بقلم الشّايب

من أهم وأخطر المؤسسات السيادية في ليبيا هي المؤسسة الوطنية للنفط، والتي تشرف على 90% من دخل الدولة الليبية، ولذلك أثر الجماهيرية في هذه المؤسسة قاتل وخطير جدا، وخاصة عندما يتولاها أحد رموز النظام الجماهيري.
وبالتالي هناك استحالة لبناء دولة قادرة على إدارة الموارد النفطية بكفاءة والحفاظ على الثروة النفطية تحت وفوق الأرض. فلابد من تفكيك هذا الإرث الجماهيري في هذه المؤسسة؟
تفكيك الإرث الجماهيري في المؤسسة الوطنية للنفط: تحديات وحلول
من المهم توضيح أن المؤسسة الوطنية للنفط شهدت تغييراً خطيرا في إدارة المؤسسة في يوليو 2022، حيث تم تعيين فرحات بن قدارة (محافظ مصرف ليبيا المركزي الأسبق في عهد القذافي) خلفاً لمصطفى صنع الله. وبهذا التوضيح ندخل في عمليات التفكيك عبر المحاور التالية:
أولا: طبيعة الإرث الجماهيري في المؤسسة
تميزت إدارة المؤسسة خلال وبعد فترة الجماهيرية (وفي مرحلة ما بعد 2011) بثلاث سمات رئيسية:
مركزية القرار: حيث تركزت السلطة في يد شخص واحد، مما جعل المؤسسة رهينة للصراعات السياسية.
الافتقار إلى الشفافية: بسبب غياب آليات واضحة لتوزيع الإيرادات، مما أدى إلى اتهامات متكررة باستخدام عوائد النفط كـ“سلعة سياسية” .
التدخل السياسي: وقد تجلي بوضوح في تعيين القيادات على أساس الولاءات لا الكفاءة، وهو ما برز في محاولات إقالة المديرين السابقين بسبب خلافات مع الوزراء أو رؤساء الحكومات .
ثانيا: هل تفكيك الإرث ممكن؟ وما هي مسارات الحل؟
بناءً على التقارير الدولية وتحليلات الخبراء، يمكن اتباع مسار متعدد المحاور لتفكيك هذا الإرث:
أ) الفصل المؤسسي الكامل (إزالة الشخصنة)
ــ إخراج المؤسسة من الصراع السياسي: تشير الدروس المستفادة من نجاح المؤسسة في البقاء موحدة بعد 2011 إلى أن استمرار الحياد هو مفتاح النجاح. أكدت السفارات الغربية (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا) على ضرورة احترام “استقلالية ووحدة” المؤسسة وعدم إخضاعها للصراعات السياسية .
ــ إنهاء ازدواجية الولاء: هناك حاجة ماسة لفصل منصب رئيس المؤسسة عن أي تبعية وزارية مباشرة لمنع الصراع على الصلاحيات، كما حدث سابقاً بين رئيس المؤسسة ووزير النفط .
ب. العمل بحوكمة الشفافية والمحاسبة
ــ توحيد الميزانية: وفقاً لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فإن 71% من الليبيين يعربون عن قلقهم البالغ من الفساد، ويعتبرون غياب الشفافية في تدفقات إيرادات النفط مسبباً رئيسياً للأزمة. الاتفاق على ميزانية وطنية موحدة وشفافة هو الشرط الأساسي لتفكيك هيكل الفساد القديم .
ــ التدقيق العملي: العودة إلى نظام تراخيص شفاف، كما حدث في جولة التراخيص النفطية الأخيرة التي تمت بالتعاون مع شركات عالمية كبرى (شيفرون، توتال، إيني)، يخلق آلية رقابية دولية تحد من الاجتهادات الفردية في منح العقود .
ج) معالجة الانقسام السياسي (مشكلة الهيكل وليس الأشخاص)
من المستحيل تفكيك الإرث الجماهيري دون معالجة الانقسام القائم حالياً، وبالتالي لابد من:
مواجهة المؤسسات الموازية: ظهور شركات مثل “أركنو للنفط” في الشرق والتي تعمل خارج إطار المؤسسة الوطنية يشكل تهديداً لتفكيك المؤسسة بدلاً من إصلاحها . وتفكيك الإرث الجماهيري يعني القضاء على أي محاولة لإنشاء مؤسسات نفطية موازية تعيد إنتاج ذات العيوب القديمة.
إنهاء “الانتقال الدائم“: يصف خبراء الوضع الحالي بأنه “انتقال دائم” حيث تُستخدم العملية السياسية كمبرر لتعطيل الإصلاحات الحقيقية .
د) بناء القدرات المؤسسية بدلاً من الاعتماد على الأفراد
العقود طويلة الأجل: التحول من العقوبات قصيرة الأجل إلى عقود تنمية طويلة الأجل (مثل اتفاق الـ 25 عاماً مع توتال وكونوكو فيليبس) يُخرج إدارة الحقول من دائرة الضغط السياسي اليومي إلى إطار استثماري ملزم .
التخطيط الاستراتيجي: اعتماد خطة التحول الاستراتيجي بالتعاون مع شركات استشارية عالمية، والتي تركز على تعظيم الإنتاج وتحديث الحوكمة، وذلك يمثل خطوة نحو إضفاء الطابع المؤسسي وإزالة الطابع الفردي عن الإدارة .
الخلاصة
تفكيك الإرث الجماهيري في المؤسسة الوطنية للنفط لا يمكن أن يتم عبر قرار إداري واحد (مثل تغيير المدير العام فقط)، بل يحتاج إلى:
ــ إرادة سياسية تدعم الفصل بين السياسة وإدارة الثروة.
ــ آليات قانونية تمنع الازدواجية وتلزم بالشفافية في توزيع الإيرادات.
ــ شراكات دولية تضمن استمرار الإنتاج وفق معايير حوكمة دولية، مما يُحدث تغييراً في ثقافة العمل من ثقافة “الولاء” إلى ثقافة “الأداء“.
***********
مسار التفكيك الهادئ
على الرغم من أن تعيين شخصيات مرتبطة بالنظام السابق قد يُنظر إليه على أنه استمرار للإرث، إلا أن الاتجاه الحالي نحو العقود طويلة الأجل والرقابة الدولية والضغوط الأممية لتوحيد الميزانية يُشير إلى وجود مسار موازٍ لتفكيك ذلك الإرث، وإن كان ذلك يواجه تحديات كبيرة بسبب الانقسام السياسي المستمر.، ولذلك لابد من خطوات عملية لتفعيل التفكيك الهادئ للأثر الجماهيري في المؤسسة
بناءً على تحليل المشهد الليبي الحالي، يمكن تفعيل “التفكيك الهادئ” للأثر الجماهيري في المؤسسة الوطنية للنفط وحقولها عبر استراتيجية متعددة المسارات تركز على تجريد المؤسسة من الشخصنة، وتحييدها عن الصراعات القبلية والجهوية، وبناء بدائل مؤسسية تجعل العودة إلى النمط القديم مستحيلة عملياً.
فيما يلي الخطوات المطلوبة:
أولا: تحصين المؤسسة بالشفافية والقواعد الملزمة
أ) ــ تفعيل الإفصاح الدوري الملزم: الخطوة الأكثر تأثيراً في تفكيك الإرث الجماهيري هي قتل ثقافة “السرية” التي كانت تغلف القرارات. وفقاً لتحليلات الخبراء، فإن الإفصاح المنتظم والملزم هو السلاح الأكثر فعالية ضد الفساد والمحسوبية، وذلك من خلال:
-
الإفصاح الفوري عن الحوادث الأمنية: كما حدث في حادثة اقتحام مقر المؤسسة مايو 2025، حيث أن النشر الفوري للحقائق (من خلال مكتب النائب العام) حال دون تحول الحادثة إلى أزمة سياسية كبرى .
-
الإفصاح ربع السنوي عن العقود والميزانيات: يجب أن تصبح تقارير العقود النفطية وإيراداتها متاحة للجمهور بشكل دوري ومنتظم، وليس عند حدوث أزمات فقط. هذا النوع من الشفافية يجعل من المستحيل إعادة إنتاج نموذج “الإدارة الفردية” القديم .
-
التدقيق على تدفقات الإيرادات: بما أن المؤسسة توفر 97% من دخل الدولة، فإن وجود آلية تدقيق دولية (بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة) يخلق رادعاً خارجياً ضد أي محاولة لتحويل الإيرادات خارج الإطار الرسمي .
ب) ــ هيكلة المؤسسة لتقليل النفوذ الفردي
-
إغلاق الفروع الخارجية غير الضرورية: بمعنى البدء في تقييم وإغلاق بعض فروع الشركات التابعة للمؤسسة (مثل شركة خدمات نفط المتوسط)، فهذه الخطوة تقلل من “الدولة الموازية” داخل المؤسسة وتجعل الإدارة أكثر قابلية للمراقبة .
-
توحيد نظام القيادة والسيطرة الأمنية: الربط بين غرف العمليات العسكرية المختلفة (كما جرى في منطقة سبها) يضمن ألا تكون حماية الحقول مرهونة بولاءات قبلية أو مليشياوية متفرقة .
ثانيا: تحييد النفوذ القبلي والمليشياوي عبر إعادة هيكلة الحماية
أ) ــ إخراج الحقول من اقتصاد الميليشيات
من أخطر أثار الجماهيرية هو تحويل الحقول النفطية إلى “أوراق ضغط” تحت السلاح، ولذلك لابد مكن تفكيك تلك السياسة عبر:
-
تعزيز دور حرس المنشآت النفطية كمؤسسة وطنية لا قبلية: بدلاً من ترك حماية الحقول لمليشيات محلية متفرقة، ينبغي اتخاذ خطوات لتعزيز أمن المنشآت وربطها بغرفة عمليات مركزية تحت إدارة المؤسسة نفسها، وليس تحت سلطة قائد عسكري ميداني.
-
توظيف العقود طويلة الأجل كحاجز أمني: لعل تجربة توقيع عقود لمدة 25 عاماً مع شركات مثل توتال إنرجي وكونوكو فيليبس بقيمة 20 مليار دولار تعني أن أي مجموعة قبلية أو مليشياوية عندما تتجرأ على غلق حقل نفطي، ستدرك أنه لن تغلق فقط مصدر دخل الحكومة، بل ستغلق استثمارات لشركات كبرى ذات ثقل دولي. هذا يجعل تكلفة الابتزاز السياسي مرتفعة جداً لدرجة تردع معظم الفاعلين المحليين .
ب) تجفيف منابع التهريب (الممول الرئيسي للمليشيات)
-
استهداف منظومة تهريب الوقود: إن تهريب الوقود المدعوم هو العصب المالي للمليشيات. وبالتالي تفكيك الإرث الجماهيري يتطلب ملاحقة هذه الشبكات قضائياً، كما حدث بالفعل عندما أعلن النائب العام في طرابلس عن إدانة مهربين في المنطقتين الغربية والجنوبية بكميات تجاوزت 1.1 مليون لتر من الديزل .
-
تفعيل دور منسق الامتثال: العودة إلى نموذج الخبراء الذين عملوا على حظر التصدير غير الشرعي مما يخلق جداراً مؤسسياً ضد محاولات الالتفاف على الشرعية الدولية لتصدير النفط .
ثالثا: استراتيجية ثقافة الإنجاز
المقصود بالتفكيك الهادئ هو الذي يتم عبر الانتقال من ثقافة الولاء إلى ثقافة الأداء من خلال:
أ) حماية الكوادر التقنية: فالتجربة أثبتت أن استمرارية الخبراء التقنيين هي الضمان الحقيقي لاستمرار الإنتاج رغم الاضطراب السياسي . ولحماية هؤلاء ينبغي القيام بـ:
-
تطويق منصب الرئيس التنفيذي: بدلاً من أن يكون الرئيس هو “الرجل القوي” الذي يملك كل الصلاحيات، يتم تفعيل دور مجلس الإدارة وصلاحياته.
-
استمرارية التوظيف رغم التغييرات السياسية: كما حدث مع بعض الخبراء الذين استمروا في مناصبهم الفنية خلال فترات متعددة من الصراع، فإن ضمان ألا يكون التجديد السياسي سبباً لفقدان الكفاءات هو مفتاح تفكيك النمط القديم.
ب) استغلال الإجماع الدولي
هناك توافق دولي غير مسبوق على ضرورة حماية وحدة المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي. وبالتالي ينبغي استثمار هذا الإجماع عبر:
-
وضع المؤسسة خارج الصراع السياسي: أي محاولة لإعادة إنتاج النموذج القديم (مثلاً عبر إنشاء مؤسسة نفط موازية في الشرق) ستواجه رفضاً دولياً فورياً، كما حدث سابقاً بموجب قرار مجلس الأمن 2362 .
-
ربط الدعم السياسي بالإصلاح: يمكن للدول الداعمة أن تجعل استمرار دعمها السياسي مشروطاً باستمرار مسار الشفافية والإصلاح المؤسسي .
رابعا: التعامل مع الحقوق القبلية دون تسييس النفط
أ) ــ تحويل المطالب القبلية من “إغلاق الحقل” إلى مشاركة في التنمية: فالسيطرة القبلية على الحقول غالباً ما تكون ناتجة عن شعور بالتهميش. ولتفكيك هذا النفوذ لابد من:
-
ربط المناطق المنتجة بمشاريع تنموية واضحة: عندما يرى أبناء المنطقة أن الحقل النفطي يجلب لهم مدارس ومستشفيات وفرص عمل، يضعف مبرر إغلاقه كورقة ضغط سياسي.
-
الاعتراف بالهيكل الإداري اللامركزي: حيث يمكن للدولة أن تتبنى شكلاً من أشكال اللامركزية الإدارية التي تستوعب الخصوصيات القبلية والإقليمية دون أن تمنحها حق “الاعتراض المسلح” على الإنتاج الوطني .
ب) احتواء التوترات عبر الوساطة المؤسسية لا المسلحة: وبالتالي عند وقوع نزاعات قبلية حول الحقول (كما يحدث في منطقة سبها والمناطق الجنوبية)، يجب أن تكون المؤسسة الوطنية للنفط طرفاً في الحل عبر:
-
تفعيل آليات الوساطة المحلية: من خلال الاستعانة بالأعيان والحكماء، مع ضمان أن تكون التسوية النهائية مؤسسية لا فردية، حتى لا يعود إنتاج ذات المحسوبية التي ميزت العهد السابق .
خلاصة: لماذا هذا النهج الهادئ فعّال؟
التفكيك الهادئ يختلف عن المواجهة المباشرة التي قد تؤدي إلى انهيار المؤسسة. هذا النهج يعتمد على:
ــ ترسيخ حقائق على الأرض (عقود طويلة الأجل، شفافية ملزمة) تجعل العودة إلى النموذج القديم مستحيلة.
ــ تحييد المبررات (تنموياً وأمنياً) التي تستخدمها المجموعات القبلية والمليشياوية لتبرير سيطرتها على الحقول.
ــ الاستفادة من الإرادة الدولية التي باتت تدرك أن استقرار ليبيا يبدأ من حماية مؤسساتها السيادية، وليس من دعم أفراد بعينهم .
الهدف النهائي هو تحويل المؤسسة الوطنية للنفط من سلعة سياسية اقتصادية تُستخدم كورقة ضغط، إلى مؤسسة عامة تخضع لقواعد واضحة، يحمي القانون استمراريتها، وتُقيّم بناءً على أدائها في الإنتاج والشفافية، وليس على ولاءات مديرها التنفيذي.
___________