سامي خليل

استعادت فرنسا دورها في ليبيا، وصارت تقدم نفسها بصورة جديدة، إذ لم تعد تراهن على طرف واحد، بل تسوق لصورة شريك تقني في قضايا غير سياسية من التراث إلى العدالة، وإزالة الألغام، والتدريب القضائي، والطاقة الشمسية.

ويقول مصدر سياسي ليبي في طرابلس إن عدد أنشطة السفير الفرنسي تيري فالا في ليبيا منذ تعيينه، منذ سبتمبر الماضي، تجاوز 70 نشاطًا في عام 2026، ما يعكس وعيًا فرنسيًا متزايدًا بطمس أخطاء الإدارات السابقة المتحيزة في الأزمة الليبية.

ويعمل بشكل وثيق مع السفير الفرنسي، المبعوث الخاص للرئيس إيمانويل ماكرون إلى ليبيا بول سولير، الذي يلعب دورًا محوريًا في تنسيق الجهود الدبلوماسية لبلاده ويقوم بجولات مكوكية مستمرة ولقاءات دورية مع مختلف الأطراف السياسية والعسكرية.

ويقول المصدر ذاته لـإرم نيوز، إن فالا وسولير يسعيان إلى تعويض الوقت الضائع بوجود فرنسي يومي متواصل، لأن الانسحاب لم يكن في صالحهم بعدما عزز الروس وجودهم في الشرق ومؤخرًا في الغرب، ويرسخ الأتراك وجودهم في طرابلس ومصراتة والزاوية، ويستعيد الإيطاليون نفوذهم من خلال شركة النفط الوطنية إيني.

وعبر البوابة الاقتصادية، شهدت أرقام التجارة انتعاشًا، فقد زادت الصادرات الفرنسية إلى ليبيا بنسبة 50% في عام 2025، لتصل إلى 2.7 مليار يورو مقارنة بـ 1.9 مليار يورو مع تونس خلال الفترة نفسها، على الرغم من أن تونس لطالما كانت الشريك التجاري الرئيس لفرنسا في المغرب العربي.

ولم يكن النفط عبر شركة توتال إنيرجيز من يعزز العلاقات الاقتصادية، وإنما المعدات الصناعية والتكنولوجيا والخدمات والأدوية والمنتجات الغذائية والرغبة في الحصول على عقود إعادة إعمار ليبيا.

وفي الكواليس، تعمل وكالة إكسبيرتيز فرانسفي ليبيا منذ سنوات، وهي الذراع الفنية للدبلوماسية الفرنسية، فقد أنفقت أكثر من 3 ملايين يورو سنويًا منذ عام 2016 على تدريب النيابة العامة ومركز البحوث الجنائية، وإزالة الألغام، ودعم العملية الانتخابية، ومشروع أجيال جديدة/ أجيال؛ لتمكين رائدات الأعمال ومشروع الاستثمار في ليبيا“.

وتعتمد باريس على خبرائها لإعادة بناء مؤسسات ليبيا القضائية والأمنية، وليس فقط على المساعدات الإنسانية، حيث تعوض غياب وجود عسكري فرنسي مكثف بوجود تقني وقانوني.

وعبر معهد أبحاث المغرب المعاصر، الذي يقوم بدور أكاديمي متزايد في حماية التراث المادي وغير المادي في ليبيا، وتمويل منح دراسية للباحثين ضمن هذا الإطار، يثير هذا الاهتمام استفهامات، يؤكد أن باريس مصممة على بناء جيل مؤثر من الأكاديميين والطلاب الليبيين المرتبطين ثقافيًا وأكاديميًا بفرنسا، في وقت تنخرط فيه تركيا عبر جامعاتها ومعهد يونس إمرا وإيطاليا عبر كازا إيطاليانا، التي افتتحت في فبراير 2026 في بنغازي، وهو ما يؤجج منافسة شرسة في مجال القوة الناعمة.

وسبق للسفير فالا أن ذكر أن العلاقات بين البلدين جيدة جدًا، ولكن يمكن أن تكون أقوى، في اعتراف ضمني بتباطؤ وتيرة هذه العلاقات، إما بسبب تعقيدات الوضع الليبي، أو بسبب الحذر الفرنسي الرامي إلى تجنب اضطرابات الماضي.

ويلحّ على أن الحل يجب أن يأتي من الليبيين، وهو تصريح فُسِّر على أنه رفض ضمني لإشراف الأمم المتحدة، دون تحديد ما إذا كان هذا الرفض ينطبق أيضًا على المبادرة الأمريكية بقيادة مسعد بولس.

واختتم حديثه برسالة غير مباشرة إلى الفرنسيين أنفسهم: “الفرنسيون لا يعرفون ليبيا جيدًا، ودائمًا ما يُفاجؤون بسرور كبير عند زيارتهم لها، في دعوة مبطنة للسياحة والاستثمار.

والجدير بالذكر أن التصريحات لم تتضمن أي إشارة إلى الديمقراطية كشرط أساسي للتعاون. وكأن الفرنسيين أقروا بأنهم يتعاملون مع ليبيا كما هي، لا كما يتمنون أن تكون.

_______________

Related Articles