بقلم الشّايب
في ليبيا، نحن لا نتعامل فقط مع نظام سياسي، بل مع مزاج اجتماعي يميل إلى الزعامة الفردية بسبب تاريخ طويل من الشخصنة: الملك .. القذافي .. عبد الجليل .. جبريل .. السراج .. عقيلة صالح .. حفتر .. الدبيبة .. الخ.
فكيف يمكن تثبيت الثقافة المؤسسية بعيداً عن الزعامة الشخصية، وما هي أدوات تعزيز المشاركة الشعبية المنظمة وآليات الرقابة القضائية والإعلامية لضمان تداول السلطة.
الثقافة المؤسسية هي العقدة الأعمق من أثر الجماهيرية.
السؤال ليس كيف نمنع الزعامة، بل كيف نجعل الزعامة تخدم المؤسسة، لا تحل محلها؟
أولا: الفصل النفسي بين “الرمز” و“السلطة“
في المجتمعات التي تميل للزعامة، من الصعب إلغاء الحاجة للرمز. الحل ليس المواجهة، بل إعادة تعريف الرمز. بمعنى بدل أن يكون الرئيس هو مصدر القرار النهائي، يصبح الرئيس هو الضامن للدستور.
وهذا يتحقق عبر خطاب سياسي جديد يربط قوة الرئيس بحماية المؤسسات، ونصوص دستورية واضحة تجعل أي تجاوز يبدو خرقاً للوطن لا مجرد خلاف سياسي، وظهور الرئيس دائماً محاطاً بالمؤسسات (برلمان، قضاء، حكومة) لا بالأعوان والأقرباء، والمخبرين.
ب ـ تحويل الشرعية من الأشخاص إلى الإجراءات
الثقافة المؤسسية تُبنى عندما يصبح القرار لا يصدر ببيان فردي بل بقرار مؤسسي موثّق، والتعيينات تمر عبر آليات واضحة، والميزانيات تُناقش علناً، والقضاء يبرر أحكامه كتابياً، وكلما زادت الإجراءات العلنية، قلّ اعتماد الناس على الشخص.
ج ـ إنتاج نخب جديدة عبر النظام الانتخابي
الثقافة المؤسسية لا تُفرض من الأعلى، بل يمكن تسريعها فقط عبر نظام انتخابي يمنع احتكار الكتل التقليدية، ودعم المرشحين الشباب والمستقلين، وخوض مناظرات علنية تُظهر الكفاءة لا الزعامة. عندما يرى الناس أداءً وإنجازات حقيقية، يبدأون بتفضيل الكفاءة على الكاريزما.
رابعاً: بناء ذاكرة مجتمعية جديدة
المجتمعات تتغير عندما تتغير سرديتها. وبدلاً من سردية “الرجل القوي المنقذ للوطن“، تتحول إلى “المؤسسة التي تحمي الوطن من أي رجل قوي“. وهذا يحتاج إعلام مهني، وتعليم مدني، وإحياء لحظات النجاح المؤسسي (ولو صغيرة) وتضخيمها إيجابياً.
التحدي الحقيقي في ليبيا اليوم أن الدولة ضعيفة، والسلاح منتشر، والثقة معدومة. لهذا يميل الناس للزعامة. فإذا أردنا تثبيت الثقافة المؤسسية، يجب أن يرى المواطن نتيجة ملموسة. مثلا: تحسن خدمة عامة ، قاضٍ يحكم باستقلالية، مسؤول يُحاسب عن الفساد علناً، عندها فقط يبدأ التحول الحقيقي.
وبالنظر لكل القطاعات في ليبيا، علينا أن نحدد أهم قطاع يمكن أن يصبح نموذجاً عملياً للثقافة المؤسسية ويُحدث صدمة إيجابية؟ ولعل أهم القطاعات التي يمكن أن نبدأ بها هي الإدارة المالية.
المالية العامة هي أقصر طريق لتحويل الثقافة من الزعامة إلى المؤسسة. لأن المال هو مركز السلطة الحقيقي في ليبيا، ومن يضبط المال يضبط النفوذ. وإذا بدأ الإصلاح من المالية العامة، سنحقق ثلاث نتائج مباشرة وهي:
ــ تقليص قدرة المسؤول على شراء الولاءات
ــ تعزيز ثقة المواطن في المؤسسة عبر الشفافية
ــ إضعاف بنية “دولة الغنيمة” التي غذّت الزعامة لعقود
المالية العامة هي أيضا نقطة التحول السريعة، لان النفط هو مصدر الشرعية غير المعلنة، والميزانية هي أداة نفوذ سياسي، والرواتب والاعتمادات هي أدوات الاحتواء الاجتماعي.
أما ثقافة الجماهيرية التي ورثناها ولا زالت تعشعش في أداراتنا، فهي كانت قائمة على مقولة: “المال العام مباح للزعيم بلا مساءلة واضحة“. فإذا تغيرت المقولة، تتغير الثقافة السياسية تلقائياً.
بمعنى أن القرار المالي بدل أن يكون “توجيها شخصيا أو سياسيا” يصبح “عملية قانونية قابلة للتتبع والمراجعة“.
هناك عدة خطوات تأسيسية عملية يمكن أن تتبناها الحكومة لترسيخ ثقافة المؤسسة، وهي:
ــ اعتماد ميزانية شفافة منشورة بالكامل، حيث يتم نشر كل بنود الميزانية بلغة مبسطة، ويتم الإعلان عن المصروفات الفعلية شهرياً، وتقارن بالمخطط الذي تم تنفيذه، وهنا يبدأ المواطن يربط المال بالمؤسسة بدل الشخص.
ــ تَبني قاعدة “لا صرف دون سند قانوني” فأي قرار إنفاق ينبغي أن يكون له رقم مادة قانونية ويمر بمراجعة محاسبية ويُنشر ملخصه. هذا الإجراء سيقتل القرارات الفردية غير الرسمية.
ــ استقلال ديوان المحاسبة فعلياً، بميزانية مستقلة وتقارير علنية، وجلسات استماع برلمانية علنية. عندما يرى المواطن مسؤولاً يُسأل مالياً في العلن، تتغير الثقافة فوراً.
ــ رقمنة المدفوعات العامة بمعنى أن تمر كل المدفوعات عبر نظام إلكتروني مركزي، وأثر رقمي لا يمكن إنكاره. فالرقمنة هي عدو الزعامة.
ــ تنفيذ قانون تضارب المصالح والإفصاح المالي، بحيث يتم إلزام الرؤساء والوزراء والوكلاء والنواب وكل المسؤولين بإقرار الذمة المالية علنا، ومنع الجمع بين المنصب والأعمال التجارية. هذا يحول المنصب من فرصة ربح إلى مسؤولية.
هذه الخطوات ستوثر على المزاج العام، فعندما يرى المواطن ميزانية منشورة، ومسؤول يُسأل، وصرفاً مبرراً، ورواتب منتظمة، سيبدأ بالقول: “المؤسسة تعمل” وعندها تقل الحاجة النفسية إلى زعيم قوي.
____________