بقلم الشايب
بما أن الجماهيرية اليوم ليست نظام حكم، بل منظومة متغلغلة في جسد الدولة الليبية منذ فبراير 2011، المطلوب هو مشروع تفكيكي تدريجي.
وقبل أي فعل، علينا أن نحدد الهدف بدقة، بمعنى أن نحدد ما نريد أن نفككه، فالجماهيرية اليوم هي فلسفة سياسية لا تزال حاضرة ومتمثلة في (الشرعية الثورية، وكراهية الدولة، وتمييع المسؤولية).
كما أن قوانين الجماهيرية وتشريعاتها لا زالت نافذة ولم تُلغ أو تُعدل، فضلا عن شبكات المصالح الواسعة والتي تعيش وتنمو على الفوضى والغموض، وينعكس كل ذلك في ممارسات إدارية وأمنية ترسّخ الفساد الإداري والمالي، وثقافة مجتمعية قائمة على الخوف والرعب، وعلى الاتكالية، وتقديس الأمر الواقع.
إذًا المشروع التفكيكي لا يستهدف أشخاصا أو قبائل أو مدن بعينها، بل يستهدف منطق سياسي وإداري وأمني للحكم وأدواته المختلفة، وله مستويات مختلفة، وهي:
ــ تفكيك فكري، يكسر الشرعية الرمزية ويهدف إلى نزع “قدسية” الجماهيرية دون صِدام معها. ويبدأ بتفكيك الكتاب الأخضر كمحتوى، لا كرمز، ويكشف التناقض بين “سلطة الشعب” وواقع القمع الذي عاناه. ويسعى التفكيك الفكري في النهاية إلى إنتاج خطاب بديل، يرسخ فكرة أن إعادة بناء الدولة لا تعني العودة لاستبداد الدولة بل تعني ترسيخ الحريات والحقوق والأمان. هذا التفكيك الفكري لا يعتمد في تنفيذه على السلطة، بل يحتاج إلى سردية جديدة، يتولاها إعلام مستقل، وصحفيون، ومنظمات مجتمع مدني، ومثقفون، وكُتّاب، وأساتذة.
ــ تفكيك قانوني، ينظف الأرضية، ويستهدف إنهاء استمرار الجماهيرية كقانون وتشريع، ويبدأ بحصر شامل لكل القوانين واللوائح الجماهيرية، وتصنيفها إلى قوانين تستحق الإلغاء فورًا (قوانين الشرعية الثورية)، وقوانين تُعدّل (قوانين الإدارة المحلية المشوّهة)، وقوانين تُجمّد مؤقتًا. بدون هذا التفكيك، أي مشروع لإعادة بناء الدولة سيُبني على أرضية فاسدة.
ــ تفكيك مؤسسي، يخرج الجماهيرية من الإدارة الحالية، غايته إنهاء “العقل الجماهيري” داخل الدولة، من خلال تحويل المؤسسات من (لجان إلى هياكل)، ومن (أوامر إلى صلاحيات)، ومن (تعليمات إلى محاسبة)، بدءً بتوصيف وظيفي واضح، وفصل السياسة عن الإدارة، وإنهاء مبدأ “المسؤول بلا مسؤولية” لأن أخطر ما تبقى من الجماهيرية ليس الخطاب السياسي بل الإدارة اليومية للدولة.
ــ تفكيك أمني وعسكري، ينهي منطق القوة الثورية، يسعى لكسر العلاقة بين “السلاح” و“الشرعية”، ويعتمد مبادئ “لا ثورة مستمرة دائما” و “لا شرعية بالسلاح” و “الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية هي أدوات بناء دولة لا أدوات حكم”. وعليه فإن المسار الواقعي لهذا التفكيك يبدأ بـ “توحيد الهوية الوطنية لا الأفراد” و “إخضاع السلاح للقانون لا العكس” وتجريم “العمل المسلح” خارج الدولة. هذا المستوى من التفكيك في غاية الحساسية ويحتاج إلى توازن لا مواجهة. فتفكيك الجماهيرية في الدولة لن يبدأ بإسقاط ميليشيا بل بـ إسقاط منطق يبرر وجودها.
ــ تفكيك اجتماعي، يعالج آثار الجماهيرية على المواطن، يسعى إلى شفاء المجتمع من إرث طويل من المشكلات الموروثة، منها الخوف من الدولة، وكراهية السياسة، والاعتماد على “القوي”، وفقدان الثقة في القانون. ومن أدواته عدالة انتقالية حقيقية، وكشف الحقيقة لا الانتقام، وإعادة الاعتبار للمواطنة لا للولاء.
هذا المشروع التفكيكي يحتاج من يقوده ومن ينفذه، فلا تقوده حكومة مؤقتة، ولا طرف مسلح، ولا نخبة معزولة. بل يقوده تحالف وطني مدني واسع، وبرنامج معلن، ومراحل زمنية واضحة، وقبول اجتماعي واسع.
لا شك أن هذا المشروع التفكيكي سيواجه العديد من العوائق والصعوبات، ولعل أكبرها استمرار الشرعية الثورية. إذا أسقطنا هذا العائق ستتداعى بقية العوائق تلقائيًا، وخطورة هذا العائق في استمراره وتمدده بعد أسقاط النظام.
هذه الشرعية الثورية القائمة حاليا، ليست محصورة في انتشار السلاح ولا في الانقسام العسكري والسياسي، بل في استمرارها كبديل غير معلن عن الشرعية الدستورية. هذه هي العقدة التي تُبقي كل شيء معطّلًا.
هذه الشرعية الثورية القائمة حاليا، ليست شعارًا مكتوبًا، بل هو منطق حكم يعمل بمقولات “من يملك القوة يملك القرار” و “القانون يُستخدم عند الحاجة ويُعلّق عند التعارض” و “الدولة أداة مؤقتة ” ولا مرجعية نهائية. والخطر في هذا المنطق الآن أنه مقبول اجتماعيًا.
هذه الشرعية الثورية القائمة حاليا تعيق مشروع التفكيك، فتُفرغ الدولة من محتواها، وتصبح الوزارات موجودة بلا سلطة، والقوانين موجودة بلا تنفيذ، والمسؤول موجود بلا مساءلة، وبالتالي تحولت الدولة واجهة، لا نظام حكم.
هذه الشرعية الثورية القائمة حاليا تحمي المجرمين من المحاسبة، فكل انتهاك يُبرَّر، و “المرحلة استثنائية ” و “البلاد لم تستقر بعد” وهكذا تتحول الاستثناءات إلى أمر واقع ووضع دائم.
هذه الشرعية الثورية القائمة حاليا تمنع ومنعت ولادة عقد اجتماعي جديد، فلا انتخابات حقيقية، ولا دستور نافذ، ولا مواطنة متساوية، والمواطن لا يرى نفسه طرفًا بل متفرجًا.
كان من الضروري مواجهة ظاهرة استمرار هذه الشرعية الثورية بعد فبراير، ولكنها لم تلقى أي مواجهة لأسباب كثيرة منها:
- أولا الخوف من الصدام معها، فالنخب تخشى من تطور أي مواجهة معها إلى حرب مدمرة،
- وثانيا الاستفادة منها، فكثيرون يهاجمون الجماهيرية لفظيًا لكنهم يعيشون سياسيًا بها،
- وثالثا لغياب البديل الواضح، فالناس لا تُسقِط شيئًا إلا إذا رأت ما سيحلّ مكانه.
إذا كيف نُفكك الشرعية الثورية عمليًا؟ هذا التفكيك لا يتم بإعلان الحرب عليها، بل بسحب الأكسجين عنها:
- أولا بتجفيف اللغة، حين يُمنع استخدام مصطلحات الجماهيرية في الخطاب الرسمي، والإعلامي، فاللغة تُنتج الواقع.
- وثانيا، باستبدال المعايير بحيث يصبح أي مسؤول لا يخضع للمساءلة هو فاقد للشرعية،
- وثالثا، بتحييد السلاح سياسيًا، ليس نزعه فورًا، بل منع حمله كأداة ضغط سياسي، وتجريم التدخل المسلح في القرار السياسي.
السؤال هو كيف تسللت “الشرعية الثورية” إلى الإدارة اليومية؟ والإجابة تدور حول المسؤول الذي يُكَلّف بالمنصب بلا تفويض حقيقي، والتعيينات التي تتم بلا مسار قانوني واضح، والتكليفات الشفهية أو عبر الرسائل النصية، وكلها “كُلِّفتُ لأن الظروف تقتضي”. فلا أحد يعرف من يملك القرار، ولا أحد يُحاسَبه. وهذا هو جوهر الجماهيرية الإدارية.
إن تعليق القوانين باسم “الاستثناء” هو بمثابة إلغاء القانون الموجود، والتعليق سهل وممكن بعبارات قليلة مثل: “الوضع لا يسمح” و “تعليمات من فوق” و “التوجيهات الأمنية”. وبالتالي يصبح الاستثناء هو القاعدة، والقاعدة تُدفن في الأدراج.
من عوامل تسلل الشرعية الثورية للإدارة هو تغوّل الأجهزة الأمنية، التي تتدخل في التوظيف وفي العقود وفي التحويلات المالية وفي الترقيات، ليس بحكم القانون بل بحكم “التوازن الأمني”، وبالتالي تتحول الإدارة إلى منطقة تفاوض لا مؤسسة حكومية.
وهنا يصبح الخوف أداة إدارية، والموظف لا يرفض أمرًا غير قانوني، والمدير لا يوقّع قرارًا صحيحًا، والجميع “يمشي جنب “الحيط“”. هذا ليس فسادًا فقط بل ثقافة حكم جماهيري.
الشرعية الثورية هي أخطر من السلاح. لأن السلاح ظاهر أما الإدارة الجماهيرية التي تدار بالشرعية الثورية تكون صامتة ولكنها تُفرغ أي إصلاح إداري من محتواه، وتُفشل أي قانون جديد، وتقتل أي رغبة أو نية في التغيير.
يبقى أمام هذا المشروع مسألة كيفية تفكيك الشرعية الثورية داخل الإدارة عمليًا، والتي ينبغي أن تبدأ بتثبيت مصدر القرار، بحيث لا يصدر أي قرار بلا سند مكتوب، ولا سند مكتوب بدون رقم، ولا رقم بدون أرشفة، فإذا كان القرار بلا مرجع قانوني يلغى، أو قرار بلا توقيع مُحاسَب يرفض. هذه وحدها تُسقط جزء كبير من نفوذ الشرعية الثورية.
بدون تفكيكها، الشرعية الثورية تجعل الموظف لا يرفض أمرا غير قانوني، لأن الموظف بلا حماية وهو أولى بها من المسؤول. فالمعادلة الجماهيرية أن الموظف يُحاسَب، ولكن المسؤول محمي. والمعادلة المطلوبة أن الموظف محمي إن التزم بالقانون، والمسؤول يحاسب إن خالفه.
وبالتالي يصبح النص الإداري الواضح والعادل هو “رفض تنفيذ أي أمر غير مكتوب أو مخالف للقانون لا يُعد مخالفة وظيفية”. بل أن الأمر يكون أكثر وضوحا عندما يجرّم التوجيه غير الرسمي، فأي مكالمة، أو رسالة أو أمر شفهي يتعلق بقرار إداري يصبح لا أثر له. فالواقع لا يمنعه أخلاقيًا لكن يُفرغه قانونيًا
أخيرا، هناك سؤال واقعي يطرح نفسه، كيف نبدأ التفكيك دون سلطة مركزية قوية؟، وهذه نقطة واقعية جدًا، والإجابة هو أن لا تكون البداية من السلطة المركزية، بل من البلديات، والمؤسسات الخدمية، والجامعات، والشركات العامة لأن الاحتكاك فيها أقل، والأثر فيها مباشر، والناس ترى الفرق.
الخلاصة لهذا الموضوع، أن الشرعية الثورية لا تعيش في الخطب، بل في المكاتب، والملفات، والتوقيعات، والأختام ، وأن تفكيك الجماهيرية داخل الإدارة لا يحتاج إلى إسقاط أحد بل يحتاج إلى قتل الغموض، وتجفيف الاستثناء، وتحويل الخوف إلى نص قانوني يحمي الموظف ويحاسب المسؤول.
____________