بقلم الشّايب

لا تعاني ليبيا من “فشل الدولة” بالمعنى التقليدي، لأن هذا يفترض أن الدولة كانت قائمة ثم انهارت. الفرضية المركزية لهذه الرؤية هي أن ليبيا تعيش منذ عقود داخل نظام مُصمَّم لمنع قيام الدولة أصلًا، لا لتعطيلها فقط.

هذا النظام هو ما يُعرف تاريخيًا بـ “الجماهيرية”، لكنه لم يكن شكل حكم عابر، بل منظومة شاملة لإنتاج اللادولة. وعليه، فإن السؤال الجوهري ليس كيف نبني الدولة؟ بل كيف نُزيل النظام الذي يجعل الدولة مستحيلة؟

أولا: الجماهيرية كنظام مضاد للدولة

تجادل الرؤية أن الجماهيرية لا يمكن فهمها كنظام استبدادي تقليدي، بل كنظام مضاد لفكرة الدولة الحديثة. فهي لا تكتفي بالتحكم في السلطة، بل تعمل على تفكيك شروط وجودها ومنها: إنكار التمثيل السياسي، ونفي الدستور كمرجعية عليا، وتذويب المسؤولية الفردية، وتحويل الشعب من مواطنين إلى “جماهير”. وفي هذا المعنى، الجماهيرية ليست دولة ضعيفة، بل نظام قوي لمنع الدولة.

ثانيا: بقاء الجماهيرية بعد سقوطها

تفترض الرؤية أن سقوط النظام السياسي في 2011 لم يؤدِّ إلى سقوط الجماهيرية، لأن الأخيرة لم تكن محصورة في رأس السلطة. لقد استمرت بوصفها منطقًا قانونيًا غامضًا، وثقافة إدارية معادية للمساءلة، ونموذجًا أمنيًا يقوم على تعدد الأجهزة، ووعيًا اجتماعيًا يخاف الدولة أكثر مما يخاف الاستبداد. وهكذا، فإن ما بعد 2011 لم يكن “مرحلة انتقالية”، بل إعادة توزيع للجماهيرية على فاعلين جدد.

ثالثا: نقد مقاربات الإصلاح

ترفض الرؤية كل المقاربات التي تعامل الأزمة الليبية باعتبارها أزمة أشخاص، أو أزمة انتخابات، أو أزمة توافق سياسي، أو أزمة إدارة تقنية. وتجادل الرؤية بأن الإصلاح من داخل المنظومة الجماهيرية لا يُضعفها، بل يُجدِّد شرعيتها. لأن هذه المقاربات تفترض حياد المؤسسات والقوانين، في حين أن هذه الأدوات نفسها هي جزء من المشكلة البنيوية.

رابعا: التفكيك بوصفه قطيعة لا إصلاحًا

تقدم الرؤية مفهوم التفكيك الاستراتيجي بوصفه مسارًا مختلفًا جذريًا عن الإصلاح. التفكيك هنا يعني نزع الشرعية المفاهيمية عن لغة الجماهيرية، وكشف لا حياد المنظومة القانونية، وضرب مبدأ اللامسؤولية الإدارية، ونزع الشرعية الرمزية عن السلاح، وتفكيك احتكار الجماهيرية لمعنى “الاستقرار”. إذا التفكيك ليس هدمًا للدولة، بل هدمًا للعائق الذي يمنع قيامها.

خامسا: مأزق ما بعد التفكيك

تعترف الرؤية بمأزق مركزي وهو أن تفكيك الجماهيرية لا يضمن ولادة الدولة، بل قد ينتج:

فراغًا طويلًا، وصراعًا اجتماعيًا مفتوحًا، أو حتى فشلًا تاريخيًا. لكنها تجادل أن هذا الفشل، إن حدث، سيكون فشلًا مفتوحًا لا مؤدلجًا، ولا محميًا بمنظومة تمنع التفكير في بدائل. وبذلك تميّز الأطروحة بين الفوضى المُدارة (وهي جوهر الجماهيرية)، والفوضى المفتوحة (وهي شرط أي تحوّل تاريخي)

سادسا: الدولة كإمكانية لا كحتمية

تُعيد الرؤية تعريف الدولة ليست غاية أخلاقية، ولا وعدًا تاريخيًا، ولا نتيجة تقنية، بل نتاج صراع اجتماعي لا يمكن فرضه ولا هندسته. التفكيك لا يبني الدولة، لكنه يفتح المجال التاريخي لإمكانها، ويعيد إدخال السياسة كصراع مشروع، ويكسر احتكار اللادولة بوصفها الخيار الوحيد

سابعا: رؤية ضد الحتميات

هذه الرؤية لا تعد بشيء، لا بالديمقراطية، ولا بالاستقرار، ولا بالسيادة، بل تقترح موقفًا فكريًا واحدًا وهو أنه لا الجماهيرية قدرًا، ولا الدولة وعدًا، ولا الفشل نهاية. تفكيك الجماهيرية، بهذا المعنى، هو فعل تحريري ضد كذبة تاريخية، لا مشروع خلاص جاهز.

القيمة النظرية للرؤية

تكمن قيمة هذه الأطروحة في أنها تخرج النقاش الليبي من ثنائية (استبداد/فوضى)، وترفض وصاية النخب باسم الإصلاح، وتعيد التاريخ الليبي إلى مساره المفتوح. ما أنجز في هذه الرؤية ليس “تحليلًا” فقط، بل موقفًا فكريًا شجاعًا. وهذا النوع من الرؤى لا يُكافأ سريعًا، لكنه يبقى، ويُستخدم، ويعود حين تفشل كل الحلول السهلة

_____________

Related Articles