالاستقطاب.
فالتفكيك من الداخل أبطأ… لكنه أكثر استدامة.
الخلاصة أن تفكيك أثر الجماهيرية في البرلمان لا يعني تغيير الأشخاص فقط، بل تغيير طريقة التشريع، وطريقة التصويت، وطريقة المساءلة، وطريقة اتخاذ القرار. بمعنى تحويله من:“سلطة سياسية فوق الدولة” إلى “مؤسسة دستورية داخل الدولة”.
كيف يتم التفكيك دون انهيار أو صدام؟
القاعدة الاستراتيجية: في المراحل الانتقالية السريعة لا يتم تفكيك المؤسسة بل يتم تحجيم صلاحياتها مؤقتاً، وإعادة تعريف دورها.
المسار العملي السريع هو تحويل البرلمان إلى برلمان انتقالي مقيّد وهذا يحتاج إلى إجراء فوري يشمل تعديل الإعلان الدستوري وتحدد به مهمة البرلمان في تسيير الضرورات التشريعية، وتفعيل قانون الاستفتاء، ومنع إصدار قوانين ذات طابع استراتيجي طويل الأمد، ومنع التعيينات الكبرى الدائمة.
الهدف: منع استخدام السلطة التشريعية لإعادة تشكيل الدولة قبل الدستور.
إن قرارات تجميد التشريع السياسي عالية الحساسية، خاصة فيما يخص النصوص المتعلقة بالقضاء، أو الانتخابات، أو الجيش، أو توزيع الثروة، والتي تتطلب أغلبية مشددة ورقابة قضائية مسبقة. وهذا ما يوقف التشريع كسلاح سياسي.
ما الذي لا يجب فعله؟ حل البرلمان فجأة، أو إقصاء كامل للنخبة التشريعية، أو فتح كل ملفات الماضي دفعة واحدة، أو الدخول في صراع شرعيات
السؤال المهم: هل التفكيك يبدأ بإصلاح اللائحة الداخلية؟ أم بصياغة دستور جديد يفرض قواعد مختلفة على البرلمان؟ وأيهما أكثر واقعية في الحالة الليبية؟
صياغة الدساتير والاستفتاء عليا، عادة ما تتم خارج إرادة البرلمان كسلطة قائمة، لأن الدستور يؤسس لشرعية البرلمان نفسه، فلا يجوز أن يكون الخصم هو الحكم. لكن عملياً، في أي انتقال سياسي، يظل هناك سؤال دقيق: كيف يتم تنظيم عملية دستورية “خارج سلطة البرلمان” دون أن تتحول إلى فراغ أو صدام شرعيات؟
لماذا يجب أن تكون العملية الدستورية مستقلة؟
هناك ثلاثة أسباب أساسية:
الأول، تعارض المصالح، فالبرلمان القائم قد يضع قواعد تخدم بقاءه أو صلاحياته.
والثاني، فلسفة التأسيس، فالدستور عمل تأسيسي (سلطة تأسيسية أصلية)، أما البرلمان فهو سلطة مشتقة.
والثالث، مسألة الثقة العامة، فأي دستور يُكتب تحت مظلة طرف سياسي سيفقد شرعيته لدى الآخرين. ويفقد الثقة فيه.
ما هو النموذج الأنسب في الحالة الليبية؟
هناك ثلاث صيغ معروفة عالمياً:
الأولى، جمعية تأسيسية منتخبة خصيصاً للدستور، تُنتخب مباشرة من الشعب، وتنتهي مهمتها فور إقرار الدستور، ولا تمارس عملاً تشريعياً عادياً، فأعلى درجات الشرعية تحتاج بيئة انتخابية مستقرة.
والثانية، لجنة خبراء مستقلة مع استفتاء مباشر، من خبراء قانونيون يضعون المسودة وتُعرض للنقاش العام، ثم يُستفتى الشعب عليها، وهذا أسرع، وأقل تمثيلاً سياسياً
هناك أيضا مسار مزدوج، يضم لجنة تأسيسية مع حوار وطني واسع، ورقابة مجتمعية، واستفتاء نهائي. فهذه الصيغة هي أكثر توازناً، وتتطلب إدارة دقيقة.
أين يقف مجلس النواب في هذه الحالة؟
حتى لو كانت الصياغة خارج البرلمان، سيبقى له دور تقني محدود مثل، إصدار قانون الاستفتاء، وتوفير الإطار القانوني المؤقت، وتسهيل العملية اللوجستية. لكن لا ينبغي أن يكتب المسودة، أو يعدلها وفق مصالحه، أو يتحكم في توقيت الاستفتاء عليها لأغراض سياسية
الخطر الحقيقي ليس فقط في سيطرة البرلمان على الدستور، بل في حدوث صدام بين “شرعية قائمة” و “شرعية تأسيسية جديدة”. فإذا لم تُدار المرحلة بذكاء، قد يتحول المسار الدستوري إلى ازدواج مؤسسي، وانقسام قانوني، وصراع سياسي جديد
السؤال الأعمق: حتى لو خرج الدستور من خارج البرلمان، فكيف نضمن ألا يعيد البرلمان إنتاج عقلية الجماهيرية بعد إقراره؟
الجواب هنا ليس في الأشخاص، بل في النص الدستوري نفسه الذي ينبغي أن ينص على تحديد صارم لصلاحيات البرلمان وآليات رقابة دستورية قوية، ومحكمة دستورية مستقلة فعلياً، وقيود واضحة على التشريع الذي يمس الحقوق والحريات
الخلاصة: نعم، العملية الدستورية يجب أن تكون خارج سيطرة البرلمان. لكن نجاحها يعتمد على استقلال الجهة التأسيسية، وشفافيتها الكاملة، وقبول سياسي واسع، وآليات انتقال واضحة بين النظامين، وإلا قد يتحول الدستور نفسه إلى ساحة صراع جديدة.
هناك لحظة حاسمة تفصل بين “إصلاح تدريجي داخل النظام القائم” و“انتقال تأسيسي كامل”؟ فمتى ننتقل من الأولى إلى الثانية؟ ومتى تصبح الثانية ضرورة وليست خياراً سياسياً؟
أولاً: ما الفرق الجوهري بين المسارين؟
الإصلاح التدريجي يعمل داخل المؤسسات القائمة، ويعدّل القوانين واللوائح، ويراكم تغييرات ببطء، ويتجنب الصدام، وينجح عندما توجد قابلية داخلية للإصلاح، ولا تزال المؤسسات قابلة للاستعادة،
والانتقال التأسيسي الكامل يعيد تعريف قواعد اللعبة، وينشئ شرعية جديدة، ويعيد توزيع السلطات من الصفر تقريباً، ويتجاوز البنية القديمة، ويُستخدم عندما تصبح المؤسسات جزءاً من المشكلة، وتفقد القواعد القائمة قدرتها على الإصلاح
ثانياً: ما هي مؤشرات “اللحظة الحاسمة”؟
الانتقال التأسيسي يصبح خطيراً إذا تم دون توافق واسع، واستُخدم لتصفية حسابات، وافتقر إلى جدول زمني واضح، ولم تكن هناك قدرة أمنية لحماية المرحلة.
في السياق الليبي، اللحظة الحاسمة ليست لحظة انفجار، بل لحظة إدراك جماعي بأن الاستمرار على الوضع الراهن أكثر كلفة من إعادة التأسيس. عندها يصبح الانتقال خيار استقرار لا مغامرة.
الإصلاح التدريجي يُستخدم عندما تكون المؤسسات قابلة للإنقاذ، والانتقال التأسيسي يُستخدم عندما تصبح المؤسسات نفسها عائقاً أمام الدولة.
__________