خطة مصر لإعادة رسم خريطة شرق المتوسط مع حفتر، وتركيا تراقب بقلق

صالح سالم

تحسّنت العلاقات بين مصر وتركيا بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاث الماضية، بعد عقدٍ من التوترات.

اتفقت مصر والسلطات الليبية في شرق البلاد على البدء في ترسيم حدودهما البحرية، وسط مخاوف من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تجدد التوترات في شرق البحر المتوسط، ولا سيما مع تركيا.

وقد أُعلن عن الاتفاقات المزمع إبرامها في القاهرة في 8 ديسمبر، عقب اجتماع بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وخليفة حفتر، الذي تسيطر قواته على معظم شرق وجنوب ليبيا.

ويرى مختصون في العاصمة المصرية أنه في حال إقرار الاتفاق نهائيًا، فإنه سيحدد المناطق الاقتصادية الخالصة للبلدين، ومن ثم يمنحهما حرية التفاوض مع شركات الطاقة الدولية لاستكشاف الهيدروكربونات، ولا سيما الغاز الطبيعي، كلٌّ ضمن حدوده المحددة.

وقال صلاح حافظ، نائب رئيس هيئة البترول المصرية السابق، الذراع التنفيذية لوزارة البترول والثروة المعدنية، في تصريح لـ«العربي الجديد»: «لا تستطيع مصر دعوة شركات الطاقة لاستكشاف الهيدروكربونات في المنطقة في غياب اتفاق يحدد منطقتها الاقتصادية الخالصة بشكل دقيق».

وأضاف: «شركات الطاقة، التي تستثمر مليارات الدولارات في البحث عن المعادن، لا تعمل إلا في مناطق لا تواجه تحديات قانونية أو عسكرية قد تعيق استرداد استثماراتها».

وأشار حافظ إلى أن الاكتشاف المحتمل لاحتياطيات إضافية من الهيدروكربونات في البحر المتوسط من شأنه أن يفيد الاقتصاد المصري ويساعد البلاد على تحقيق هدفها بأن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة.

وتسعى مصر بشكل عاجل إلى تأمين موارد إضافية لتلبية احتياجاتها من الطاقة، لا سيما في ظل نمو عدد السكان وارتفاع الطلب على الطاقة. كما أن سباق الدولة العربية الأكثر سكانًا لتأمين الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي الذي يشغّل معظم محطات الكهرباء، تغذّيه خططها الطموحة للتوسع الصناعي وزيادة الصادرات.

وخلال عقد ونصف تقريبًا، انتقلت مصر من كونها مستوردًا صافيًا للغاز الطبيعي إلى مصدر صافٍ، ثم عادت مرة أخرى إلى الاستيراد الصافي. ودفعها ذلك إلى اللجوء مرارًا إلى السوق الدولية للطاقة لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك ومنع تعثر محطات الكهرباء.

ومع ذلك، ثبت أن اعتماد مصر على الواردات كان مكلفًا سياسيًا، ولا سيما في علاقتها مع إسرائيل، التي كانت المورد الرئيسي للغاز خلال السنوات الماضية، إذ ربطت صادراتها من الغاز بمرونة مصرية تجاه عدد من الملفات الحساسة، من بينها وغيرها طموحات إسرائيل لتفريغ غزة من سكانها الفلسطينيين، وهو ما تعارضه مصر بشدة.

تحدي الاتفاق التركي

كانت مصر داعمًا ثابتًا لقوات حفتر منذ ظهوره في خضم الفوضى التي سادت ليبيا عقب سقوط نظام القذافي عام 2011. ومن خلال دعمها لقوات حفتر، سعت القاهرة أساسًا إلى إيجاد حليف قوي قادر على تحقيق الاستقرار في الجانب الليبي من الحدود المشتركة، ومنع تسلل الفوضى إلى الصحراء الغربية المصرية الشاسعة، التي تغطي نحو ثلثي مساحة البلاد، وتوازي تقريبًا مساحة ولاية تكساس الأمريكية.

وشملت مباحثات الرئيس السيسي مع حفتر في القاهرة في 8 ديسمبر مجموعة واسعة من القضايا ذات الاهتمام المشترك، من بينها الأوضاع في السودان المجاور والانتقال السياسي في ليبيا. غير أن احتمال توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين مصر وليبيا برز كأحد أهم بنود تلك المحادثات.

وتبقى ليبيا الدولة الوحيدة التي لم توقّع معها مصر بعد اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية. فقد وقّعت القاهرة اتفاقًا مع قبرص عام 2003، وآخر مع السعودية عام 2016، وثالثًا مع اليونان عام 2020.

إلا أن أي اتفاق محتمل مع ليبيا من المرجح أن يتعارض مع اتفاق آخر وقّعته الحكومة الليبية في الغرب مع تركيا عام 2019. وعند توقيعه، أثار اتفاق ترسيم الحدود بين تركيا وحكومة غرب ليبيا غضب كل من مصر واليونان، اللتين رفضتا الاعتراف به، وسلّط الضوء على صراعات إقليمية وحروب بالوكالة تتمحور حول موارد الهيدروكربونات.

ويخشى المراقبون الآن من أن يؤدي الاتفاق المحتمل بين مصر وشرق ليبيا إلى التعدي على الجرف القاري الذي منحته اتفاقية 2019 لتركيا، ما قد يفتح الباب أمام صراع قانوني متجدد في المنطقة، قد يتطور إلى مواجهة عسكرية.

وقال المحلل السياسي المصري عبد الستار حتيتة إن «مصر لم تعترف باتفاق ترسيم الحدود البحرية لعام 2019 بين تركيا والحكومة الليبية في الغرب، لأن الاتفاق ينتهك المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر». وأشار إلى ما وصفه بـ«تفهم» الدول الأوروبية لموقف مصر وحقوقها في شرق المتوسط.

إدارة علاقات جديدة

تحسّنت العلاقات بين مصر وتركيا بشكل كبير خلال السنوات الثلاث الماضية بعد عقد من التوتر، حيث كانت الخلافات الأيديولوجية والسعي للسيطرة على موارد شرق المتوسط في صميم تلك الخلافات.

ومن أجل تضييق الخناق على تركيا في شرق المتوسط وكبح طموحاتها الإقليمية، نسجت مصر علاقات وثيقة مع اليونان، الخصم الإقليمي لتركيا، ومع قبرص. وشكّلت الدول الثلاث تحالفًا واضح المعالم لمواجهة ما اعتبرته طموحات تركية للهيمنة الإقليمية، ولا سيما فيما يتعلق بموارد شرق المتوسط.

وكان اتفاق ترسيم الحدود الذي أبرمته تركيا عام 2019 مع حكومة غرب ليبياالتي سعت أنقرة إلى التقارب معها لسنوات ولا تزال محاولة لكسر الحصار الذي فرضته عليها اليونان ومصر وقبرص في المنطقة.

وخلال الفترة الماضية، سعت تركيا مرارًا إلى استمالة مصر وإخراجها من تحالفها مع اليونان وقبرص، واعدةً إياها بجرف قاري أوسع مما منحته لها اتفاقات ترسيم الحدود مع البلدين، لكن دون جدوى.

وفي المقابل، تسهم العلاقات المتحسنة بين القاهرة وأنقرة في تهدئة التوترات الإقليمية. إذ تتعاون العاصمتان الآن في عدد من الملفات الإقليمية، من بينها السودان وغزة وليبيا نفسها، كما تعززان تعاونًا وثيقًا في المجالين الاقتصادي والعسكري، حيث تساعد الشركات التركية مصر على تطوير صناعتها العسكرية، ولا سيما في تصنيع الطائرات المسيّرة.

وبحسب محللين في البلدين، فإن هذا التعاون المتنامي يبرز مزايا المصالحة ومساوئ الصراع. غير أن هؤلاء المحللين أنفسهم يخشون من أن يؤدي اتفاق محتمل لترسيم الحدود بين مصر والحكومة الليبية في الشرق إلى إعادة إشعال التوترات والخصومات القديمة حول الموارد الإقليمية.

ويرى محللون أتراك أن القاهرة وأنقرة بحاجة إلى الحفاظ على مستوى عالٍ من التنسيق خلال المرحلة المقبلة لمنع عودة العداوات القديمة. وقال المحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو لـ«العربي الجديد»: «من المهم جدًا للبلدين أن ينسقا مع بعضهما البعض الآن أكثر من أي وقت مضى لحماية مصالحهما في المنطقة».

كما شكك في قدرة المشير خليفة حفتر على توقيع اتفاقيات دولية بصفته قائدًا للجيش الليبي. وأضاف: «على أي حال، تتقاسم مصر وتركيا مصالح مشتركة، وأعتقد أن البلدين حريصان على الحفاظ على حالة التهدئة الحالية».

___________

Related Articles