سالم الكبتي

لم تكن الخطوات سهلة تلك الأيام.

عقب إعلان استقلال ليبيا بسنوات قصيرة بدأت تلك الخطوات تتجه صراحة دون أن تعلن عن نفسها كثيرا نحو التحديث والتطوير. كان المجتمع مايزال متخلفا ومغلقا مثل قوقعة على نفسه. وكان البعض يتهيب من ذلك التطوير ويخشاه وينصح بالتريث وتحقيقه بتؤدة وهدوء كبيرين.

ومع ذلك كان لابد من السير بهذا المجتمع الذي يبدو في أغلبه رعويا ينتظر المطر ويعيش على المساعدات ويقترب من بعضه في لحظات الأزمات والكوارث.

وهنا نهض المخلصون بهذه الرسالة. التطوع في التدريس والعمل الخيري وتنظيمه والمشاركة فيه عبر كل الوجوه. شرعت الصحف في نشر المزيد من التنوير والكشف عن مناطق الظلام.

وشاركت محطات الإذاعات المحلية في الاقتراب من مشاكل المجتمع ومحاولة علاجها.

انتظمت النوادي الرياضية وواصل الموفدون للدراسة خارج البلاد تعليمهم والعودة إليها تباعا ليشاركوا في النهوض بهذا التحديث خلال فترة صعبة. بقايا الثقافة القديمة العالقة والمفاهيم السائدة والتقاليد والخطاب اليومي المسيطر على العقول.

ووسط هذا كله برزت هنا الحركة الكشفية في ليبيا معلما للحداثة الليبية الجديدة والتطور وعنوانا جمع الشباب الليبي في وعاء الوحدة الوطنية بعيدا عن الإقليمية والتعصب والتفرقة.

ظلت معنى قريبا وواضحا للانتماء الصادق الذي لايلغي أحدا أو يقصيه ولايعني أبدا في جانبه الواضح التعصب والانغلاق.

لقد فتح الوصول إلى الاستقلال كل هذه الأبواب وأتاح المجال واسعا ورحبا أمام أصحاب الأفكار للإسهام في بناء الوطن والدولة. كانت البلاد تحتاج فعلا إلى تظافر كل الجهود وتوحيدها ومساندة المبادرات التي تسعى للنهضة والسير نحو النور.

كما أضاء الاستقلال في واقع الأمر الدروب المعتمة التي كانت تحاصر الوطن..أضاء العودة للنخب والأسر المهاجرة فترة الاحتلال وأتاح المجال رحبا لها في الانطلاق والبناء دون قيود أو شروط أو تصنيفات.

كان المهاجرون في أغلبهم عانوا من مرارة الإذلال والاغتراب عن وطنهم الليبي. لقد تشتتوا بفعل الاحتلال في الدول المجاورة لكن ظل عقلهم وقلبهم داخل الوطن ولم يتأخروا في نضالهم خارجه بشتى الوسائل والطرق. ذلك معروف للجميع في مصادر التاريخ على اختلافها ومن الصعب إنكارها أو إهمالها.

تلك الأعوام كانت مجموعة من الأسر الليبية أقامت في ديار الشام.. سوريا ولبنان وقد نجح أغلب أفرادها في الإسهام أيضا في نهضة تلك الأقطار في العمل بالمرافق المدنية والعسكرية والفنية.. والأمثلة على ذلك كثيرة.

في آواخر العام 1953 وصل من بيروت إلى الإسكندرية عن طريق البحر الأستاذ علي خليفة الزائدي المواطن الليبي المولود في الخمس والمهاجر مع والده وأسرته إلى لبنان.

كان في لبنان من القادة المشهورين في حركة الكشاف المسلم ومن روادها. وكانت هذه الشهرة في واقع الأمر تسبقه على الدوام من خلال سيرته وخبرته ومؤلفاته في المجال الكشفي والتربوي.

وكان على صلة بالحركة الوطنية الليبية في مهجره كما ظل بمثابة راع للجالية الليبية هناك ويتواصل مع القادمين من أهل وطنه في ليبيا بالترحاب والضيافة والاستقبال. كان أغلبهم يدرس بالجامعة الأمريكية في بيروت أو يأتي إليها للمشاركة في دورة تدريبية أو حلقة علمية.

كانت بيروت في ذلك الزمن.. بيروت أخرى من كل الوجوه!

هذا الزائدي الليبناني جاء بحماس إلى وطنه. بقى أياما عند أقاربه في الإسكندرية ومطروح..عائلة الشويهدي وعائلة قليصة.

تحدث لهم عن ذلك الحماس الذي يعتري نفسه ووصل به لاحقا إلى بنغازي عن طريق البر. ظل بها أياما. حاول أن يتلمس الطريق ليؤسس فرقة كشفية لكن مسؤولي ولاية برقة ردوه ردا جميلا ومهذبا. كانت في الأذهان ماتزال تجربة جمعية عمر المختار وكشافتها التي حلت في يوليو 1951منذ عامين مضيا. كان الجرح مايزال ساخنا وقد يفور!

كانت الجمعية في بنغازي والمؤتمر الوطني في طرابلس تشهدان نشاطا كشفيا يعتمد في العموم الحماس السياسي ولا يركز كثيرا في برامجه ومناهجه على الجانب التربوي والنفسي الذي تتوخاه الحركة الكشفية العالمية منذ تأسيسها عام 1907 بقيادة اللورد بادن باول.

بعد عامين من هذا التأسيس سيأتي إلى الدنيا علي الزائدي ويصبح لاحقا من قادة الكشف الذائعي الصيت في الوطن العربي.

لم يشعر بأية هزيمة أو إحباط. كان يعرف الحكمة الكشفية التي تقول ضمن بنود شريعتها (الكشاف يبسم ويهزأ بالصعاب). وكان يدرك أن وطنه في حاجة إلى جهده الشاق بالمزيد من الإقناع والصبر. ولم تكن الخطوات سهلة المنال بالطبع !

كان الرجل يملك عزيمة من فولاذ.

نجح في التواصل والإقناع وفي يوم الإثنين الأول من فبراير 1954 انطلقت أول فرقة كشفية بقيادته ضمت (37 كشافا) من مدرسة طرابلس الثانوية. كانوا نواة الحركة الكشفية في ليبيا.

بدأت المسيرة والخطوة ثم ظلت تكبر وتنال المزيد من النجاح. مع الكثير من محاولات الاحتواء ونصب الفخاخ في الطريق. وهذا الانطلاق العسير حقق المرجو منه مع الوقت بتشجيع الدولة ومسؤوليها وتضامن أولياء الأمور.. والمجتمع.

في صيف ذلك العام نجح الزائدي وفرقته مع طليعة كشفية تكونت مؤقتا في مدرسة بنغازي الثانوية من المشاركة في المخيم العربي الكشفي الأول بالزبداني بسوريا وعادوا بالترتيب الأول وسط حضور كبير من منظمات كشفية عربية عريقة سبقت تلك الفرقة المتواضعة في التأسيس والنشوء.

لم تتوقف أيضا خطوات التحديث والانتماء والتطور ذلك العام فقد تأسست أول جمعية نسائية في ليبيا باسم جمعية النهضة النسائية في بنغازي بقيادة السيدة حميدة العنيزي.

وفي صيف العام ذاته تكونت أول مدرسة عسكرية ليبية بعد الاستقلال في مدينة الزاوية وضمت مجموعة من شباب ليبيا تخرجوا فيها على دفعتين وأعطوا معنى من معاني الوحدة الوطنية التي جسدتها في البداية الحركة الكشفية ثم في العام التالي 1955 ستنطلق الجامعة الليبية الوليدة في إشارة واضحة أيضا للتطور وتكوين علاقة لا تنفصم بين معاني الاستقلال والوطنية السليمة والتحديث والنهضة في وقت مبكر من عمر إعلان الاستقلال ولتستمر خطوات أخرى كثيرة بلا توقف.

في أول فبراير منذ ما يقارب سبعين عاما نجح الزائدي في وضع أولى العلامات الرائعة لتوحيد الشباب الليبي وهي علامة فارقة في تاريخنا المعاصر وتستدعي المزيد من الاهتمام والعناية بدراستها وتوثيقها وتقديم تفصيل تجربة روادها للاهتداء بها.

العام القادم ستمر الذكرى السبعون لهذا التأسيس المؤثر في بنيان الوطن وتظل الدعوة قائمة وملحة أمام من يهمه الأمر للاحتفاء اللائق بها وتوثيق تأريخها وكل مايتصل بذلك.. قبل حلول فبراير القادم!

______________________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *