بقلم الشّايب
السؤال الجوهري: هل نريد تفكيك الجماهيرية لبناء دولة، أم لتقليص الخسائر في مجتمع قد لا ينتج دولة قريبًا؟ هذا ليس سؤالًا تقنيًا بل سؤال مصير نظري.
الجواب المختصر: نحن لا نفكك الجماهيرية لبناء دولة كاملة، ولا نكتفي بتقليص الخسائر فقط، بل نفككها لفتح إمكانية الدولة دون افتراض حتميتها.
بمعنى أدق: التفكيك ليس وعدًا بالدولة، بل كسرًا للعائق البنيوي الذي يمنع حتى احتمالها.
لماذا هذا الجواب، لا غيره؟: لأن افتراض “بناء الدولة” مباشرة بعد تفكيك الجماهيرية هو ادّعاء كاذب. فإنّ أي قول بتفكيك الجماهيرية يعني بالضرورة أننا سنبني دولة، نقع في خطأين قاتلين:
- الأول، أننا نفترض استعدادًا اجتماعيًا غير مُثبت.
- والثاني، أننا حولنا الدولة إلى غاية مطلقة.
فالدولة ليست قدرًا تاريخيًا، بل احتمال مشروط. والتفكيك لا يخلق الدولة، بل يمنع استحالتها.
لأن الاكتفاء بـ “تقليص الخسائر” استسلام مقنّع: في المقابل، القول أن المجتمع الليبي لا ينتج دولة قريبًا، بل يستمر في أدارة الفوضى، ما يعني تثبيت اللادولة، وعقلنة الانهيار، وتحويل الفشل إلى استراتيجية.
وهذا يعني إعادة إنتاج الجماهيرية بصيغة تكنوقراطية باردة، فالجماهيرية أصلًا كانت إدارة ذكية للفوضى باسم الشعب.
إذًا ما هو الهدف الحقيقي للتفكيك؟
الهدف ليس “الدولة” بل إزالة النظام الذي يجعل “اللادولة” هي الخيار الوحيد الممكن، وهذا فرق جوهري، فنحن لا نعد بـدولة حديثة، ولا ديمقراطية، ولا سيادة مكتملة. نعد فقط بـ فتح المجال التاريخي الذي أُغلق منذ 1969، أي إعادة إدخال فكرة الدولة كإمكانية، لا كفرض، ولا كوصاية، ولا كخلاص أسطوري
ماذا يعني هذا عمليًا؟ يعني التفكيك بلا وهم الخلاص، فهو لا يعِد المجتمع بشيء، ولا يُقدّس المستقبل، ولا يبيع الدولة كجنة أرضية، وهذا يمنح التفكيك صدقًا استراتيجيًا نادرًا
هل هناك احتمال للفشل؟ نعم، قد يُفكك النظام الجماهيري ولا تُبنى الدولة. ولكن سيكون الفشل مفتوحًا لا مؤدلجًا، ولا محميًا بمنظومة مضادة للدولة. وهذا فرق أخلاقي وتاريخي .
الدولة التي نريد هي نتاج نضال وحراك مجتمعي، لا كهبة من أحد. فالدولة إن وُلدت، ستولد من حراك مجتمعي حقيقي، ومن توازنات، ومن تنازلات، ومن فشل ونجاح، لا من ورقة بيضاء، ولا نظرية أنيقة، ولا نخبة حاكمة. والتفكيك فقط يرفع السقف لهذا الحراك والنضال الوطني.
الخلاصة الفلسفية (والأخطر): التفكيك الذي ندافع عنه هو تفكيك ضد الحتميات، لا حتمية الجماهيرية، ولا حتمية الدولة، ولا حتمية الفشل. بل إعادة التاريخ إلى مساره المفتوح.
إذًا، ماذا نصحح في النظرية بعد هذا الجواب؟ ثلاث تعديلات جوهرية وضرورية:
-
إزالة أي لغة توحي بأن الدولة نتيجة مضمونة
-
الاعتراف الصريح بأن التفكيك قد ينتج فراغًا طويلًا
-
تعريف النجاح بأنه منع عودة المنظومة لا بناء نظام بديل بسرعة
___________