يوسف عبدالهادي الحبوش

موقف غير منتظر

قبل أن نتطرق إلى المرحلة الخطيرة من مسيرة الشيخ السعداوي السياسية بعد صدور قرار استقلال ليبيا المشروط دعونا نعود قليلا الى الوراء؛ إلى موقف مهم تجاوزناه في الحلقة الماضية رغبة منا في عدم إطالة المنشور, وأيضًا من أجل ترابط محطات المقالة في ما كنا بصدده عن قصة ومآل هيئة تحرير ليبيا“, واقصد الموقف غير المنتظر الذي اتخذه السعداوي يوم اعلان استقلال برقة, والذي أثار به حفيظة البرقاويين مثل ما نال انتقاد العقلاء الواقعيين من الطرابلسيين.

لقد حظي السيد السعداوي في حواضر برقة باحترامٍ ظهر جليًا في الاستقبال الذي قوبل به عند دخوله للبلاد أول مرة في مطلع سنة 1948, إلا أن ذلك التوقير سرعان ما بدأ يزول ابتداءً من حنق البرقاويين واستنكارهم لخزعبلة انشاء هيئة تحرير ليبيا وخضوع السعداوي لتصرفات حائكها عبد الرحمن عزّام, ووصولًا إلى موقف السيد السعداوي المفاجئ أمام اللجنة الرباعية كما أسلفنا.

ثم تصريحاته العلنية في الصحف المصرية باستنكار إعلان استقلال برقة, وهو ما يخالف في نظرهم كل عهوده السابقة التي قطعها, ونكوص واضح عن وفائه بقسمه للأمير!, خاصة وأن البرقاويين بخطوتهم هذه لم يقفلوا الباب بعد أمام لحوق طرابلس بمسيرتهم نحو الاستقلال.

وقد أعلنوا صراحة أنهم ساعون إلى وحدة البلاد, وأنهم يرحبون بأشقائهم الطرابلسيين أن اجتمعت كلمتهم على ما في صالح بلادهم, لذا فموقف السعداوي الأخير يُعد أمرًا غير مقبول عندهم على الإطلاق.

فالسعداوي يعرف تمامًا أنه لم يستطع بخطبه الحماسية الملتهبة جمع التشكيلات السياسية الطرابلسية المنشطرة في كل مرةعلى كلمة واحدة, وإن حدث ذلك لوقت مؤقت لا يلبث الأمر بعده برهة حتى ينهار, كما يدرك السعداوي أيضًا أن البرقاويين المتماسكين خلف أميرهم قد نفد صبرهم, وأنهم لن ينتظروا طويلًا, وأنهم لم يعودوا يهتمون بمزيد من حزمة أوراق المبايعات المتتالية على الأمير من جهة الشق الغربي من البلاد, والتي كان مبعثها في كل مرة القناعات المصلحية المؤقتة وليس الولاء الخالص.

خاصة بعد أن ادلهمت الآن المخاطر بعد صدور مؤامرة بيفن سيفورزاالمستهجنة, وأن الوصاية التي كان السعداوي يُصرّح قبلًا بأنه لا يمانع في قبولها سواء كانت مصرية أو بريطانية؛ هم يرفضونها على الدوام شكلا ومضمونا, وها هو الآن مثلهم يرفضها بعد أن لاحت مقترنة ببعبع عودة الطليان إلى طرابلس..

موقف السعداوي الأخير هذا أجبر الشيخ أبي الإسعاد العالم” –الرئيس التنفيذي للمؤتمر الوطني الطرابلسي فيما بعد (مؤتمر السعداوي نفسه)- أجبره على التعبير علنًا وللقنصل المصري في بنغازي أحمد بهجتعن استيائه من هذا الموقف, كان ذلك أثناء الزيارة الودية (الذكية) التي ساهمت في تهدئة نفوس البرقاويين, والتي قام بها المفتي أبو الإسعاد يوم 6 يونيو 1949 صحبة محمود المنتصروالشيخ علي تامر الورفليإلى برقة لتهنئة أهلها وأميرهم بإعلان استقلالهم, ودعوة الأمير السنوسي إلى زيارة طرابلس الغرب,.

زيارة الوفد الطرابلسي التي استغرقت 5 أيام قوبلت وبتوجيهات الأمير نفسه بالحفاوة البالغة والاكرام, لقد عبّر المفتي عن وضع طرابلس يومها أحسن تعبير بقولهإن الرأي العام أصبح ينظر إلى الأمور بعين الواقع والمصلحة العليا , وان الشخصيات لا يصح ان يقوم لها اعتبار اذا تعارضت مع تحقيق هذه المصلحة“.

وأضاف المفتي بأنه سيتصل ببشير بك الذي كان خارج ليبيا آنذاكويحيطه علمًا بتطورات الموقف, آملًا أن يكون تصرفه مبنيا على الاتجاه الجديد, وإلا فإنه يكون من الخير أن يرجئ السعداوي قدومه إلى طرابلس في الوقت الحاضر.

وقبل أن نتوقف في هذه الحلقة عند هذا الحد أود أن أنبه إلى شيئين مهمين لا يخفيان عن المراقب الجاد لتلك الحوادث:

وهو أن الشعب الطرابلسي في عمومه لم تكن لديه أية مشكلة مع إدريس السنوسي ولا مع إمارته لليبيا بأكملها, وأن المشكلة كانت تكمن في تلك الأحزاب الانشطاريّة المسيطرة على المشهد في طرابلس الغرب, مثلما كمنت أيضًا في آراء زعمائها الحادة والمعلنة التي كانت تطغى على صوت الشارع الطرابلسي صاحب المصلحة الحقيقية في الاستقلال والاستقرار.

تلك الآراء التي كانت تدفع البرقاويين والفزانيين الى البحث عن نظام حكم يمنحهم نوع من الاستقلال عن سيطرة الإقليم الغربي الذي بدأت تنبعث منه في ذلك الوقت صيحات التفوق.

كما سيُدرك المراقب الجاد أيضًا في كل مرة خطورة تقلبات مواقف وأفكار بشير السعداوي التي قد تكون ملائمة لوضع ثوري, لكنها كانت غير واقعية على الاطلاق, وعادة ما أدّت الى مشكلة جديدة أو إلى نتيجة لا تُحمد عقباها, مع أن الشيخ السعداوي كان يؤمن في قرارة نفسه أن التمسك بإمارة إدريس السنوسي هو الضامن السليم لنجاح المسيرة بتؤدةٍ نحو الاستقلال.

وهو ما اعترف به والتزمه أمام الوفد البرقاوي في أروقة ليك سيكسيس, ما يعني أن التزام السعداوي بخط سير إدريس السنوسي هو ما كان يمنح الأول القوة لفرض رأيه أمام بقية التشكيلات الطرابلسية الأخرى وليس العكس.

عندما أعلن الشيخ السعداوي في الصحافة المصرية استنكاره لإعلان الأمير إدريس استقلال برقة, وُوجِه استنكار السعداوي هذا باستنكار البرقاويين ومن معهم من الطرابلسيين الواقعيينممن تفهموا المصاعب التي حادت بإدريس لاتخاذ هذه الخطوة.

وستبرهن حوادث الأشهر التالية على أهمية خطوة ادريس هذه في تقريب فرصة استقلال ليبيا ككل وتعزيز وحدتها, وعليه فمن الخطأ استغلال موقف السعداوي من اعلان استقلال برقة لوصم الحدث بـالمخطط الإنجليزيالذي يهدف إلى التقسيم, وبالتالي تخوين من أقدم عليه!,

إذ وفقًا لهذه الحُجّة سيُعتبر السعداوي الذي حظي على الدوام بالرعاية الإنجليزية هو الآخر مشروعًا بريطانيًا!؛ مع فارق أن الأول تم إنجازه علنًا وفوق الطاولة, بينما جاء الثاني من تحتها.

والسعداوي نفسه لا يجد غضاضة في موافقته بل مطالبتهبوصاية إنجليزية على طرابلس منفصلة عن مثيلتها على برقة إن تعذّرت الوصاية البريطانيّة على ليبيا ككل؛ وطالما عبّر السعداوي أيضًا عن تطلعه الى التعاون والاتصال الوثيق ببريطانيا؛ آخره كان مع المستر وولمسؤول إدارة الشؤون الخارجية البريطانية للأراضي الافريقية, وذلك ليلة سفر وفد هيئة التحرير الى ليك سيكسيس في ابريل 1949.

وبلا شك فإن هذا الموقف من السعداوي وفق ما ذهب إليه الدبلوماسي المخضرم والباحث المتميّز مفتاح السيد الشريفأضعف الموقف الليبي العام وقوّى من قدرة بريطانيا على المناورة والتآمر على استقلال ليبيا موحّدة“.

هذا في الوقت نفسه الذي كان فيه إدريس السنوسي ومؤتمره الوطني البرقاوي يرفضون قبول أي نوع من أنواع الوصاية ولو كانت من الملائكة؛ وهو ما اضطرهم الى اتخاذ خطوة إعلان الحكم الذاتي لإمارتهم.

إذًا وبعد أن أعلن الأمير إدريس استقلال إمارته في فاتح يونيو 1949 توجه في يوليو الذي يليه إلى طرابلس في طريقه إلى لندن, وكما مر بنا فقد كان السعداوي يومها في القاهرة, فاجتمع في الرابع من الشهر نفسه مع المستر وولالمذكور, ثم وفي اليوم الذي يليه طار إلى طرابلس ليصحب الشيخ أبو الاسعاد العالم وبقية زعماء الإقليم الغربي لاستقبال الأمير.

وبالفعل وخلال احتفالات الشعب الطرابلسي (التي بدت عفوية صادقة)؛ وبحضور الأمير ادريس ألقى السعداوي خطابا وصف فيه ذلك المشهد باليوم التاريخي المبارك الذي تستقبل فيه الامة الليبية في طرابلس أميرها المحبوب الذي تاقت لحضوره النفوس وهتفت به القلوب, كما تمنى السعداوي في خطابه أن تشمل مباحثات الأمير في لندن قضية البلاد قاطبة نحو الاستقلال التام.

في المقابل رد الأمير شاكرًا لهذه الخطبة البليغة, ووعد بأن ينقل للحكومة البريطانية هذه الأماني, وأوصى بالاتحاد والتعاضد ونكران الذات في سبيل مصلحة الوطن.

كما عبّر الأمير في اجتماعاته مع الطرابلسيين عما كان يأمله في أن تتكوّن في طرابلس حكومة وطنية على غرار حكومة برقة, وذلك قطعا للطريق أمام أي عبث ممكن أن يوقع طرابلس تحت هيمنة اجنبية, وأن تجتمع هاتان الحكومتان بعدها في شكل اتحادي.

كما عبّر أيضًا عن أمله في أن تتوحد الجهود لتكوين وفد واحد يمثل الاقليمين معًا, وذلك استعدادا لدورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر المقبل. وهو بالطبع ما لن يتحقق بسبب غياب العزيمة الصادقة مع الحضور الدائم للمناكفين.

وفي 20 من أغسطس التالي دعا السعداوي القوى السياسيّة وممثلي الأحزاب في طرابلس الغرب إلى اجتماع قصبات مسلاتة, والذي انطلق فيه حزب المؤتمر الوطني الطرابلسي, واختير فيه الشيخ السعداوي رئيسًا والشيخ أبو الاسعاد العالم نائبا ورئيسا للجنة التنفيذية, والشيخ الطاهر المريض نائبا, ومصطفى ميزران نائبا أيضًا.

بعقد التجمعات والقاء الخطب وإصدار البيانات وبصوت صحيفته الشعلة؛ استطاع حزب المؤتمر الوطني الطرابلسي الجديد ورئيسه السعداوي أن يبعث الأمل في إحداث نقلة مفيدة في النشاط السياسي الطرابلسي, كما أن تعطّش الشعب هناك إلى تحقيق أمل الاستقلال وبتاييدهم لهذه النشاطات نال المؤتمر زخما شعبيا فريدًا,

وخاصة أن رئيس الحزب أخذ يتعامل مع الواقع بعقلانية, وها هو يسير من جديد في اتجاه الشيء الوحيد الممكن والسريع نحو تحقيق الأمل المنشود!, ألا وهو استقلال البلاد تحت التاج السنوسي, وهي الوسيلة التي زادت من قوة موقفه وأضعفت الأصوات الناشزة الرافضة للسير في خط الامارة السنوسية, وهي أصوات الكتلة الوطنية الحرة وحزب العمال وحزب الاستقلال (المتطلين) الذي خطر لعبد الرحمن عزام أن يدعم إنشاؤه في هذه الأيام نكاية في صديقه السابق ومحاولة منه لتخريب مشروع امارة ادريس على طرابلس الغرب بعد أن صارت أمرًا واقعًا في برقة.

ولكن فجأة ومن جديد قفزة غبيّة أخرى للشيخ السعداوي!, وتحديدًا في 25 سبتمبر وبينما لم يجف بعد حبر كلمته أمام الأمير في شرفة المؤتمر الوطني بطرابلس؛ وبضغط من بن قدارة؛ اجتمع السعداوي في الإسكندرية مع عزّام وأحمد السويحلي وخليل ناصوف وكعبار, وبدعم من علي العنيزي؛ عدَل السعداوي مرة أخرى عن موقفه تجاه الأمير!!,

وتقرر في ذلك الاجتماع أن يذهب السعداوي في أكتوبر التالي ممثلًا للمؤتمر الوطني أحد وفدي طرابلس إلى الأمم المتحدة, وألزم نفسه أمامهم بالمناداة بالوحدة والاستقلال, وأن يضع جانبا مسألة شكل الحكم والامارة!, الأمر الذي سيعرّضه هناك لتقريع أعضاء الوفد البرقاوي شقلوف والقلال وشنيب.

يتبع

_____________

المصدر: صفحة علاء فارس على الفيسبوك

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *