
يتأرجح المواطن الليبي منذ أكثر من أربعة عشر عاماً بين قيود الانقسام السياسي الذي أعقب سقوط نظام القذافي، وآمال متجددة بالوحدة مع كل مبادرة سياسية أو وساطة دولية، أو أي تغيير أمني وعسكري يطرأ على البلاد.
وبين هذين المسارين، يظل السؤال الأكبر مطروحاً: هل سينطلق قطار السياسة الليبي من محطة الجمود نحو مسار جديد يحقق الاستقرار ويضع نهاية لانقسام طال أكثر من عقد؟
اليوم، يبدو المشهد أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، إذ تتداخل ترتيبات أمنية وعسكرية متباينة شرقاً وغرباً مع صراع إقليمي ودولي، فيما يتحمل المواطن الليبي تبعات هذا الواقع المعقد.
الانقسام السياسي والمؤسسات الموازية
تشير تقديرات مؤسسات بحثية دولية حديثة إلى أن الأزمة الليبية لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل تحولت إلى حالة مؤسسية مستمرة وطويلة الأمد، مع وجود سلطات ومؤسسات اقتصادية ومالية موازية، وصراع مستمر على الموارد النفطية.
في الغرب، تسيطر فصائل مسلحة متناحرة على النفوذ والتمويل من دون قيادة موحدة رغم تبعيتها الشكلية للسلطات الرسمية.
في طرابلس، على الرغم من الاتفاق الذي رعته تركيا بين حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة وميليشيا «جهاز الردع»، تبقى التفاهمات مؤقتة، وتظهر هشاشتها من خلال المواجهات السابقة، بما في ذلك مقتل قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» عبد الغني الككلي في مايو الماضي.
التغييرات العسكرية في شرق ليبيا
في شرق ليبيا، يشهد المشهد العسكري تغييرات أكثر هدوءاً ولكنها ذات تأثير عميق. فقد شرع خليفة حفتر في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وأصدر قرارات شملت تعيين نجله صدّام حفتر نائباً للقائد العام، وشقيقه خالد رئيساً للأركان، خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين مؤيدين ومعارضين.
ويشير محللون إلى أن هذه التغييرات قد تؤدي إلى إعادة رسم خريطة الجيش ومنحه انضباطاً أكبر، أو قد تؤدي إلى صراع داخلي إذا لم تصاحبها ترتيبات سياسية شاملة.
المبادرة الدولية ومسار هانا تيتيه
على الصعيد الدولي، تواصل المبعوثة الأممية هانا تيتيه متابعة خطة قدمتها لمجلس الأمن لإنهاء الأزمة السياسية في ليبيا. تتضمن الخطة تعديلات دستورية محدودة تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، وإعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات وضمان استقلاليتها، وتشكيل حكومة موحدة خلال شهرين، إلى جانب إطلاق حوار وطني يضم القوى السياسية والمجتمع المدني.
ورغم التفاؤل الذي أبدته اللجنة الاستشارية الليبية للأمم المتحدة، تبقى التحديات كبيرة في ظل إعادة ترتيب الأطراف الليبية أوراقها واستعداداتها للتكيف مع المرحلة المقبلة.
الدور الأميركي
يسجل الدور الأميركي حضوره من خلال لقاءات رفيعة المستوى، أبرزها اجتماع روما بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة برعاية مستشار الرئيس الأميركي، لمناقشة ملفات معقدة مثل مستقبل إدارة قطاع النفط وموقف حفتر من صراع طرابلس.
ومع أن تسربت بعض الأنباء عن تفاهمات أولية لدمج الحكومتين في شرق ليبيا وغربها، فإن غياب التأكيد الرسمي يزيد الغموض ويثير شكوك المراقبين حول جدية هذه المحاولات.
التنافس الإقليمي: تركيا وروسيا
يظل الانقسام الليبي ساحة لتنافس إقليمي ودولي متصاعد، أبرز اللاعبين فيه تركيا وروسيا.
–تركيا تعتمد نهجاً براغماتياً وتواصل تعزيز موقعها في الوساطة بين حكومة الوحدة وميليشيا الردع، مع التركيز على مشاريع الإعمار كأداة لتوطيد العلاقات.
–روسيا تحافظ على تحالفها الاستراتيجي مع شرق ليبيا، وتطور خطوط الاتصال السياسي مع سلطات غرب ليبيا، لكنها لم تغيّر حتى الآن نظرتها الحذرة لسياسات موسكو في ليبيا، وفق خبراء محليين.
الأزمات المعيشية
في خضم هذه التعقيدات، يبقى المواطن الليبي يعاني من أزمات معيشية خانقة تشمل انقطاع الكهرباء، نقص السيولة، ارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية، ويعتمد العديد من الأسر على المساعدات والقروض.
كما أن ازدواجية المؤسسات بين الشرق والغرب وتأخر صرف المرتبات يزيد من الإحباط الشعبي، رغم أن ليبيا بلد نفطي ينتج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، ما يجعل الوضع مأساويًا في أعين المواطنين.
محطات بارزة في مسار الانقسام الليبي
ثورة 17 فبراير 2011: اندلاع الثورة ضد القذافي وتدخل عسكري دولي بقيادة الناتو.
سقوط النظام: خلق فراغ أمني وسياسي واسع وانتشار ميليشيات محلية.
انقسام البرلمان والسلطتين: انتخابات 2014 وانقسام السلطة بين شرق ليبيا بقيادة حفتر وغربها تحت سيطرة ميليشيات طرابلس ومصراتة.
اتفاق الصخيرات: تشكيل حكومة الوفاق الوطني لتوحيد مؤسسات الدولة، لكنه لم ينهِ سيطرة الميليشيات.
الحرب على طرابلس 2019–2020: حملة «طوفان الكرامة» واشتباكات بدعم إقليمي ودولي، وانتهت باتفاق وقف إطلاق النار ضمن لجنة 5+5.
فشل انتخابات ديسمبر 2021: استمرار الانقسام السياسي ووجود حكومتين متنافستين حتى الآن.
إجمالاً، يقف المشهد الليبي على مفترق طرق، بين احتمال انفراج يعيد للدولة تماسكها واستقرارها، أو تصعيد يعمّق الانقسام لأمد غير معلوم، بينما يبقى المواطن الليبي في قلب التحديات اليومية، يعيش بين أزمات معيشية ومعاناة سياسية وعسكرية متشابكة.
_____________