بقلم الشّايب

التشخيص البنيوي:

الأمن في الجماهيرية لم يُصمَّم لحماية المواطن، والقانون، والدولة، بل لحماية النظام من الدولة نفسها، لذلك لا عقيدة أمنية وطنية، ولا تسلسل مهني واضح، ولا فصل بين الأمن والسياسة، ولا رقابة مدنية حقيقية. الأمن في الجماهيرية هو أداة ولاء لا مؤسسة خدمة عامة.

مبدأ الجماهيرية الأمني الأخطر: لا قوة واحدة … بل قوى متنافسة، وأجهزة متعددة، ومهام متداخلة، وصلاحيات غامضة، وولاءات متناقضة. والهدف هو منع أي جهاز من أن يصبح دولة داخل الدولة. لكن النتيجة هي غياب الدولة أصلًا

كيف ورثت ليبيا هذا النموذج بعد 2011؟:

بعد سقوط النظام لم يحدث تفكيك أمني، ولم يحدث تأسيس جديد، بل حدث فراغ مملوء بالسلاح. فالميليشيات لم تنشأ من العدم، بل ورثت منطق اللجان الثورية، وعقلية الحماية الذاتية، وفكرة “الشرعية الثورية”، وهنا المفارقة: الميليشيات هي الابن الشرعي للنموذج الجماهيري الأمني

لماذا فشلت فبراير في بناء جيش وشرطة؟

لأن كل المحاولات اشتغلت على الشكل، لا على العقيدة، ومحاولات الدمج كانت مجرد دمج أفراد بلا ولاء وطني، وبلا تسلسل واضح، وبلا مساءلة، فأنت لا تدمج، مؤسسة… بل سوق سلاح

الأمن كفاعل سياسي في غياب الدولة:

السلاح يصبح سياسة، والأمن يصبح تفاوضًا، والقوة تصبح شرعية، وهذا امتداد مباشر لفكرة “الشرعية الثورية فوق القانون”.

أخطر نتيجة هي تطبيع العنف:

المجتمع يتعلّم أن القوة تحمي الحقوق، لا القانون، وأن العدالة أصبحت تفاوض لا إجراء مؤسسي، وهنا يُقتل مفهوم الأمن العام في الوعي الجمعي

لماذا يستمر هذا النموذج؟

لأنه يخدم الفاعلين المسلحين، ويخدم النخب السياسية الضعيفة، ويخدم القوى الخارجية، ويخيف المجتمع من أي “دولة قوية”، أي أن الجميع يخاف الدولة… لا الفوضى. وهذا هو جوهر الجماهيرية.

مبدأ التفكيكلا أمن بلا عقيدة وطنية، ولا عقيدة بلا سيادة مدنية، ولا سيادة بلا كسر شرعية السلاح.

لا يمكن إصلاح الأجهزة الأمنية، ولا دمج الميليشيات، ولا بناء جيش، قبل نزع الشرعية الرمزية عن السلاح. السلاح ليس مشكلة تقنية، بل مشكلة معنى.

الخلاصة:

أن الجماهيرية لم تُنتج دولة أمنية قوية، بل دولة خائفة من أمنها، ولهذا يتكرر العنف، وتتغير الوجوه، ويبقى المنطق الجماهيري الفوضوي

الجماهيرية كوعي اجتماعي: (حين يتحول الاستبداد إلى شعور بالأمان).

هذا هو القفل الأخير… . هذا الوضع سيكون أقل مؤسسيًا، وأكثر خطورة، لأنه يعيش في الناس، ويُعيد إنتاج كل ما سبق. إذا فُكِّك هذا القفل، يمكن لكل ما سبقه أن يسقط، وإذا بقي، فكل تفكيك مؤسسي سيُعاد ابتلاعه.

إن أخطر ما فعلته الجماهيرية أنها لم تكتفِ بالسيطرة على الدولة… بل أعادت تشكيل علاقة الليبي بنفسه وبالسلطة وبالمجتمع، وهذا ما لا تسقطه الثورات.

ماذا فعلت الجماهيرية بالوعي؟

الجماهيرية لم تُنتج مواطنًا بل رعية تخاف السياسة وتحتقر الدولة. سمات هذا الوعي المجتمعي أن الخوف هو من الدولة لا من الاستبداد، فالدولة تعني القمع، والقانون هو أداة بطش، والنظام هو الخطر، بينما الفوضى هي الحرية، والسلاح هو الحماية، والجماعة أمان، وهذا قلب كامل للمنطق الحديث.

الجماهيرية شيطنت السياسة، فالسياسة هي خيانة، و الأحزاب مؤامرة، والبرلمان فساد، هذه ليست أفكار بريئة بل ميراث مباشر لشعار “من تحزّب خان”. كما نشرت تقديس “الشارع” الثوري، فالشارع أصدق من المؤسسات، والهتاف أصدق من التصويت، والغضب أصدق من البرنامج. وهذا هو جوهر الحكم الجماهيري.

لماذا هذا الوعي ما زال قويًا؟

لأنه لم يُستبدل بوعي بديل، ولم يُناقش علنًا، ولم يُعالج تربويًا، ولم يُفكك ثقافيًا. فبعد 2011، انهار النظام، لكن لم تُبنَ الدولة، فصار الحنين للنظام دفاعًا عن النفس

الجماهيرية كذاكرة نفسية:

كثير من الناس لا يدافعون عن الجماهيرية كفكر، بل كذكرى استقرار، حتى لو كان وهميًا. الذاكرة هنا انتقائية ـ عاطفية ـ دفاعية، وهذا يجعل تفكيكها حساسًا وخطيرًا.

أخطر آلية هي إعادة إنتاج المقارنة الخاطئة:

كان فيه أمن” في زمن الرعب، و كان فيه دولة” في زمن اللادولة، واليوم أسوأ من قبل” في زمن المرأة تحيض والرجل لا يحيض.

فالمقارنة هنا ليست بين الجماهيرية والدولة المدنية، بل بين الجماهيرية والفوضى، وهذا فخ قاتل.

أثر هذا الوعي المجتمعي:

أي مشروع تفكيكي يُتَّهم بالعمالة، أو بالفوضوية، أو بالرجوع للاستبداد، أو بتقسيم البلاد، لأن الوعي لا يرى الدولة إلا كنسخة محسّنة من القمع.

لماذا لا يكفي الخطاب الحقوقي؟

لأن الناس لا تعيش بالحقوق المجردة، بل بالأمان والكرامة اليومية. الجماهيرية خاطبت الغريزة لا العقل، وأي تفكيك يتجاهل هذا يفشل.

مبدأ التفكيك (النهائي): لا دولة بلا مواطن، ولا مواطن بلا ثقة، ولا ثقة بلا معنى جديد للأمان

فكرة مفصلية: تفكيك الجماهيرية اجتماعيًا لا يكون عبر شيطنتها أو السخرية منها أو اجترار جرائمها فقط بل عبر نزع احتكارها لمفهوم “الاستقرار”

الخلاصة: الجماهيرية اليوم لا تحكم بالقوة بل بالخوف من البديل وكل مشروع دولة إن لم يَعِ هذا، سيتحوّل إلى فوضى أو استبداد جديد

___________

Related Articles