أكرم خزام

النظام الهش

وصلت إلى طرابلس الغرب عشية سقوط باب العزيزية في 23 أغسطس 2011 وهي قاعدة تقع في الضاحية الجنوبية لطرابلس وكانت بمثابة القاعدة الرئيسة للقذافي.

بدأت اتصالاتي مع شخصيات عديدة ومتنوعة، وحصلت من خلال اتصالاتي تدريجيا على سر سقوط نظام القذافي، واتضح أن النظام كان هشا من الداخل في ظل غياب شبه مطلق للمؤسسات الحقيقية بعد أن فكك القذافي الدولة على مدى عقود (لا برلمان، لا أحزاب، ولا قضاء مستقلا).

والسلطة كانت متركزة بالكامل في شخصه، لذلك انهار كل شيء بمجرد سقوطه، ولأن الدولة لم تكن قائمة على مؤسسات بل على الزعيم. باختصار انهارت أسطوره القائدودخلت ليبيا عهدا جديدا.

نفذت خلال وجودي في طرابلس وسرت العشرات من الريبورتاجات لقناة الحرة،  والتي عرف العالم من خلالها كيف عاشت عائلات ليبية تحت خط الفقر، واتجهت إلى سجن أبو سليم ومعي سجناء تحرروا بعد سقوط باب العزيزية، ورووا لي حكايات عن أساليب القمع البربرية.

كما اجتمعت مع فنانين يعزفون على الغيتار، وكان ذلك ممنوعا قبل السقوط، ناهيك عن الرسامين الذين امتلأت جدران الشوارع الرئيسة في طرابلس بأعمالهم الفنية.

فرحة عارمة في الشوارع وعيون بدأت تنظر إلى الأفق البعيد وملؤها الأمل بغدٍ أفضل.

عهد جديد

دخلت ليبيا بعد سقوط القذافي في مرحلة طويلة ومعقدة من التحول السياسي والانقسام والصراع المسلح. ونستطيع تقسيمها إلى مراحل عدة، بدأت بالفوضى بعد ما سمي الثورة“.

سريعا تم إجراء انتخابات المؤتمر الوطني العام 2012، ولم يتح للمسؤولين الجدد إمكانية بسط السيطرة المركزية نتيجة تهالك مؤسسات الدولة وكثرة الميليشيات المسلحة.

وسريعا بدأت الخلافات القبلية والمناطقية تتصاعد خصوصا بين الشرق (برقة) والغرب (طرابلس ومصراتة).

عام 2014 شهدت ليبيا انتخابات جديدة لتشكيل مجلس النواب في طبرق شرقي البلاد مما دفع القوى السياسية الإسلامية في طرابلس إلى رفض نتائج الانتخابات. وحدث ما لا تحمد عقباه ألا وهو انقسام البلاد إلى حكومتين وبرلمانين: حكومة طرابلس المدعومة من الغرب وميليشيات فجر ليبيا، وحكومة طبرق المدعومة من الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفه حفتر، ومهد ما جرى لنشوب حرب أهلية واسعة بين الطرفين، الأمر الذي أدى إلى تدخل سريع من قبل قوى إقليمية ودولية.

وباتت التغطيات الإعلامية للأحداث الملتهبة في ليبيا صعبة للغاية،  خاصة بعد الهجوم الواسع والكبير الذي شنته قوات حفتر على طرابلس. وهنا تدخلت تركيا عسكريا لدعم حكومة الوفاق الوطني (المعترف بها دوليا)، ما أجبر قوات حفتر على التراجع، ودخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة الناشبة وأعلن في عام 2021 عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة بهدف توحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات.

 لكن الانتخابات التي كان من المفترض إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول 2021 فشلت بسبب الخلافات بخصوص القوانين الانتخابية، والمرشحين (ومنهم سيف القذافي وخليفة حفتر و عبد الحميد الدبيبة).

وبات الانقسام في الحكومة سيد المشهد الليبي العام بين حكومة الدبيبة التي تستند إلى اعتراف دولي بها وحكومة الشرق بزعامة أسامة حماد.

نهاية عام 2023 اتجهت إلى العاصمة طرابلس للمشاركة في مؤتمر إعلامي، وقد لاحظت الانتشار الكثيف للميليشيات العسكرية ناهيك عن الفوضى في المشهد العام بالعاصمة من حيث السير وحركة السيارات وإطلاق الأعيرة النارية بين الحين والآخر.

وفي أعمال المؤتمر لاحظت أن الجميع بالاستثناء يتكلم بشكل لائق يعبر عن أمله في مستقبل جيد لليبيا، ناهيك عن الدعوة إلى لمّ الشمل ووقف الانقسامات بين الغرب والشرق، وبين الفصائل القبلية والمناطقية المختلفة، لكن كل هذه الشعارات تتبخر بعد أن يجتمع مسؤول كل طرف في الغرف الخاصة ووراء الكواليس ويقررون العودة إلى استخدام السلاح من جديد، بينما آمال الشعب الليبي بعد خلاصه من حكم القذافي ترتطم بعوائق جدية تفرضها لغة السلاح التي لا تزال ترسم معالم المشهد الليبي.

وحتى يومنا هذا لم تنفع الوساطات الداخلية والإقليمية والدولية في وضع حد للانقسامات بين صفوف الحكومة والجيش والبنك المركزي الليبي.

وإلى الآن تعاني ليبيا من تدهور في الخدمات العامة وخاصة في الكهرباء والوقود والتعليم والصحة، ناهيك عن تنامي نفوذ الميليشيات في الغرب والشرق، وكأن ليبيا عادت إلى مرحلة اللّادولة والتي تشبه تماما ما كان يقوم به ويمارسه القذافي خلال فترة حكمه التي دامت أكثر من أربعين عاما، وكل ما يجري في ليبيا ما بعد القذافي يعكس صراعا جديا وعنيفا حول النفط وكيفية توزيع العائدات.

ومقارنة بسنوات الحرب ثمة استقرار نسبي أمني واقتصادي في طرابلس وبنغازي.

اللافت في المشهد الليبي أن الانتخابات لا تزال مؤجلة بانتظار توافق وطني، لكن على الأغلب لا بد من وساطات إقليمية ودولية وخصوصا ما يتعلق بالقوانين والدستور.

والملاحظ في الفترات الأخيرة أن هناك فئات من الليبيين تعبر عن حنين إلى فترة حكم معمر القذافي. لكن، بالطبع، هذا الحنين ليس عاما، ولا يشمل كل شرائح المجتمع بل يتنوع حسب الخلفيات الاجتماعية والمناطق والظروف التي عاشها الشعب بعد 2011.

وبلغة التفاصيل، فإن الكثير من الليبيين العاديين الذين يعيشون في المناطق الريفية والجنوبية يرون أن الأمن والاستقرار والرواتب والخدمات في عهد القذافي كانت أفضل مما هي عليه اليوم ويرددون: “على الأقل كنا نعيش بأمان بالرغم من الاستبداد“.

وإذا تكلمنا بلغة واقعية، فإن كل هؤلاء الناس لا يعني دفاعهم عن النظام السابق بالضرورة، اتفاقهم معه، بل يعبرون عن الاستقرار النسبي.

وثمة مجموعات منظمة تسمى أنصار الجماهيرية” (نسبة إلى ثورة الفاتح من سبتمبر/أيلول عام 1969) لا تزال تنظم فعاليات ونشاطات على وسائل التواصل الاجتماعي في مدن سرت وبني وليد وسبها، وبعض مناطق الجنوب، وتدعو إلى عودة الشرعية الجماهيريةأو تمكين سيف القذافي سياسيا بغية ترشحه مستقبلا.

وللعلم، فإن قبائل مثل القذاذفة والمقارحة لديها ارتباطات تاريخية واجتماعية بعائلة القذافي

في مقابل ذلك، فإن شريحة واسعة من الليبيين وخصوصا الشباب الذين شاركوا في ثوره 17 فبراير، يرون أن النظام السابق كان قمعيا واحتكاريا للسلطة والثروة، ويرفضون بشدة فكرة عودة النظام الجماهيريويعتبرون أن القذافي هو من أسس الاستبداد الذي أوصل البلاد إلى الزلزال الكبير عام 2011.

وثمة من يخشى أن يؤدي الحنين للماضي إلى إعادة إنتاج الديكتاتورية بدلا من بناء دولة حديثة، لكن من الطبيعي أن نعرف أن الحنين للماضي هو بمثابة رد فعل على حالة الإحباط والفوضى التي أعقبت الثورة، وفي هذا الإطار يتم التركيز على شخصية سيف القذافي كرمز لهذا التيار الحنيني“.

وقد حاول الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2021 لكن تم استبعاده قانونيا بسبب مذكرات توقيف صادرة من المحكمة الجنائية الدولية. على أنه لا يزال يتمتع بدعم قبلي وشعبي في بعض المناطق خاصه إذا فشلت النخب السياسية الحالية في توحيد ليبيا.

لم تسدل بعد ستارة العهد الجديد الذي بدأ 2011 ولا يزال مستمرا إلى يومنا هذافي هذا الإطار لا بد من القول إن الأبواب في ليبيا مفتوحة على جميع الاحتمالات.

***

أكرم خزام ـ إعلامي و أكاديمي سوري. عمل مراسلا أولا في كبرى القنوات العربية في الشرق الأوسط، وحائز على جوائز صحافية عدة عن أفلامه الوثائقية.

_____________

مقالات