بقلم الشّايب

القضاء في ليبيا لم يصل بعد إلى المستوى الذي يُصنف فيه القضاء بالسلطة الثالثة في الدولة المدنية الديمقراطية. والسبب أن نظام الجماهيرية طغي لعدة عقود على القضاة والمؤسسات القضائية منذ أن ألغي القذافي القوانين في خطاب زوارة عام 1973.

السؤال الجوهري أمام أي مشروع لبناء دولة القانون في ليبيا هو كيف ننتقل من إرثٍ طويل من تسييس القضاء وتفكيك المنظومة القانونية إلى قضاء مستقل وفعّال؟

تفكيك آثار “الجماهيرية” داخل المؤسسات القضائية ممكن، ولكنه ليس إجراءً إدارياً سريعاً، بل مشروع تحوّل مؤسسي يتطلب إرادة سياسية، وتحالف مجتمعي، وضمانات عملية تمنع الارتداد.

تشخيص المشكلة بدقة هو أساس التفكيك حيث أن إرث الجماهيرية لم يكن مجرد قوانين من السهل تعديلها أو تغييرها، بل كان ثقافة حكم أثّرت على سلطة القضاء ووضعه في النظام الحاكم، ومن خلال التالي:

ــ تسييس العدالة من خلال تحويل القضاء إلى أداة ضبط سياسي لا غير، مع تدخل سافر للأجهزة الأمنية في عمل النيابة والمحاكم.

ــ تفكيك التسلسل القانوني الطبيعي وذلك من قامت به اللجان الثورية من جهة والمحاكم الاستثنائية من جهة أخرى، بالإضافة إلى تهميش السوابق القضائية والمهنية.

ــ تآكل الاستقلال المهني للقضاة عبر إصدار الترقيات والجزاءات على أساس الولاء للنظام، وضعف الحماية المؤسسية للقاضي.

ضرب ثقة المجتمع في مؤسسة القضاء، حتى وصل الأمر أن المواطن يرى القضاء خاضعاً لنفوذ اللجان الثورية ويدار بقرارات ثورية وسياسية.

إذًا المشكلة هي في سيطرة منظومة حوافز ثورية وثقافة قانونية ضعيفة وليس في نقص القوانين، وما أكثرها.

السؤال المحرج في الوضع الراهن هو ما هي استطاعة الحكومات القادمة للقيام بتفكيك هذا الإرث؟

التفكيك ممكن بتحقق ثلاثة شروط أساسية: أولهم الوصول إلى شرعية سياسية كافية (انتخابات)، وثانيهم عقد تحالفات مع القضاة المهنيين أنفسهم وليس ضدهم، وثالثهم توفير حماية أمنية حقيقية للقضاة وللمؤسسات القضائية من المجموعات المسلحة. وبدون تحقيق هذه الشروط، إن أي إصلاح قانوني سيبقى حبراً على ورق.

كيف يتم التفكيك عملياً؟ الهدف يتحقق بوضع خطة للتفكيك على مراحل قد تمتد إلى سنوات، وأهمها:

أ) ــ مرحلة التثبيت

وهدفها وقف الانقسام والتدهور في الأجهزة القضائية ومنع التدخل السياسي من السلطة التنفيذية والقانوني من السلطة التشريعية، وذلك بتبني إجراءات أساسية، منها تحصين المجلس الأعلى للقضاء قانونياً ومالياً، وإلغاء أو تجميد أي هياكل أو محاكم استثنائية، ونقل تبعية الشرطة القضائية والضبط القضائي لسلطة قضائية واضحة، وإنشاء وحدة أمنية لحماية القضاة والمحاكم. والنتيجة ستظهر عندما يشعر القاضي لأول مرة بأن الدولة تحميه ولا تستعمله.

ب) ــ مرحلة إعادة البناء المؤسسي

وهدفها إعادة كرامة ومهنية القضاء على ثلاثة مستويات:

ــ الموارد البشرية بدأً من مراجعة التعيينات والترقيات بمعايير شفافة ووضع برنامج تأهيل مهني واسع للقضاة الشباب، وإعادة تفعيل المعهد العالي للقضاء بشكل حديث. ليس الهدف في هذه المرحلة التطهير السياسي”، بل فرز مهني قائم على الكفاءة والنزاهة.

ــ البنية الإجرائية، وتحديثها بدأً برقمنة الملفات القضائية، وتوحيد قواعد الإجراءات، والتقليل من زمن التقاضي.

ــ النيابة العامة التي تحتاج إلى إعادة بناء حسب معايير راسخة في السلك القضائي، بدأً بتحقيق استقلال فعلي للقضاء عن السلطات التشريعية والتنفيذية، وأيضا بتطوير قدرات التحقيق في الفساد المالي والإداري في سلك القضاء.

ج ) ــ مرحلة ترسيخ دولة القانون

وهدفها تحويل الاستقلال القضائي إلى ثقافة دائمة، وإدخال مبادئ سيادة القانون في التعليم المدرسي والجامعي، وتبني الشفافية الكاملة في نشر الأحكام القضائية، وتمكين المجتمع المدني من مراقبة العدالة، وتطوير قضاء إداري قوي يراقب الحكومة.

إن أخطر ما قد يُفشل محاولات الإصلاح هو تسييس “العدالة الانتقالية وتحويلها لتصفية حسابات وإقصاء جماعي للخصوم، كما أن تنفيذ برامج إصلاح سريعة ستفقد فيها المؤسسة القضائية خبرتها.

أما رواتب القضاة الضعيفة، فينبغي أن يتم تعديلها بحيث ينجح القضاة في التعامل مع قضايا الفساد وغلق باب الفساد المفتوح على مصراعية.

إن أخطر ما يخيف القاضي هو بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة.

ما الهدف الاستراتيجي الواقعي من التفكيك؟

ليس الهدف الوصول فوراً إلى نموذج مثالي، بل الهدف أن نصل إلى مؤسسة قضائية مستقلة نسبياً، ولتكن بطيئة لكنها نزيهة، فلا فائدة من قضاء سريع ولكنه خاضع وفاسد.

المؤشر الحقيقي لنجاح أدوات التفكيك خلال المرحلة القادمة هو انخفاض التدخل السياسي في القضايا الحساسة، وزيادة ثقة رجال الأعمال والمواطنين في المحاكم، وزيادة قدرة القضاء على محاسبة مسؤولين كبار دون انهيار سياسي.

إذا، يمكن تلخيص معادلة النجاح في تفكيك الجماهيرية في التالي: النجاح يتحقق بـ (إرادة سياسية + حماية أمنية + إصلاح مهني تدريجي + شفافية عامة = بداية حقيقية لدولة القانون)

السيناريو الأخطر هو اختطاف مشروع إصلاح القضاء وتحويله إلى أداة شرعنة لسلطة هجينة (سياسية – مسلحة) أي أن يبدو ظاهرياً أن هناك “إصلاحاً قضائياً”، بينما في العمق يتم إعادة إنتاج النموذج الجماهيري بأدوات جديدة. هذا السيناريو يبدأ عادة بالمراحل التالية:

المرحلة الأولى: إصلاح شكلي سريع، يبدأ بإصدار قوانين تحمل عناوين جذابة ولكنها خادعة، مثل (استقلال القضاء – مكافحة الفساد – تطهير المؤسسات)، وتعيينات جديدة تُقدَّم إعلامياً كـ “وجوه إصلاحية”، وإنشاء لجان أو هيئات مؤقتة خارج البنية القضائية التقليدية. والمشكلة هنا أن الإصلاح يصبح مركزياً ومسيّساً بدل أن يكون مؤسسياً.

المرحلة الثانية: إعادة تشكيل مراكز القوة داخل القضاء، وذلك بنقل قضاة وطنيين غير مرغوب فيهم إلى مواقع هامشية، وترقية قضاة موالين للسلطة الحاكمة أو قابلين للضغط، والسيطرة غير المباشرة على النيابة العامة، وفي هذه اللحظة لا يظهر انهيار واضح، بل القضاء يبدو مستقلاً… لكنه يتجنب القضايا الحساسة.

المرحلة الثالثة: توظيف القضاء في الصراع السياسي بفتح ملفات ضد خصوم سياسيين محددين، وتعطيل قضايا فساد مرتبطة بحلفاء السلطة، وإصدار أحكام ذات أثر سياسي كبير في توقيت حساس.

المرحلة الرابعة: فقدان الثقة المجتمعية، وتتجلى في لجوء المواطن للرشوة والوساطة الاجتماعية، وعودة فكرة “القوة فوق القانون. وهذه أخطر نقطة لأنها تعيد إنتاج فلسفة ما قبل الدولة ولكن بواجهة قانونية.

هذا السيناريو خطير جداً، لوجود ثلاث خصائص هيكلية تجعل الاختطاف الناعم أسهل من الانقلاب، والخصائص هي: تعدد مراكز القوة المسلحة، اقتصاد ريعي قابل للاختراق السياسي، إرث تاريخي من القضاء المسيّس منذ السبعينيات

هناك مؤشرات إنذار مبكرة، يمكن مراقبتها على الأرض. إذا ظهر بعضها فالمسار يصبح مقلقاً، منها:

ــ مؤشرات مؤسسية: تغييرات متكررة في قيادة المجلس الأعلى للقضاء، وإنشاء هيئات تحقيق موازية خارج النيابة، وتأخير غير مبرر في القضايا الكبرى.

ــ مؤشرات سلوكية: قضاة يتجنبون ملفات الفساد، تسريب انتقائي لأحكام أو مذكرات توقيف، تضخم دور “الصلح السياسي” بدل القضاء.

ــ مؤشرات أمنية: تهديد قضاة دون ردع واضح، وجود مجموعات مسلحة حول محاكم حساسة.

أما إذا استمر هذا المسار لعدة سنوات، فالنتيجة ستكون غالباً: قضاء موجود شكلياً، ودولة قانون ضعيفة، واقتصاد غير مستقر، وعودة دور الشخصنة بدل المؤسسة، وصعوبة أي انتقال ديمقراطي حقيقي.

______________

Related Articles