بقلم الشّايب

السؤال الجوهري: هل اللحظة الحاسمة قريبة أم أن الليبيين سيظلون في منطقة الانتظار القاسي لسنوات قادمة؟

الانتظار الشعبوي هو السائد، وهذا ليس كسلاً أو جهلاً من الناس، بل هو نتاج طبيعي لخمسة عقود من سياسة لا تثق بأحد غير القائد ، ثم هناك العقد التي تكونت من الحرب والانقسام.

المواطن الليبي اليوم في حالة استنزاف وجودي، لم تعد لديه طاقة للثورات أو التعبئة المستمرة، لكنه في المقابل فقد الثقة في كل من حكم.

هذا الانتظار ليس سلبياً بالكامل. يمكن قراءته على أنه تراكم للوعي وبحث عن اللحظة الصحيحة، وليس رفضاً للتغيير. المطلوب هو تحويل هذا الانتظار من حالة جمود إلى طاقة تخزين استراتيجية تُطلق في اللحظة المناسبة.

كيف نتحسّس المدخل واللحظة المناسبة؟

إذا استخدمنا استعارة وضع القطار على السكة. المشكلة أن القطار (الدولة) متوقف منذ زمن، والسكة (النظام الدستوري والمؤسسي) مهدومة. ولذلك لا يمكن تشغيل القطار قبل إعادة بناء السكة، ولا يمكن بناء السكة دون ورشة عمل وطنية.

المدخل الذي نبحث عنه يجب أن يجمع ثلاثة عناصر:

الأول: مدخل قانوني دستوري (الشرعية المؤسسة)

أي حكومة تأسيسية دستورية يجب أن تستند إلى مرجعية قانونية مقبولة. وأفضل إطار متاح اليوم هو اتفاق الصخيرات (2015) مع تعديلاته، رغم عيوبه، لأنه الإطار الوحيد الذي حظي بغطاء دولي ومحوري.

الثاني: مدخل عمليدعوة ملتقى وطني موسع (ليس حواراً سياسياً ضيقاً)

هذا الملتقى يضم البلديات المنتخبة (أكثر جهات شرعية اليوم)، والنقابات المهنية (نقابة المحامين، المهندسين، الأطباء)، والشخصيات الوطنية المستقلة، والأحزاب الوطنية، وممثلين عن المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بصفة فردية لا مؤسسية.

هدف هذا الملتقىالاتفاق على خارطة طريق لانتخاب جمعية تأسيسية، وعلى ترتيبات أمنية ومالية تحمي المسار.

الثالث: مدخل مالي اقتصادي (الضغط الواقعي)

الانهيار الاقتصادي هو أخطر سلاح لخلق اللحظة المناسبة، فعندما تصل الأمور إلى نقطة أن المرتّب لا يكفي للخبز، أو أن الخدمات تنهار تماماً، يصبح البديل واضحاً. وحينئذ يمكن استغلال هذه اللحظة عبر ربط أي دعم مالي أو نفطي بآليات شفافة، مثلا: (صندوق موحد لإيرادات النفط تحت إشراف دولي ورقابة وطنية، يُصرف منه فقط على الرواتب والخدمات الأساسية، وأي صرف خارج ذلك يحتاج موافقة هيئة وطنية مستقلة. هذا يجبر الجميع على الجلوس إلى طاولة الحل المؤسسي، لأن الفرصة المؤقتةستصبح بلا فيء.

الرابع: مدخل مجتمعي إعلامي (بناء الوعي التراكمي)

اللحظة المناسبة لا تأتي من فراغ، بل تُحضّر، والمطلوب حملة وطنية منهجية (ليست عشوائية) تهدف إلى:

  • توعية المواطن بأن الدولة المؤسسة هي الحل الوحيد لاستقرار الخدمات والمرتب والكرامة،

  • وتفكيك شرعية المؤقتين عبر كشف التكلفة الحقيقية لاستمرارهم. (كل شهر تأخير في بناء الدولة يعني عشرات الملايين من الدينارات تذهب لجيوب غير المستحقين)

  • وبناء رأي عام بأن الجمعية التأسيسية ليست حكراً على الفاعلين التقليديين، بل يمكن انتخاب وجوه جديدة ونخب مهنية.

كيف نضع القطار على السكة؟

نحن نتحدث عن حكومة تأسيسية دستورية. هذا مفهوم دقيق. هي ليست حكومة تسيير أعمال، بل حكومة مهمتها الوحيدة هي إتمام الاستحقاق الدستوري والانتخابي، ثم تنتهي.

ملامح هذه الحكومة التأسيسية:

ــ ضئيلة العدد: (لا تتجاوز 10 وزراء): الداخلية (لتأمين الانتخابات)، المالية (لإدارة التمويل بشفافية)، العدل (للمسار القانوني)، الخارجية (للتنسيق الدولي)، والتخطيط (للمشروع الوطني)، والباقي وزراء خدمات أساسية فقط.

ــ مهمتها محددة بزمن: 18 شهراً كحد أقصى، تنتهي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس دستور دائم.

ــ صلاحياتها مقيدة: لا تملك التعيينات في المناصب القيادية، ولا عقوداً كبرى، ولا تغييراً في الهياكل. كل هذه الصلاحيات تنتقل إلى هيئات مستقلة مؤقتة حتى انتخاب السلطات الدائمة.

ــ آلية تشكيلها: عبر ملتقى وطني موسع (كما سبق)، وليس عبر التوافقات الضيقة التي أنتجت الحكومات السابقة.

متى تكون اللحظة مناسبة؟

اللحظة المناسبة تتحدد بثلاثة مؤشرات:

عجز الأطراف الحالية عن الاستمرار: عندما يصل الانسداد إلى درجة أن الحكومة الحالية تفقد القدرة على صرف المرتبات أو تأمين الخدمات الأساسية.

ضغط دولي موحد: عندما تتحول الرعاية الدولية من إدارة الأزمةإلى فرض الحل المؤسسي. هذا يحدث عندما تتفق القوى الكبرى (أمريكا، أوروبا، تركيا، مصر، الإمارات) على أن استمرار الوضع الحالي يكلفها أكثر من الحل.

ــ ظهور نواة وطنية جامعة: مجموعة من الشخصيات والمؤسسات (البلديات، النقابات، المشايخ، النخب) تعلن مبادرة واضحة وتجذب تأييداً شعبياً واسعاً، فتصبح البديل الذي لا يمكن تجاهله.

كيف نتحسّس المدخل؟

الإجابة العملية اليوم هي:

العمل على المستوى الموازي، وليس انتظار الأطراف الحالية لإصلاح نفسها.

وبناء تحالف وطني غير سياسي (بلديات + نقابات + شخصيات وطنية) يكون بمثابة الضامن الشعبيلأي مسار تأسيسي،

وتقديم مشروع دستوري وقانوني جاهز (نظام الحكم، قانون الانتخابات، قانون الخدمة المدنية) كنموذج للنقاش، بدلاً من الدخول في صراع تجريدي حول المبادئ.

استخدام اللحظات الحرجة (أزمة مرتبات، أزمة وقود، انقطاع كهرباء واسع) لطرح البديل المؤسسي كحل عملي، وليس كشعار سياسي.

ختاماً

الليبيون اليوم في حالة غليان صامت. السؤال ليس هل سيتحركون؟بل متى ومَن يقود؟

ما وصفناه بـالانتظار الشعبوييمكن تحويله إلى رصيد استراتيجي إذا ما تم توجيهه نحو هدف واضحدولة القانون والمؤسسات.

اللحظة المناسبة ستأتي حتماً، لأن استمرار اللا دولةيعني المزيد من الانهيار. المطلوب هو أن نكون مستعدين بفكرة واضحة، وتحالف جاهز، وخارطة طريق مقنعة، لنضع القطار على السكة في أقرب فرصة.

هل هناك أي مبادرة وطنية حالية يمكن البناء عليها، أم أننا بحاجة لبدء بناء نواة جديدة من الصفر؟

الطريق طويل بالتأكيد، لكن وجود عقول تسألكيف؟ وليس فقط لماذا؟ هو بداية أي نهضة حقيقية.

إذا وصلت هذه الأفكار إلى من يهمه الأمر، أو إذا تطورت إلى مبادرة عملية في يوم من الأيام، والأمل كبير في كل ليبي يحلم بدولة القانون والمؤسسات، وكل من يعمل بصمت من أجل أن يأتي ذلك اليوم.

_____________

Related Articles