جمعة بوكليب
النيّات الطيبة لها حدود لا تستطيع تجاوزها. إذ يقال إنها تمنح أصحابها منزلةً أعلى في الدار الآخرة.
لكن من جهة أخرى ليس معروفًا عنها في الدار الدنيا، أن وجودها، على سبيل المثال لا الحصر، لدى محافظ المصرف المركزي الليبي يفضي إلى تعافي الدينار الليبي واستعادة قيمته في الأسواق المالية، أو إلى تخفيض سعر الدولار في سوق المشير وغيره من أسواق بيع العملات الأجنبية في مختلف المدن الليبية.
محافظُ مصرف ليبيا المركزي الجديد، يقود، منذ تسلُّمه المنصب، معركة ضد حيتان كبيرة ومتنوعة لا تشبع. حين وصل إلى مقر مكتبه في طرابلس في الشهور الماضية، قوبل وصوله بترحاب شعبي ملحوظ. ولسنا في حاجة إلى الخوض في الأسباب.
المحافظ الجديد، مثل سلفه، مصرفيٌ محترف يحظى باحترام وتقدير كبيرين في الأوساط المصرفية. وهو، قبل استلامه للمنصب، كان على علم بكل تفاصيل الأوضاع المالية والسياسية والأمنية في البلاد، وبالتأكيد لم تكن تنقصه معرفة بالحيتان التي تترصده من مقرّاتها المجاورة للمصرف المركزي، وتحديدًا في الجهة الخلفية منه.
وبالتالي، فهو منذ أول خطوة، كان على دراية كاملة بما سيكون في انتظاره من إشكالات معقدة ومن فخاخ منصوبة. ولم يكن متوقعًا مطلقًا أن يُفاجأ بالأوضاع.
لهذا السبب، استغرب كثير من المراقبين الاقتصاديين تصريحاته ووعوده في الأيام الأولى بالسعي إلى استعادة عافية الدينار الليبي في الأسواق المالية في أقرب وقت ممكن.
مبعث الاستغراب أنهم يعرفون تفاصيل الفخاخ العديدة المنصوبة في الطريق أمامه وخطورتها، والتي تحول بينه وبين الوصول إلى الهدف المعلن والمأمول.
بعد فترة زمنية، تبيّن للسيد المحافظ أن تلك الوعود التي أطلقها لم تكن واقعيًا قابلة للتنفيذ، نتيجة ما يعترضها من موانع شائكة وخطرة. وأن كل خطوة للأمام يخطوها يجد الحيتان واقفة له بالمرصاد. ل
ذلك بقيت الأمور على حالها من السوء، بل زادت سوءًا في بعض الجوانب «نقص السيولة». بعدها بدأت سلسلة الأعذار تتوالى. وأدركنا نحن من خلالها أن مسلسلي ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار الليبي ونقص السيولة باقيان معنا ما بقيت الحيتان.
في فترة قصيرة لاحقة على تعيينه، بدأ مكتب النائب العام في استدعاء واستجواب واعتقال شخصيات مصرفية ومالية كبيرة. وعرفنا نحن منها أن القطاع المصرفي مخروم بالفساد بنسبة فاقت كل توقعاتنا.
ما لم نكن نتوقعه أن يلتزم السيد المحافظ الصمت على تلك الفضائح المدوّية، وكأن لا علاقة له بمرتكبيها، رغم أنه إداريًا مسؤول عنهم وعلى مراقبتهم.
كنا نتوقع أن يظهر السيد المحافظ ويوضح لليبيين ما الذي يحدث في تلك المصارف، وكيف تمكن مرؤوسوه في بقية المصارف من العبث بالأمانة الموكلة إليهم وسرقة أموال المودعين بالملايين. إلا أن السيد المحافظ التزم الصمت التام، وكأن رؤساء ومدراء المصارف العامة المدانين قانونيًا لا يمتّون إليه بصلة إدارية.
اتضح لنا كذلك، أن توقعاته ووعوده تأسست وبُنيت على نوايا طيبة جدًا، وليس على قراءة وحسابات واقعية للأوضاع في ليبيا، أو على معرفة حقيقية بـشبكة «الحيتان» في سوق المشير وفي غرف المضاربة وبتجار الاعتمادات وما يدبرون.
السيد المحافظ فضَّل سياسة التزام الهدوء وتجنّب الصدامات المباشرة، حتى يحافظ على بقاء الجسور مفتوحة مع مختلف أجهزة السلطات الحاكمة. وتلك فضيلة دبلوماسية تُحسب له. لكنها قد لا تُجدي نفعًا في حل إشكالات قطاع مصرفي مخروم بالتهريب والاحتيال والاختلاس والسلب والنهب.
ما يقوم به محافظ مصرف ليبيا المركزي من أعمال وما يقدمه من وعود يُصنَّف في العادة، من قبل أهل الاختصاص، تحت خانة النيّات الطيبة. وهو ما يجعلنا نشعر بالتعاطف نحوه، ونحرص على متابعة تصريحاته وقراراته بقلوب قلقة ومُشْفِقة.
لكننا، في الوقت ذاته، ندرك، من تجربة الشهور القليلة الماضية، أنه ليس بمقدوره، في الأوضاع الحالية، تغيير مثقال ذرة في ميزان المعادلة القائمة على تفاهمات بين الحيتان في سوق المشير وشبكات علاقاتهم الكبيرة في كل مناطق البلاد وفي الخارج.
تصريحات السيد المحافظ المتتالية والوعود وكذلك القرارات الإدارية، لم تُسهم في رفع المعاناة عن الليبيين، وفي الوقت نفسه لم تردع تجار العُملة والمضاربين وتجار الاعتمادات وتحُول بينهم وبين التلاعب بسعر الدولار ومراكمة الأرباح. وما فضيحة حاويات الملح العشر أخيرًا منّا ببعيد.
الآن، وبعد كل هذه السنوات، ثبت أن حيتان سوق المشير ومن يتبعهم من أصحاب غرف مضاربة ودكاكين صرافة وبيوت ربا وتجار اعتمادات وشركات وهمية، هم المتحكمون في تحديد أسعار صرف الدينار مقابل غيره من العملات الأجنبية.
وثبت أيضا أن محافظ مصرف ليبيا المركزي ومن معه من المسؤولين ليس بمقدورهم– حتى الآن– فك تلك القبضة الحديدية على السوق المالية ورقابنا، رغم كل نيّاتهم الطيبة، وما بذلوه ويبذلونه من جهود.
___________
