بقلم الشّايب

أثر نظام الجماهيرية على الثقافة الليبية هو موضوع معقد، وما زالت أبعاده قيد الدراسة والتحليل. ويمكن تفكيك هذا الأثر من خلال عدة زوايا:

  • أولاً، غياب مؤسسات الدولة المدنية والقانونية الموحدة، مما أدى إلى ترسيخ ثقافة الفردنة والولاء الشخصي بدلًا من المؤسسات.

  • ثانيًا، تبني النظام خطابًا سياسيًا قائمًا على التحريض والصراع الداخلي، سواء عبر اللجان الثوريةأو عبر التلفزيون والندوات الجماهيرية.

  • ثالثًا، إهمال التعليم النظامي وتراجع دور المدرسة كفضاء للتنشئة على قيم التسامح والحوار، مما ساهم في هشاشة الوعي النقدي الجماعي.

كما أن استخدام العنف كأداة لحل الخلافات السياسية والأمنية، خاصة في العقد الأخير من حكم القذافي، خلق أرضية قبلية ومناطقية تتصارع تحت مسميات سياسية. كل هذه العوامل ساهمت في ترسيخ ثقافة تجعل من العنف وسيلة مقبولة للتعبير أو للصراع، وهو ما برز بوضوح في مرحلة ما بعد 2011.

هذا الطرح متماسك ويلامس جوانب مهمة من أثر نظام الجماهيرية على البنية الثقافية والاجتماعية في ليبيا. ويمكن تطويره ليصبح أكثر توازنًا وعمقًا بإضافة بعض النقاط التفسيرية:

1. تآكل مفهوم الدولة الحديثة
إضعاف المؤسسات لصالح السلطة المباشرةواللجانجعل العلاقة بين المواطن والدولة علاقة غير مستقرة، تقوم على الأشخاص والوساطات أكثر من القوانين والإجراءات. هذا ساهم في ضعف الثقة العامة بأي مؤسسة بعد 2011.

2. إعادة تشكيل المجال العام
حين يُحتكر الإعلام والتنظيم السياسي، يضيق المجال العام الذي تُناقش فيه الأفكار بحرية. في هذه الحالة، تنتقل السياسة من فضاء الحوار إلى فضاء الشعارات والتخوين، وهو ما يترك أثرًا طويل المدى على لغة المجتمع.

3. أثر التعليم والتنشئة
إضعاف التعليم النقدي وتسييس المناهج لا ينتج فقط ضعفًا معرفيًا، بل يحدّ أيضًا من مهارات الاختلاف السلمي، مثل النقاش، قبول التعدد، والعمل الجماعي المنظم.

4. البنية القبلية والمناطقية
من المهم الإشارة إلى أن القبيلة والانتماءات المحلية كانت موجودة قبل النظام، لكن طريقة إدارة السلطة لهاأحيانًا عبر التوازن، وأحيانًا عبر التوظيف السياسيساهمت في إعادة تسييسها وتعزيز دورها عند غياب المؤسسات.

5. العنف كأداة سياسية
حين تستخدم الدولة القمع أو التهديد بصورة مستمرة، يصبح العنف في المخيال العام وسيلة فعالة للحسم. وبعد سقوط النظام، انتقل هذا المنطق إلى قوى متعددة خارج الدولة.

6. ضرورة التوازن التاريخي
رغم هذه الآثار السلبية، يرى بعض الباحثين أن الفترة نفسها شهدت أيضًا توسعًا في التعليم المجاني، وتحسنًا في بعض المؤشرات في مراحل معينة. لذلك فالتقييم الأدق يميز بين الإنجازات الخدمية وبين الأثر السياسي والثقافي طويل المدى.

العلاقة بين أثر الجماهيرية والحرب الأهلية بعد 2011.

لفهم العلاقة بين نظام الجماهيرية والحرب الأهلية الليبية بعد 2011، لا يكفي النظر إلى سقوط النظام كحدث منفصل، بل يجب فهم كيف شكّل النظام السابق بنية الدولة والمجتمع بطريقة جعلت الانهيار اللاحق أكثر احتمالًا وأكثر عنفًا. بمعنى آخر: الحرب الأهلية لم تكن نتيجة الثورة فقط، بل كانت أيضًا نتيجة تراكمات سياسية ومؤسساتية امتدت لعقود.

أولًا: تفكيك الدولة لصالح السلطة الشخصية

رغم وجود أجهزة رسمية، فإن نظام الجماهيرية لم يبنِ دولة حديثة مستقلة عن الحاكم، بل بنى منظومة تدور حول مركز القرار الشخصي.

الجيش أُضعف عمدًا خشية الانقلاب، والأجهزة الأمنية تعددت وتنافست، والإدارة العامة بقيت هشّة ومتداخلة الصلاحيات.

عندما سقط رأس النظام في 2011، لم تسقط حكومة فقط، بل سقط الهيكل الوحيد الذي كان يربط هذه المؤسسات ببعضها. لذلك نشأ فراغ سيادي سريع: لا جيش موحد، ولا شرطة فعالة، ولا قضاء قادر على فرض قراراته. النتيجة: الانتقال السياسي بدأ من دون دولة فعلية.

ثانيًا: منع السياسة أدى إلى عسكرة السياسة

طوال عقود، مُنعت الأحزاب المستقلة والنقابات الفاعلة والتنظيمات المدنية الطبيعية.
وبذلك لم تتطور في ليبيا أدوات التنافس السلمي على السلطة مثل: الأحزاب، التفاوض المؤسسي، تداول السلطة، قبول المعارضة الشرعية

بعد 2011 ظهر المجال السياسي فجأة، لكن المجتمع لم يمتلك مؤسسات راسخة لإدارته. فدخلت الفصائل المسلحة لملء الفراغ، وأصبح السلاح أسرع وسيلة للتأثير من الانتخابات. النتيجة: الصراع الذي كان يفترض أن يكون سياسيًا، تحوّل إلى صراع مسلح.

ثالثًا: إدارة الانقسامات بدل حلّها

اعتمد النظام السابق في أوقات كثيرة على موازنة القبائل والمناطق والتيارات عبر الاحتواء الانتقائي، لا عبر عقد وطني متساوٍ. هذا النموذج قد يخلق استقرارًا مؤقتًا، لكنه يخفي التوترات بدل معالجتها.

بعد سقوط المركز، ظهرت الأسئلة المؤجلة بقوة: من يحكم؟ ومن يمثل أي منطقة؟ وكيف توزع الثروة النفطية؟ ومن يسيطر على الأجهزة الأمنية؟ وما مكانة القبائل والمدن الكبرى؟ لذلك برزت انقسامات الشرق/الغرب، المركز/الأطراف، المدن الثورية/المدن المتهمة بدعم النظام السابق. النتيجة: انهيار المركز أطلق تنافس الهويات المحلية.

رابعًا: اقتصاد ريعي بلا مؤسسات توزيع مستقرة

اعتمدت ليبيا على النفط كمصدر رئيسي للدخل، والدولة هي الموزع الأكبر للثروة. لكن في غياب مؤسسات شفافة، أصبحت السيطرة على الدولة تعني السيطرة على الموارد. بعد 2011 صار النزاع على الشرعية السياسية مرتبطًا مباشرة بـ: المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، والموازنة العامة، والرواتب، والدعم ، والمنافذ والموانئ. وهكذا تحولت الحرب من صراع أيديولوجي إلى صراع على الموارد أيضًا. النتيجة: الاقتصاد الريعي غذّى استمرار النزاع.

خامسًا: الإرث الأمني وانتشار السلاح

في 2011 فُتحت المخازن العسكرية وتفككت الأجهزة. وبسبب ضعف الجيش، لم توجد مؤسسة قادرة على استيعاب المقاتلين بسرعة. فتشكلت كتائب محلية في المدن والمناطق، ثم تطورت إلى مراكز قوة ذات مصالح اقتصادية وأمنية خاصة. النتيجة: أصبح السلاح ليس مجرد أداة حرب، بل مصدر نفوذ ودخل.

سادسًا: الشرعية المزدوجة بعد الثورة

بعد سقوط النظام تنافست ثلاثة أنواع من الشرعية: شرعية الثورة (من قاتل النظام)، شرعية الانتخابات (المؤسسات المنتخبة)، شرعية القوة العسكرية (من يسيطر ميدانيًا) ولأن النظام السابق لم يترك تقاليد دستورية راسخة لحسم النزاع، لم توجد قواعد متفق عليها لترتيب هذه الشرعيات. النتيجة: كل طرف امتلك سردية شرعية مختلفة.

سابعًا: التدخل الخارجي وجد بيئة جاهزة

التدخلات الإقليمية والدولية بعد 2011 كانت عاملًا مهمًا، لكنها نجحت لأنها دخلت إلى ساحة داخلية منقسمة أصلًا. لو كانت المؤسسات الوطنية قوية، لكان أثر التدخل محدودًا. النتيجة: الخارج فاقم الأزمة أكثر مما أنشأها من الصفر.

___________

Related Articles