إذا اعتقد رجل الجيش أنه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التمسك بالسلطة أو السجن وربما الموت فسوف يستميت للبقاء في منصبه.

هذه مخاطرة ينبغي تجنبها كلما كان ذلك ممكنًا. لكن ماذا عن النقاء الثوريّ والمثالية الأخلاقية التي تحتم محاسبة كل المجرمين؟ لا بأس بها، شريطة ألا تتحول دعوات القصاص إلى قميص عثمان، أو تقف الرغبة في الانتقام حجر عثرة في طريق الواقعية اللازمة لاغتنام فرص التسوية.

يضرب أليكس دي وال، المدير التنفيذي لـ«مؤسسة السلام العالمية»، على ذلك مثلاً: رجل جامبيا القوي يحيى جامع، الذي كان مستعدًا للتنحي عن السلطة بعد خسارته الانتخابات الرئاسية في ديسمبر (كانون الأول) 2016، لكن عندما أعلن مرشح المعارضة الفائز، أداما بارو، أنه سيحاكم جامع، تصلّب موقف الأخير وأعلن حالة الطوارئ بذريعة وجود مخالفات شابت العملية الانتخابية وحاول الضغط على البرلمان لتمديد حكمه لمدة ثلاثة أشهر، ولولا الضغوط الدولية والوساطات الإقليمية لما قبل في النهاية بتسليم السلطة سلميًا.

ثمن الخلاص من المستبد

«إن القول، أو الإيحاء بأي شكل من الأشكال، بأن انتصار الديمقراطية في جامبيا كان أمرًا لا مفر منه؛ سيمثل سوء فهم جسيم لطبيعة الديمقراطية ذاتها في أفريقيا»، على حد قول كالين ميلز في «جيوبوليتيكال مونيتور».

ألم تستغرق جنوب أفريقيا أكثر من 50 عامًا لتخلص نفسها من نظام الفصل العنصري؟

ألم ينتح المجتمع الأفريقي جانبًا ليشاهد الجنرال عيدي أمين وهو يحكم أوغندا ويتسبب في مقتل مئات الآلاف خلال سبعينات القرن الماضي؟

عندما رفض جامع التنازل عن السلطة بعد الاعتراف أولًا بهزيمته الانتخابية، بدا الأمر وكأنه تأكيد لما يعرفه الجميع بالفعل بأن الرجل جاء في الأصل إلى السلطة على صهوة انقلابِ يوليو 1994.

مثل هذه الحالة المزمنة لا تصلح معها سياسات الانتقام التي سارعت إليها المعارضة بالحديث عن إلغاء انسحاب جامبيا من المحكمة الجنائية الدولية، ورفض منح الرئيس السابق الحصانة من الملاحقة، بل التهديد بالاستيلاء على أصوله.

حان وقت الملاحقة

«لم يكن قرار جامع بالتنحي عن السلطة بعد 22 عامًا مهمًا لشعبه فحسب، حيث قرر عدم دفع البلاد إلى معركة دموية للاحتفاظ بالسلطة، ولكنه أيضًا دشن سابقة مهمة في أفريقيا لانتقالٍ سلمي للسلطة بعد دكتاتورية دامت عقودًا»، كما يقول الدكتور سليمان ديرسو.

وبهذه الطريقة تجنبت جامبيا ما يسميه ديرسو «لعنة الدول التي نكبت بحكم استبدادي لفترة طويلة؛ حيث تظل الأسئلة مثارة حول مصير الزعيم المنتهية ولايته أثناء وبعد تسليم السلطة وحول الانتقال من السياسة الاستبدادية إلى الديمقراطية».

تخلصت الدولة المعروفة باسم «ساحل أفريقيا المبتسم» من نظام جامع وأرسلته إلى المنفى، وكان الشباب – الذين يطلق عليهم في أفريقيا وصف تشيتا” – هو «قائد الثورة الهادئة التي هزمت جامع في صناديق الاقتراع».

لكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد؛ إذ لم يتنازل ضحايا نظام يحيى جامع عن حقهم في تقديمه وشركائه الرئيسيين إلى العدالة، بغض النظر عن المدة التي قد يستغرقها ذلك.

بدافع «الواجب الأخلاقي»، شكلوا تحالفًا يسعى إلى تعزيز صوت الضحايا في العملية الانتقالية الحالية، ومساعدة الحكومة الجامبية على استرداد أصول جامع، وإرسال رسالة إلى «الطغاة في جميع أنحاء القارة بأن الشعب مصمم على ألا يفلتوا من العقاب».

______________

المصدر: ملف الكفاح الأسمر.. 5 من أبرز تجارب التخلص من «حكم العسكر» في أفريقياـ موقع ساسة بوست

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *