مادالينا زاجليو
نبذة تاريخية عن تأسيس البنك الوطني الليبي
بدأ البنك أعماله في أول أبريل 1956 في طرابلس وأفتتح المقر الرئيسي له في بنغازي
رسميا في أغسطس 1957، وفي أواخر سنة 1957 انتقل مقر الحكومة الاتحادية إلي بنغازي ونقلت حساباتها الرئيسية إلي هناك، أما إدارة ولاية فزان فقد احتفظت بحساباتها لدي البنك الوطني.
وبعد صدور قانون البنوك لعام 1958 بوقت قصير، أرسلت ولاية برقة احتجاجا رسميا الي الحكومة الاتحادية مدعية عدم تمشي هذا القانون مع الدستور وأن الأعمال المصرفية التجارية تقع ضمن الاختصاصات المشتركة المنصوص عليها في المادة 38 من الدستور والتي تقضي بأن الحكومة الاتحادية لها القوة التشريعية وأن الولايات عليها مسئولية التنفيذ تحت الإشراف العام من قبل الحكومة الاتحادية وظلت الولايات علي موقفها بأن البنك الوطني من الناحية الدستورية يعتبر مصرفا اتحاديا وأنه يتعين إلي الولايات بأمر تنفيذ القانون بدلا من وزير المالية.
وصدر قانون البنوك رقم 4 لسنة 1963 في نفس الوقت تقريبا الذي تم فيه تعديل الدستور الليبي بحيث ألغيت الولايات كوحدات سياسية وأصبح البنك يتمتع بالسلطات القانونية اللازمة للبنك المركزي.
***********
ملخص الورقة
غالبًا ما يُصوّر التأريخ لليبيا المستقلة عهد الملك إدريس (1951-1969) كدولة عميلة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المساعدات الخارجية.
وبالاستناد إلى سجلات بنك إنجلترا والأرشيف الوطني البريطاني، تُفنّد هذه الورقة هذه الرواية، مُبيّنةً أن خطواتٍ هامة نحو السيادة المالية قد اتُخذت خلال العهد الملكي مع إنشاء المصرف الوطني الليبي عام 1956.
ورغم أن السيطرة الأجنبية لم تختفِ، إلا أن هذا التطور مثّل تحوّلًا من الهيمنة البريطانية في القطاع المالي إلى سيطرة ليبية متزايدة على السياسة النقدية والقيادة المالية.
وبالتالي، تُمثّل هذه الورقة خطوةً هامةً نحو إعادة النظر في التأريخ لليبيا الملكية وإعادة صياغته.
وبذلك، تُسهم في الأدبيات الأوسع نطاقًا حول المصارف المركزية في الدول النامية حديثة الاستقلال – وخاصة تلك الخاضعة للسيطرة البريطانية السابقة.
مع إقرار هذه الورقة بوجود المنطق الاقتصادي، فإنها تؤكد أن الدوافع السياسية كانت الدافع الرئيسي وراء إنشاء البنوك المركزية في هذه السياقات. علاوة على ذلك.
تؤكد الورقة أن فهم تطور المؤسسات المالية في فترة ما بعد الاستعمار يستفيد من دمج وجهات النظر المحلية والإقليمية والجيوسياسية الأوسع.
مقدمة
عندما استولى معمر القذافي على السلطة في ليبيا في سبتمبر/أيلول 1969، أعلن بداية عهد جديد. وفي قطيعة مع عهد الملك إدريس المنحاز للغرب، دعا الشعب الليبي إلى التوحد وبناء جمهورية عربية ليبية جديدة تعيد للبلاد سيادتها واستقلالها، متحررة من النفوذ الأجنبي.
وبعيدًا عن خطاب الملازم آنذاك الذي يُضفي الشرعية، فإن فكرة أن حكم الملك إدريس، الذي استمر 18 عامًا، كان خاضعًا لتأثير وسيطرة القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تُناقش على نطاق واسع في التأريخ العربي والغربي.
غالبًا ما يُصوَّر عهد إدريس على أنه دولة دمية، حيث أدى مساره الفريد من الاستعمار إلى الاستقلال، إلى جانب التحديات الداخلية، إلى اعتماد كبير على المساعدات الخارجية.
وعلى الرغم من أن الأدبيات تُقر بالتغييرات الرئيسية التي عززت استقلال ليبيا مع نهاية النظام الملكي، مثل مفاوضات انسحاب القواعد الأجنبية عام 1964، إلا أن هذه التغييرات تُعزى إلى حد كبير إلى تأثير الثروة النفطية التي اكتُشفت عام 1959، أو الضغط الذي مارسه رئيس مصر، جمال عبد الناصر، على القادة الليبيين.
ومع ذلك، نادرًا ما يُنسب تحرر ليبيا من النفوذ الغربي إلى الجهود النشطة التي بذلها الوكلاء الليبيون أنفسهم، بدلاً من أن يكون مجرد رد فعل على الضغط الخارجي أو الاكتشاف المفاجئ للموارد الطبيعية الهائلة.
وللإنصاف، تُقرّ عدد من الدراسات بالفاعلية الليبية في عملية بناء الدولة.
على سبيل المثال، يُؤكد بالدينيتي على دور العروبة والقومية الليبية في النضال من أجل الاستقلال. يُسلّط مورون الضوء على ديناميكيات التعاون والوساطة بين الأطراف الليبية عشية الاستقلال، ولاحقًا على جهود إدريس لإرساء نظام تعليمي متجذّر في التقاليد العربية لا الأوروبية.
وبالمثل، يُبرز سوري دمج الإسلام في المشروع الملكي في عهد إدريس. ويُشدد بن حليم في مذكراته على سعي حكومته لتحقيق الاستقلال السياسي من خلال السيادة الاقتصادية. ويُشير خدوري إلى مهارة بن حليم في التفاوض على الاتفاقيات الأنجلو–أمريكية–الليبية في منتصف الخمسينيات.
ومع ذلك، فإن ما يبرز بشكل واضح من الكثير من هذه الدراسات هو أن الدور الليبي في تشكيل الدولة الجديدة غالبًا ما تجلّى في التنافس على السلطة بين النخب الناشئة أكثر من بناء أمة متماسكة. فقد قوّضت التنافسات الإقليمية، والصراعات الشخصية والعائلية، والصراعات الفصائلية النظام الفيدرالي، وأضعفت السياسات الحزبية، وأعاقت وحدة الدولة وفعاليتها.
أجادل في هذه الورقة بأن هذه الرؤية للملكية الليبية – سواءً كنظام تابع لقوى أجنبية، أو، عند الاعتراف بالفاعلية الليبية، كقصة تنافس داخلي وضعف مؤسسي – غير مكتملة، إذ اتُخذت خطوات مهمة نحو تعزيز السيادة المالية الليبية خلال العهد الملكي قبل اكتشاف النفط وتسويقه، ولم تكن تعتمد فقط على الضغوط الخارجية.
يُعد إنشاء البنك الوطني الليبي عام ١٩٥٦، بنجاحاته في السياسات النقدية والقيادة، دليلاً على ذلك.
وعلى الرغم من أن السيطرة الأجنبية لم تختفِ تمامًا، إلا أن هذه الحلقة تشهد على تطور ديناميكيات القوة من وضع شبه إمبريالي سيطرت فيه المملكة المتحدة تمامًا على القطاع المالي، إلى وضع دخلت فيه النخب الليبية في لعبة القوة وفرضت نفسها تدريجيًا.
بناءً على سجلات من أرشيف بنك إنجلترا والأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، وأُجادل بأن تطور ديناميكية القوة هذه كان مدفوعة بمجموعة من العوامل المحلية والإقليمية والدولية.
على الصعيد المحلي، بدأت نخبة بالتشكل، وكانت الهوية الوطنية الليبية، المستوحاة من القومية العربية، تكتسب أرضية.
يُجسّد رئيس الوزراء الليبي، مصطفى بن حليم، أول من طرح فكرة إنشاء بنك وطني، وعلي نور الدين العنيزي، أول محافظ له، النخبة الوطنية الليبية الجديدة.
نظرت مصر، حليفتها الإقليمية، إلى ليبيا باهتمام، بينما على الصعيد الدولي، شكّلت ديناميكيات الحرب الباردة، وخاصة التهديد المتزايد للنفوذ السوفيتي، إلى جانب المطالبات الفرنسية بتقاسم السيطرة المالية، تحديًا للهيمنة البريطانية الكاملة على المالية الليبية.
مع ذلك، رضخت الولايات المتحدة لبقاء المملكة المتحدة مسؤولة عن حماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية في ليبيا، وهو موقف استمر طوال ستينيات القرن الماضي.
وهكذا، اضطرت الجهات البريطانية الفاعلة في الملف إلى مواجهة الانتقادات والمطالب والضغوط الداخلية والخارجية، مما أدى إلى إعادة تقييم مصالح الدولة البريطانية.
وبناءً على ذلك، أرسى قانون البنك الوطني سياسة نقدية أكثر مرونة من تلك التي اقترحتها الجهات البريطانية في الأصل.
بعد ذلك، عندما عُيّن العنيزي، وهو وطني ليبي متحمس، أول محافظ للبنك الوطني الليبي، واصل كفاحه من أجل السيادة، مما أدى إلى “ليبنة” كاملة لموظفي البنك واستقلال نقدي أكبر في السنوات التالية.
…
يتبع
______________
Central Banking on Independence: The Birth of the National Bank of Libya by Maddalena Zaglio
المصدر: مجلة تاريخ الإمبراطورية والكومنولث