عبدالرحمن أميني
![]()
بعدما تمكن المتصدرون للمشهد السياسي الليبي من إحباط خطة إجراء الانتخابات في ديسمبر 2021، يحاولون التسويق الآن لاهتمامهم بالتعجيل بالاستحقاق الذي ينتظره قرابة ثلاثة ملايين ناخب.
وهو ما يعيد تكرار السؤال القديم الجديد هل زالت «القوة القاهرة»، وسط بروز تحفظات أخرى على هذا الخيار ترفض القفز على الاستفتاء الدستوري.
وتجيب المفوضية العليا للانتخابات على توجيه الاهتمام صوبها في ملف إنجاز الاستحقاق الرئاسي بقدرتها على ذلك شرط ضمان التمويل وتأمينه بحلول الربيع المقبل، لكن أكثر معضلة تتنظر الحسم تتعلق بالقوانين التي ستجرى وفقها، وخاصة تلك الصادرة عن اللجنة المشتركة «6+6» المشكلة بين مجلسي النواب والدولة.
وقبلها يتعين اختيار رئيس وأعضاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، حيث وقّع مجلسا النواب والأعلى للدولة اتفاقاً لتنظيم آلية الاختيار.
تباين المواقف حول موعد وشكل الاستحقاق الانتخابي
وانطلقت دعوات المطالبة بتنظيم الانتخابات الرئاسية، أولا من احتجاجات بشرق ووسط وجنوب وبشكل ضعيف في غرب ليبيا وبفترة وجيزة تبنى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح «النداءات الشعبية» ليطالب بانتخابات رئاسية فقط، مقابل دعوة نائبيه لتزامنها مع انتخابات برلمانية، الأمر الذي يعكس وجود خلافات حتى داخل البرلمان.
ويستعرض الباحث السياسي عمر الجبالي العبيدي المفارقات السياسية العميقة في المشهد الليبي، حيث عاد إلى البيان الصادر عن بعض أعضاء مجلس النواب من المنطقة الشرقية بشأن المطالبة العاجلة بتنفيذ قانون الانتخابات الرئاسية.
ويستغرب العبيدي الدعوة لتفعيل قانون انتخابي دون وجود قاعدة دستورية مستقرة ومتوافق عليها، ما يمثل سابقة خطيرة في مسار بناء الدولة الديمقراطية، لأن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها بل هي آلية لتفعيل نظام سياسي يتمتع بشرعية دستورية محصنة من الطعن والتعطيل.
في حين أن الضغط على المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لتنفيذ قانون معيب الأساس هو دعوة لارتكاب الخطأ الذي أدى إلى فشل انتخابات 2021 بدلا من معالجته، فالخلل يكمن في البنية لا في الأداة.
وقال العبيدي وهو من المرشحين للحكومة في تصريح لـ«الوسط»، إن أخطر ما في الأمر ليس الدعوة للانتخابات بحد ذاتها، بل ما يحمله من تهديد صريح بتعديل القوانين والتعديلات الدستورية في حال التأخر عن الاستحقاق.
وأضاف أن هذا الأسلوب يحول الدستور من مرجعية سيادية عليا ضامنة للجميع إلى أداة ضغط خاضعة لمنطق اللحظة السياسية والصراع.
لذلك يرى أن التشريع والتعديل الدستوري يجب أن يجرى بمنهج التوافق الوطني وليس بمنطق العقاب السياسي أو فرض الإرادة، فالدساتير لا تُفصّل على مقاس طرف ولا تُعدّل تحت وقع التهديد.
تحذيرات من اعتبار «الإرادة الشعبية» شماعة سياسية
ويشير الباحث السياسي إلى الاستناد إلى شعار مطالب الشعب الليبي دون أن تكون هناك آلية ديمقراطية فعلية كصندوق الاقتراع أو استفتاء دستوري حقيقي، هو ادعاء سياسي يفتقر إلى السند الديمقراطي الواضح، منددا باختزال إرادة الليبيين في بيان يصدر عن مجموعة من النواب دون تفويض شعبي مباشر، وهو ما يعده اغتصابا للمفهوم الديمقراطي واستخدامه كغطاء لتثبيت مواقف سياسية محددة.
في المقابل، يؤكد أن هذا الإعلان سينفي صفة التمثيل الوطني العام ويدخله مباشرة في سياق الصراع السياسي الضيق بدلا من المساهمة في بناء حل شامل.
ويوضح عمر الجبالي أن الانتخابات الرئاسية ليست أمراً يمكن فرضه عبر بيان أو تحقيقه بالتهديد بل هو مسار متكامل يتطلب مناخاً سياسياً آمناً وتوافقاً على قاعدة دستورية متينة ومؤسسات انتخابية تتمتع بالحياد الكامل، مختتماً أن محاولة القفز على هذه الشروط الأساسية لن ينتج شرعية مستدامة بل سيعيد إنتاج الصراع السياسي تحت غطاء انتخابي هش.
دعوات لتعديل شروط الترشح لتجنب تكرار أزمة القوانين الانتخابية
ويرى مراقبون الحل العملي والواقعي لتجاوز النقاط الخلافية بالقوانين الانتخابية الليبية ومعالجتها معالجة عادلة يكمن في اختصار شروط الترشح إلى حدها الأدنى، كأن يكون المترشح ليبي الجنسية ومن أبوين ليبيين وأن يكون بالغا 40 سنة ومتمتعاً بحقوقه السياسية والمدنية وغير ملاحق قضائيا، إلى جانب قرار رسمي باستقالته من وظيفته ومنصبه السياديين 90 يوماً قبل تقديم أوراق ترشحه.
بدوره يلفت الباحث السياسي الليبي إدريس بوفايد إلى ما سماّه «توافق مفوضية الانتخابات والبعثة الأممية في ممارسة الوصاية على الشعب الليبي»، قائلاً إنه على الرغم من أن حجة الجهتين في تعطيل وتجاوز اتفاق الإجماع للجنتي المسار الدستوري بخصوص الاستفتاء على مشروع الدستور الليبي المنجز، وذلك بمدينة الغردقة في يناير 2021 هي في عدم جاهزية المفوضية في حينه وضيق الوقت على موعد الانتخابات المحدد بـ24 ديسمبر 2021.
ومع فشل ذلك المسار الانتخابي المزعوم ومضي الوقت بالسنوات تواصلان الإصرار على الاستمرار في تعطيل وتجاوز اتفاق الغردقة واستحقاق الاستفتاء الدستوري الذي يعد دستورياً وقانونياً ووطنياً وبعد حكمين قضائيين متتالين أول وأوجب الاستحقاقات الوطنية وقبل أي انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية يعد الأساس الضروري والمتين لإنهاء المراحل الانتقالية وبناء دولة القانون والمؤسسات دولة الأمن والاستقرار والازدهار.
اتهامات للمفوضية والبعثة الأممية بإهمال الاستفتاء الدستوري
ويرى بوفايد في إعلان المفوضية العليا للانتخابات عن استعدادها وجاهزيتها فنياً وإدارياً لإجراء الاستحقاقات العامة في موعد أقصاه منتصف أبريل المقبل، وتجاهل الاستحقاق الوطني الأول والأهم المتمثل في الاستفتاء الدستوري، هو «موقف يدعو للدهشة والاستغراب والمتناغم مع توجه البعثة الدولية»، رافضاً إصرار الجهتين على ما وصفه بممارسة الوصاية المقيتة على الشعب والبلاد والضرب بالنصوص الدستورية والقانونية والأحكام القضائية الباتة والالتزامات الوطنية عرض الحائط.
في السياق نفسه، سلط معهد واشنطن الضوء على ضغوط بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى جانب الهيئات التشريعية المتنافسة من أجل إعادة هيكلة السلطة الانتخابية، في محاولة قال إنها تنطوي على خطر تسييس إحدى المؤسسات القليلة المتبقية التي تحظى بالثقة في البلاد.
بينما تبذل ليبيا جهداً لإجراء عملية انتخابية طال انتظارها، تبرز «المفوضية الوطنية العليا للانتخابات» باعتبارها إحدى المؤسسات القليلة التي لا تزال تحظى بثقة الجمهور واعتراف واسع النطاق، محلياً ودولياً، بفضل مهنيتها واستقلاليتها، في حين أن معظم مؤسسات الدولة قد وقعت في براثن الاستقطاب السياسي والتفكك المؤسسي.
حافظت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات على كونها هيئة محايدة وتقنية ومنضبطة.
مخاوف دولية من تسييس المفوضية وسط ضغوط لإعادة هيكلتها
ولهذا السبب بالتحديد، فإن الدعوات المفاجئة إلى إعادة هيكلة مجلس إدارة المفوضية بقيادة «بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا» وبدعم من كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة تثير تساؤلات جدية:
لماذا الآن؟
ما هو الدافع الحقيقي وراء هذا التوقيت؟
والأهم من ذلك، ما هي الكلفة؟
وحذر المعهد من إعادة هيكلة المفوضية من خلال مفاوضات سياسية بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، فقد تفقد حيادها.
كما يهدد إصلاح مجلس إدارتها بإدخال الصراع السياسي إلى هيكلها الداخلي، حيث إن اختيار الرئيس وأعضاء المجلس قد يستند إلى حصص تقاسم السلطة الإقليمية بدلا من الجدارة أو الكفاءة المهنية.
وعندها سيمثل الأعضاء المصالح السياسية لمناطقهم، مما يخلق أجندات متضاربة داخل المجلس.
قد يؤدي ذلك في النهاية إلى سير المفوضية على نفس مسار المؤسسات السيادية الأخرى في ليبيا، أي الانقسام إلى قسمين.
إذا حدث ذلك، فإن ليبيا تخاطر بفقدان آخر مؤسسة لا تزال تتمتع بثقة الجمهور.
_____________