بقلم الشّايب

من أكبر مساوئ مرحلة الجماهيرية في علاقات ليبيا الدولية هي سياسات وزارة الخارجية التي تسببت في مشاكل جسيمة لليبيا والتي نعاني منها حتى الآن.

وزارة الخارجية الحالية لا زالت إلى حد كبير تحت سيطرة أثر النظام الجماهيري سواء في الإدارات أو السفارات أو البعثات الدبلوماسية فكيف يمكن تفكيك أثر الجماهيرية في وزارة الخارجية.

الموضوع يحتاج إلى إصلاح مؤسسي معقّد وحسّاس: والسؤال الجوهري هو كيف يمكن تفكيك إرث “الجماهيرية” داخل وزارة الخارجية، ليس كشعار سياسي بل كتشبيك إداري وثقافة عمل، وقواعد غير مكتوبة.

يمكن التفكير في الموضوع على أنه تحول مؤسسي تدريجي لا “إقصاء شامل”، لأن أي هزّة مفاجئة في وزارة سيادية مثل الخارجية قد تخلق فراغًا دبلوماسيًا خطيرًا. ولذلك لابد من وضع إطار مفاهيمي عمليً:

فهم ما المقصود بـ “الجماهيرية” داخل الخارجية

ليس المقصود هو مجرد أسماء أشخاص كانوا متنفذين في الجماهيرية، بل المقصود هو ما يتجلى عادة في التالي:

ــ عقيدة سياسية في الخطاب الدبلوماسي بلغة ثورجية، وعداء مؤسساتي لفكرة الدولة الحديثة، وتقديم “الشرعية الثورية” على الشرعية القانونية.

ــ شبكات ولاء غير رسمية تشمل علاقات قديمة داخل السفارات، وتوازنات قبلية أو جهوية، وقنوات اتصال موازية.

ــ ثقافة إدارية عشوائية من خصائصها ضعف المهنية، والخلط بين الأمن والسياسة، والاعتماد على التعليمات الشفهية.

ــ أرشيف واتفاقيات غير شفافة أغلبها في ملفات تعاون قديمة، بالتزامات مالية أو سياسية غير واضحة.

أخطاء شائعة في “تفكيك” المؤسسات

التجارب المشابهة في دول عديدة أظهرت أن الفشل يحدث عندما يتم التطهير بشكل شامل وبعشوائية، وعندما يتم استبدال الكوادر بخيارات سياسية، حيث يتم تدمير الخبرة الدبلوماسية المتراكمة، وتُحوّل الوزارة لساحة صراع بين الحكومات الانتقالية.

ومن نتيجة ذلك يفقد النظام الاعتراف الدولي، وتنتشر الفوضى في التمثيل الخارجي، وتتضارب السياسات في السفارات

نموذج عملي لتفكيك الإرث الجماهيري:

ــ التشخيص المؤسسي: التي تتطلب إجراء تدقيق شامل يتضمن الهيكل الإداري، ومسارات اتخاذ القرار، وشبكات النفوذ داخل البعثات، والعقود والاتفاقيات القديمة. الهدف من التشخيص معرفة أين توجد “العُقد” الحقيقية.

ــ فصل السياسة عن الإدارة وهي مرحلة مهمة جدا بحيث يصبح الوزير هو من يحدد السياسات، والجهاز الدبلوماسي ينفذ باحتراف، وعبر إجراءات تفعيل السلك الدبلوماسي المهني، وتقليل التعيينات السياسية في السفارات، واعتماد معايير الخدمة المدنية الواضحة.

ــ إعادة بناء العقيدة الدبلوماسية، وهي مرحلة الانتقال من دبلوماسية ثورة إلى دبلوماسية دولة تتمثل في خطاب قائم على المصالح الوطنية، وعدم تصدير الأيديولوجيا، والتركيز على الاقتصاد والاستثمار

ــ إصلاح الموارد البشرية، على أن تتم بدون صدام واسع وبأدوات عملية، وتقييم مهني فردي، وإعادة توزيع وليس طرد مباشر، وإحالة تدريجية للتقاعد، وإدخال جيل جديد عبر معهد دبلوماسي حقيقي. (50% إصلاح داخلي و 50% ضخ دماء جديدة).

ــ تنظيف القنوات الموازية، أي التخلص من الخطوط الخلفية”، ومن اتصالات غير رسمية، ورسائل خارج التسلسل الإداري. ومن ثم يمكن توحيد قناة الاتصال الدبلوماسي، ومنع ازدواج التمثيل، وأرشفة كل المراسلات.

ــ إعادة ضبط السفارات، حيث أن السفارات غالبًا ما تكون آخر حصون الأنظمة السابقة. ويتم ذلك بإجراءات واقعية تهدف لتقييم أداء كل بعثة، وتدوير السفراء، وتحديد مدة قصوى للمنصب، وربط السفارات بمؤشرات الأداء (استثمار – علاقات – خدمات مواطنين)

ــ إصلاح الأرشيف السيادي: وهذا أمر خطير ومهم، فلابد من جمع كل الوثائق القديمة، ومراجعة كل الاتفاقيات السرية، وحماية الأرشيف من الإتلاف أو التسريب. هذه الخطوة تحمي الدولة قانونيًا مستقبلاً.

ما الذي ينجح فعلاً في الحالة الليبية؟

بحكم طبيعة ليبيا ينبغي تبني النهج الأكثر واقعية وهو التفكيك الناعم وليس الاجتثاث الصدامي لأن الدولة نفسها هشّة في وجود تعدد الحكومات، ووجود ولاءات متقاطعة

ــ ما هو مؤشر النجاح الحقيقي

تفكيك الجماهيرية في الخارجية ينجح عندما تختفي اللغة الثورية من الخطاب الرسمي، ويصبح التعيين قائمًا على المسار المهني، وتتوحد قنوات الاتصال الخارجي، وتتحول السفارات إلى أدوات خدمة وطنية لا أمنية ولا سياسية

سؤال استراتيجي مهم هو أن المشكلة في ليبيا غالبًا ليست في وزارة الخارجية وحدها بل في من يحدد السياسة الخارجية أصلاً؟، هل هي الحكومة؟ أم الأجهزة؟ أو مراكز النفوذ؟ أم العواصم الخارجية؟

خريطة النفوذ داخل وزارة الخارجية (النموذج الواقعي)

يمكن تصور خارطة نفوذ واقعية على شكل أربع دوائر متداخلة:

الأولى: الدائرة السياسية الرسمية

وفيها من يُفترض أنه يملك القرار إما الوزير، أو رئاسة الحكومة أو المجلس الرئاسي أو القيادة السياسية العليا. وظيفة هذه الدائرة هي تحديد التوجه العام واختيار التحالفات واعتماد السفراء.

المشكلة في الحالة الليبية أن القرار السياسي متغير، وهناك تعدد مراكز الشرعية، وأيضا تدخلات خارجية متضاربة. ولذلك فالنتيجة هي أن الخارجية تنفذ أحيانًا سياسات متناقضة.

الثانية: الدائرة البيروقراطية القديمة (إرث الجماهيرية).

وهذه أخطر دائرة لأنها مستقرة، طويلة العمر غير مرئية إعلاميًا وتشمل مدراء إدارات قدامى، وموظفي أرشيف، وشبكات علاقات داخل السفارات، وكوادر خدمت منذ الثمانينات والتسعينات.

قوة هذه الدائرة الحقيقية أنها تعرف الملفات وتعرف الدول والأسرار القديمة، وتعرف من يعتمد على من. هذه الدائرة قادرة على تعطيل قرارات وتأخير مراسلات، وتوجيه معلومات للقيادة بشكل انتقائي.

الثالثة: الدائرة الأمنية الموازية

وهي دائرة تظهر في دول ما بعد الصراع في أجهزة أمنية، وقنوات اتصال غير رسمية مع دول، وملحقين أمنيين أقوى من السفراء أحيانًا. خطورتها أنها تصنع سياسة خارجية خفية، وتتجاوز التسلسل الدبلوماسي، وتربك الحلفاء.

الرابعة: دائرة النفوذ الخارجي

وهي حالة خاصة في ليبيا، حيث أن بعض السفارات مرتبطة بدول داعمة، عبر برامج التدريب والتمويل الخارجي، ولديها اعتماد سياسي على عواصم معينة. والنتيجة أن جزء من القرار يُصنع خارج الوزارة نفسها.

أين تكمن العقدة الحقيقية؟

العقدة ليست في الوزير بل في التقاطع بين البيروقراطية القديمة والأجهزة، وشبكات العلاقات داخل السفارات. هذا التقاطع هو ما يُبقي “روح الجماهيرية” حيّة حتى لو تغيرت الواجهة.

كيف نكتشف من يملك القرار فعليًا؟

هناك 5 مؤشرات عملية يستخدمها خبراء الإصلاح الإداري في الدول وهي كالتالي:

  • من يكتب المذكرات وليس من يوقّعها

  • من يتحكم في جدول الوزير

  • من يملك الاتصال المباشر بالسفارات

  • من يحتفظ بالأرشيف الحساس

  • من يستطيع تعطيل قرار بدون أن يُحاسَب

أي جهة تجتمع لديها 3 من هذه المؤشرات تكون مركز نفوذ قوي وحقيقي في الوزارة

نقطة خطيرة في الخارجية الليبية

السفارات الليبية نفسها قد تتحول إلى مراكز نفوذ مستقل، وامتداد لشبكات قديمة، وقنوات تمويل غير شفافة. ولهذا فإن إصلاح الوزارة في طرابلس وحده لا يكفي إذا لم يشمل البعثات بالخارج.

____________

Related Articles