بقلم الشّايب
أي رؤية لا تصمد أمام أسوأ الأسئلة فهي ليست رؤية… بل خطابًا أنيقًا.
أولًا: نقد الفرضية المركزية
الفرضية: الجماهيرية منظومة مضادة للدولة، ولا تُفكك إلا بالقطيعة.
السؤال القاتل: هل الجماهيرية سبب اللادولة… أم عرضٌ لها؟
الاحتمال البديل: قد تكون الجماهيرية ليست أصل المشكلة، بل صيغة محلية لإدارة مجتمع هش تاريخيًا، يعيد إنتاج اللادولة حتى بدون الجماهيرية. إذا صحّ هذا، فإن تفكيك الجماهيرية لا يؤدي بالضرورة إلى بناء الدولة، بل قد يكشف فراغًا أعمق، والخطر هو أن نُسقِط منظومة تفسيرية على واقع أعقد منها.
ثانيًا: نقد مفهوم “القطيعة”
القطيعة كما طُرحت: قانونية، ومفاهيمية، ورمزية. السؤال: من يملك سلطة إعلان القطيعة؟
إذا كانت الدولة ضعيفة والشرعية متنازع عليها والمجتمع منقسم، فالقطيعة قد تتحول إلى أداة إقصاء جديدة، لا تفكيك محايد. الخطر أن تصبح القطيعة سلاح نخبوي، يُستخدم لتجريد الخصوم من الشرعية، ويعيد منطق “من ليس معنا فهو ضد الدولة”. أي جماهيرية مضادة… بنفس المنطق.
ثالثًا: تفكيك فكرة “نزع الشرعية المفاهيمية”
الفكرة: تفكيك اللغة تعني إضعاف المنظومة، والسؤال المهم هو: هل اللغة تحكم الواقع… أم الواقع يعيد إنتاج اللغة؟
إذا بقي الفقر والسلاح وغابت الخدمات وانعدم الأمان، فإن المفاهيم القديمة ستعود مهما كانت أناقة اللغة الجديدة، الخطر هو أن نُبالغ في القوة التفسيرية للخطاب، ونُقلل من عنف الواقع المادي.
رابعًا: نقد “نواة السيادة”
الفكرة أن نواة سيادية محدودة تسبق الدولة، والسؤال الحاسم هو ما الذي يمنع هذه النواة من التحول إلى دولة دائمة مصغّرة؟، فالتاريخ مليء بأمثلة “مرحلة مؤقتة” أو “سلطة انتقالية” أو “استثناء ضروري”، تحولت إلى نظام دائم بلا مساءلة. والخطر أن نُشرعن تقليص التمثيل، وتأجيل الحقوق، وتقييد السياسة، باسم الضرورة الاستراتيجية.
خامسًا: تفكيك شرط “تأجيل الديمقراطية”
الطرح أن الديمقراطية نتيجة لا أداة، والسؤال الخطير هو من يحدد لحظة النضج؟. إذا تُرك التحديد لـلنخبة، و السلطة، و الخبراء، فهذا يعيد الوصاية السياسية التي ثار عليها المجتمع أصلًا. والخطر هنا أن يتحول “التحليل السياسي” إلى مبرر لإقصاء المجتمع بدعوى عدم الجاهزية.
سادسًا: نقد افتراض “إدارة الخوف الاجتماعي”
الطرح هو أن الخوف يُدار ولا يُلغى، والسؤال هو من يدير الخوف؟ وبأي أدوات؟ فالخوف أداة سياسية بامتياز، ومن يدّعي إدارته قد يستثمر فيه، أو يعيد إنتاجه بشكل ناعم، والخطر أن يتحول الخطاب الواقعي إلى ترويض جماعي، ولا تمكين للمواطن.
سابعًا: النقد الأخطر هو غياب الفاعل
النموذج يتحدث عن مراحل، وشروط، ومسارات. لكنه يتجنب السؤال من يفعل كل هذا؟. هل هو نخبة فكرية؟، أو تحالف سياسي؟، أو دولة ناشئة؟، أو مجتمع مدني؟
تجاهل الفاعل قد يكون حذرًا نظريًا، لكنه ضعف استراتيجي، و الخطر في رؤية بلا حامل اجتماعي، تبقى جميلة… ولكن غير فعالة.
ثامنًا: مفارقة التفكيك الكبرى
النموذج يريد تفكيك منظومة شمولية دون إنتاج منظومة شمولية بديلة. لكن كل تفكيك جذري يحتاج سلطة تفسيرية قوية، وهنا التناقض إما سلطة قوية تدفع نحو خطر الاستبداد، أو سلطة ضعيفة تدفع نحو عودة المنظومة. إذا هذا ليس خطأ النموذج، بل مأزق أي انتقال تأسيسي للدولة.
الخلاصة النقدية: أن النموذج قوي وعميق و متماسك داخليًا، و يفسّر الكثير مما فشلت فيه المقاربات السطحية. لكنه يفترض أكثر مما يثبت، ويقلل من عنف الواقع المادي، ويغامر بالوصاية النخبوية، .ويواجه مأزق السلطة بعد التفكيك
إذا ماذا نريد من تفكيك الجماهيرية في ليبيا؟
هل نريد تفكيك الجماهيرية لبناء دولة، أم لتقليص الخسائر في مجتمع قد لا ينتج دولة قريبًا؟
هذا ليس سؤالًا تقنيًا، بل سؤال مصيري، والجواب عن هذا السؤال سيغيّر كل الرؤية من جذورها.
في الواقع أننا لا نفكك الجماهيرية لبناء دولة كاملة، ولا نكتفي بتقليص الخسائر فقط، بل نفككها لفتح إمكانية الدولة دون افتراض حتميتها. بمعنى أدق التفكيك ليس وعدًا بالدولة، بل كسرًا للعائق البنيوي الذي يمنع حتى احتمالها.
_________________