د. جاسم الجزاع

من المأثور عن نابليون بونابرت قوله: «الجيوش تمشي على بطونها»..

وعلى الرغم من أن هذه المقولة قد تبدو صحيحةً باعتبار الناحية التموينية، فإن ذلك ليس كافيًا، فالقوات المسلحة تحتاج لا محالة إلى القوام الفكري، والتغذية الفكرية التي تدفعها وتحركها، وتجعلها تبدأ عملياتها العسكرية وتنهيها، وهذا ما يسمى بــ«العقيدة العسكرية».

فالعقيدة العسكرية هي مجموعة الأفكار والقيم والأعراف والمنطلقات الوجدانية والأهداف، التي ينطلق منها الجيش لخوض الحروب بكل بسالة ودون تردد؛

ويعرِّفها البعض بأنها عبارة عن مجموعة التعاليم العسكرية التي أثبتت التجارب صحتها، فتم اعتمادُها بشكل رسمي ومُلزِم من قِبل القوات المسلحة، لتصبح عبارة عن إرشادات وأدلة وتوجيهات ونصائح وأساسيات مُحكمة، ينطلق منها الجيش لخوض الحرب وتحقيق النصر.

ويختلف مفهوم العقيدة العسكرية من دولة لأخرى، ويرجع ذلك إلى اختلاف القيم والأفكار والأديان، والعوامل الجغرافية والاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد، والتطورات التكنولوجية القائمة، والصراع بين صُناع السياسة من العسكريين والمدنيين، وإلى عوامل أخرى غيرها.

والعقائد العسكرية موجودة منذ القِدم، ولكنها لم ترتقِ إلى مستوى العلم المنظَّم إلا في مراحل متأخرة، فلم تَظهر المناهج العسكرية، ومعها الكتابات الجادة في العقائد العسكرية إلا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وللعقيدة العسكرية خصائص، منها أنها أثبتت جدواها وفاعليتها بعد التجربة والتقويم والنقد والمراجعة الدورية لها، واعتُمدت رسميًا من قِبل القيادات العسكرية وأصبحت جزءًا من النظام العام العسكري، وأنها مزيج من العلم والفن؛

علم بمعنى أن لها قواعد وأسسًا ومبادئ عامة، وفن من حيث إنها تعتمد على التوجهات والآراء البشرية.

كما أنها اجتهادية وليست جامدة، بمعنى أنها تعتمد على حكمة القائد العسكري وقدرته على فهم النصوص المكتوبة واكتشاف الظروف الواقعية المناسبة لها، ثم اتخاذ القرار الصائب..

ومن خصائصها كذلك أنها تأخذ وقتًا وزمنًا طويلًا لتتبلور وتتكون، وأنها تواكب التغيرات لكنها رغم ذلك ثابته نسبيًا.

إن توظيف الجيوش للعقائد العسكرية يعود عليها بالفوائد والنفع الكثير، ومن ذلك أنها تساعد على فهم أسباب الصراع المسلح الحاصل الآن، وتُشكل أرضية ثقافية مشتركة لأعضاء الجيش ضباطًا وجنودًا ومهنيين، وتُقدم دليلًا لاستخدام القوات المسلحة في الحرب، وتُعزز فاعلية وتأثير القوات المسلحة، وتساعد القادة والجنود على الإبداع العسكري والمبادرات الفنية العسكرية .

والعقيدة العسكرية لها عدة مكونات:

أولها السلطة وطبيعة الحكم، فهي المؤثر الأول في العقيدة العسكرية، فمنها تصدر السياسات العامة والقوانين، ومنها تنبع الأهداف الاستراتيجية، وهي التي تحدد التهديدات المستقبلية، وتميز الأعداء من الحلفاء؛

كما أن طبيعة السلطة تؤثر على العقيدة العسكرية، فإذا كانت السلطة ديكتاتورية فإن القوات العسكرية قد تكون أداة في يد السلطة للقضاء على المعارضة الداخلية، وإذا كانت السلطة ديمقراطية صار للقوات المسلحة أهداف كبيرة، وتم تفعيل دورها في حماية الثغور السياسية .

المكون الثاني يتمثل في الثقافة السائدة في المجتمع؛ فالمجتمع هو منبع القيم والأعراف العسكرية، وفيه تتشكل المعتقدات الدينية، ويتحدد مسار التقدم التقني والعلمي، ويتجسد الواقع الديمغرافي الذي يمر به..

أما المكون الأخير في العقيدة العسكرية فتشكله النظريات، ويُقصد بها كل ما ينتجه العقل العسكري من أفكار.

لذك اذا أرادت القوات المسلحة أن تصنع عقيدة عسكرية صحيحة فعليها أن تأخذ بعين الاعتبار تجويد القيم المجتمعية النابعة من ثقافة المجتمع الذي تحميه، والذي يتشكل أفراده من خلالها، وأن تقوم بعملية تحليل عميق لطبائع الأعداء، والتهديدات المتوقعة، والمعتقدات الدينية، والسياسات الوطنية، وطبيعة القوات الصديقة والحليفة، وأن تستفيد من التجارب السابقة والتراث التاريخي للأمة.

______________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *