بقلم الشّايب

ضعف الإدارة الليبية الذي يعاني منه الوطن، جعل المواطن يتساءل:

هل هناك شخصيات وطنية داخل منظومة الحكم الحالي التي لديها مصلحة استراتيجية في تفكيك هذا الوضع المأساوي؟ 

وهل هناك من لديهم رؤية واضحة لكيفية تفكيك هذا النظام الإداري الذي هو امتداد للنظام الجماهيري؟

الواقع أن أي إصلاح إداري، مهما كان شكله، سيحتاج إلى دعممن داخل النظام، حتى لو لم يكن الدعم مثالياً.

هناك قلة من هذه الفئة المتنفذة من يفكر في هذه المسألة، ولكن الأغلبية يديرون وظائفهم بدون استراتيجية إدارية، وأكثر ما يهمهم هو الاستفادة السريعة من هذه الفرصة

هذه هي الذروة المأساوية للأزمة. عندما يتحول الحكم إلى فرصة مؤقتة للاستفادة السريعةبدلاً من مسؤولية وطنية، فإن الدولة بأكملها تتحول إلى سوق عابر للمنافع، حيث لا وجود لمشروع وطني، ولا استراتيجية، ولا حتى رغبة في ترك أي أثر إيجابي. إنها مجرد اغتنام الفرصحتى نهاية التكليف.

هذا الواقع يعني أننا لم نعد أمام مشكلة إصلاح إدارييمكن حله بأدوات إدارية تقليدية. نحن أمام حالة من تفكك العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، حيث أصبح المواطن الليبي في مواجهة دولة مؤقتةيديرها أشخاص يعتبرون أنفسهم في سباق مع الزمن لتحقيق مكاسب شخصية قبل أن تنتهي فرصتهم“.

إذا كان هذا هو التشخيص، فإن الحل لا يمكن أن يأتي من هؤلاء أنفسهم، ولا حتى من الضغط عليهم للإصلاح (لأنهم لن يبقوا طويلاً ليروا نتائج أي إصلاح).

الحل يجب أن يكون في اتجاهين متوازيين:

الأولتقليل الضرر عبر عزلالإدارة عن السياسة.

وبما أن السياسي (الوزير، الوكيل، المدير) يعتبر وجوده فرصة عابرة، يجب ألا يكون قادراً على إحداث ضرر دائم. وهذا يتطلب:

ــ تجفيف صلاحيات التعيين والترقية من يد المؤقتين، بنقل صلاحية التعيينات والتعاقدات إلى هيئات مستقلة لا تتغير بتغير الوزراء. أي أن التعيين الذي يتم خلال فترة وجود وزير معين لا يصبح مكتسباًتلقائياً، بل يخضع لمراجعة بعد انتهاء فترة الوزير.

ــ تجريد المناصب القيادية من سلطة الصرف المباشر، بمعنى أن أي صرف مالي فوق سقف معين ينبغي أن يمر عبر لجنة فنية دائمة، وليس بقرار فردي من المؤقت“. هذا يحول الوزير من حاكمإلى مشرففقط.

ــ توثيق كل القرارات الإدارية رقمياً وببصمة لا تقبل الطمس، فكل قرار يصدر خلال فترة أي مسؤول يجب أن يكون مرتبطاً باسمه رقمياً، ويكون قابلاً للمساءلة حتى بعد انتهاء مهمته. هذا يخلق رادعاً: “لن تستطيع أن تقول بعد كام سنة لم أكن موجوداً“.

الثانيبناء الدولة الدائمةتحت أقدام المؤقتين.

فإذا كان من يديرون الوزارات اليوم لا يفكرون إلا في لحظتهم الحالية، فإن الحل هو بناء مؤسسات موازية تعمل بمنطق الديمومة، بحيث تصبح الوزارات التقليدية مجرد واجهة سياسية بلا محتوى فعلي. وهذا يتم عبر:

ــ إنشاء كيانات خدماتية مستقلة بموجب قوانين خاصة، مثل: الهيئة الوطنية للخدمات الإلكترونية، الهيئة الوطنية للمشتريات، الهيئة الوطنية للرقابة المالية، وتكون إداراتها فنية دائمة، وتتمتع باستقلال مالي وإداري، وتتعامل مباشرة مع المواطن، متجاوزة الوزارات العابرة“.

ــ تفعيل دور ديوان المحاسبة والمفتش العام كجهاز رقابي دائم، وبالتالي يُمنح هذين الجهازين صلاحية تجميد أي قرار مالي أو إداري صادر عن مسؤول مؤقتإذا كان مخالفاً للمعايير الفنية. ويجب أن تكون تقاريرهما منشورة وعلنية، لكسر حلقة التغطية على الفساد.

ــ التحوّل السريع إلى الحكومة الإلكترونية. بمعنى أن أي إجراء ورقي هو وسيطوتأخيروفرصة للاستفادة“. فالتحول الرقمي يقصي الوسيط، وعندما يكون المواطن قادراً على إنجاز معاملته من هاتفه دون حاجة لمراجعة أي موظف، فإن سلطة المؤقتتنهار.

الثالثتحويل الفرصة المؤقتةإلى مصيدة مساءلة:

فإذا كان هَمّ المسؤول هو الاستفادة السريعة ثم الرحيل، فيجب أن يكون هناك إطار يجعل الاستفادة السريعةمكلفة على المدى الطويل، من خلال:

ــ إلزام كل مسؤول بتقديم إقرار ذمة مالية عند التعيين وعند الانتهاء. فأي تضخم غير مبرر في الثروة خلال فترة وجوده في المنصب يُعتبر قرينة على الفساد. هذه الإقرارات يجب أن تكون قابلة للتدقيق من قبل هيئة مستقلة، وليس مجرد إجراء شكلي.

ــ إصدار قانون يحظر على المسؤولين السابقين تولي أي منصب في الشركات المتعاقدة مع الدولة لمدة 5 سنوات. هذا سيكسر حلقة الدورانبين المنصب العام والاستفادة الخاصة.

ــ إنشاء منصة وطنية لرصد أداء المسؤولين. هذه المنصة الإلكترونية المفتوحة للمواطنين تنشر قرارات كل مسؤول، والتعيينات التي أجراها، والمبالغ التي صرفها. وتكون هذه المنصة مرجعاً دائماً للناخبين والمجتمع المدني، بحيث لا يفلت أي مسؤول من التاريخ.

السؤال الحاسم: هل المجتمع الليبي قادر على فرض هذه الإجراءات؟

كل ما سبق يحتاج إلى قوة دافعة. بما أن الإرادة السياسية مفقودة، فإن هذه القوة لا يمكن أن تأتي إلا من:

ــ ضغط مجتمعي منظم ليس مجرد غضب عابر، بل حركة ممنهجة تطالب بقوانين محددة.

ــ دور للمجتمع المدني والنقابات المهنية في مراقبة الأداء وكشف المتلاعبين.

ــ استعداد جزئي من بعض النخب داخل النظام (مهما كان عددهم قليلاً) لتبني هذه الأفكار كبوابة لتغيير حقيقي.

الوضع الراهن يشي بمشكلة جوهرية، وهي أن الحكومات الإنتقالية تعمل بلا مشروع، والموظفون بلا مهام محددة، والمسؤولون بلا مسؤولية. في ظل هذا الفراغ، يصبح المواطن الليبي وحيداً في مواجهة دولة الفرص المؤقتة“.

المطلوب ليس مجرد إصلاح إداري، بل هندسة دولة جديدة فوق أنقاض نظام قائم على اللانظام. الجماهيرية لم تكن مجرد نظام حكم، بل كانت ثقافة وسلوك وعلاقة بالسلطة، تحولت فيها الإدارة إلى لا إدارة، والسياسة إلى لا سياسة، والمواطن إلى تابعوليس صاحب حق“.

لذلك، فإن التخلص من أثر الجماهيريةليس عملية نقل صلاحيات أو تغيير قوانين، بل هي عملية تأسيسية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وبين السياسي والإداري، وبين المؤسسة والفرد.

___________

Related Articles