عمر إبراهيم الحداد
«لا سيد ولا مسود»، عبارة عالقة في أسماع الليبيين منذ صبيحة يوم الاثنين الأول من سبتمبر العام 1969، عندما نقل المذياع إلى أسماعهم تسجيلاً للبيان الأول لانقلاب عسكري على السلطة الشرعية في ليبيا، عرفوا لاحقاً أنه كان بصوت القذافي.
جاءت العبارة محملة ببريق شعارات الخلاص والمساواة، غير أنها في الوقت نفسه بدت غريبة من الأساس عن الواقع الليبي؛ فلم يكن المجتمع الليبي طبقيًا بمعناه المعهود، مع وجود تفاوتات، ولم يُعرف عن الليبيين معاملة بعضهم بتعالٍ طبقي أو استعباد؛ بل كانت تسوده تقديرات الأصل والأخلاق والروابط الاجتماعية الأفقية، بعيدًا عن ثقافة «الأسياد والعبيد».
وبعد عشرين سنة على رأس السلطة، عاد القذافي إلى استخدام العبارة ذاتها، بيد أنها جاءت هذه المرة بنبرة مغايرة: نبرة التهديد السافر والوعيد الدموي، كاشفة عن حقيقة تلك العبارة وخفاياها، وعما آلت إليه البلاد.
ففي خطاب له بتاريخ 7 أكتوبر 1989، توعد القذافي الليبيين قائلا: «نبوا نديروا بطاقة للعبيد وبطاقة للأحرار السادة؛ السادة اللي يحضروا في المؤتمرات ويقرروا في مصيرهم… والعبيد اللي ما يحضروش في المؤتمرات، ويبغوا أسيادهم يقررولهم مصيرهم؛ وأي حاجة نقرروها نحن السادة في مؤتمراتنا تمشي على العبيد، ولو يقولوا أغ .. نقطعلهم أرقابهم واْلساناتهم. عدوا راجعوا كل الكلام اللي أني كنت إنقول فيه ليكم».
هكذا نقض القذافي النفي «لا سيد ولا مسود» بإثبات العبودية صراحة «نديروا بطاقة للعبيد وبطاقة للأحرار السادة». وهكذا حوّل شعاره المتوهم إلى أداة قمع وتهميش فئوي وسياسي.
ولم يتوقف عند هذا الحد؛ بل مضى في الخطاب ذاته ليحسم طبيعة حكمه بالقول: «أني لما نحكم بنفسي سأكون حاكم دكتاتوري مطلق وعادل، ويقلكم للجنة بالسلاسل، مش يفرشها بالحرير.. على سكاكين.. نمشوا على الشوك للجنة.. واللي ما يمشي.. ينقطع راسه».
اللافت حقًا، هو أن القذافي لم ينقلب فقط على الشرعية الدستورية، بل انقلب حتى على الأوهام التي روج لها في بداياته. فالرجل الذي رفع شعار المساواة، عاد بعد عقدين ليرسخ لنفسه وأركان حكمه صفة «السادة»، ويختزل الشعب في مرتبة «العبيد»، مهددًا إياهم بالسلاسل والسكاكين والقطع المطلق للرؤوس والألسنة.
وقد جاء هذا الخطاب ليعكس الموقف المأزوم الذي وجد القذافي نفسه فيه بعد عقدين من الحكم؛ إذ اصطدم بفشل مشروعه ورفض المجتمع الصامت لتجاربه المتقلبة.
وبدل أن يقر بفشله، وتحديدًا بعد نحو سنة ونصف السنة مما عُرف بـ«مسرحية أصبح الصبح» في 2 مارس 1988 – حين اعتلَى جرارًا ودمر بوابة سجن أبوسليم وأخلى سبيل معتقلين سياسيين ووعد بإجراءات لتنفيس الضغوط المعيشية وحرية التنقل، انتكس مجددا واختار الهروب إلى الأمام عبر رفع سقف التهديد بالدكتاتورية المطلقة.
ففي الخطاب نفسه، كشف عن جوهر طغيانه قائلاً: «هذا الكلام أني نقول فيه لأني ما نحكمش، لو كاني نحكم ما نيش محتاج نقوله بُكل. نسكر البترول، نسكره. نقطع المعاشات، نقطع المعاشات، لين الناس تجوع وتمشي تحفر في الأرض… هذه الثورة. أني لو بنحكم عارف هذا ضرر وما نشاور حد، وناخذ جرار ونحول البيوت هذه كلها وندمرها على الناس اللي بنوها».
إلا أن هذا التهديد لم يكن سوى تجلٍ مكشوف لمسار سيطرة القذافي على الحكم في ليبيا طوال العقدين السابقين؛ بدءًا بالتدرج في الانقلاب على رفاقه منذ خطاب «النقاط الخمس» في زوارة 1973، مرورًا بإعلان «سلطة الشعب» في سبها العام 1977، وتشكيل اللجان الثورية وإقامة المشانق بالساحات والجامعات، ثم تطبيق فصول الكتاب الأخضر وما شهدته من قمع واستبداد اقتصادي واجتماعي – من استيلاء على أملاك الناس وتغيير العملة وقانون 4 وقانون 15 والزحف على المؤسسات، أدت كلها إلى تجريد الليبيين من أرزاقهم ومن مقومات اقتصاد مستقل، إنتهاءً بإحكام «حكم الفرد المطلق»؛ سيطرة تجلت بكل عنفوانها في هذا الخطاب.
هكذا حقق القذافي «التسوية» بين الليبيين، ولم يعد يرى نفسه إلا «سيدًا» يترفع عن هذا الشعب، الذي اعتبره جاهلا بمصلحته وسلبيا في مواجهة مشاريعه الثورية، كما جاء في أحد خطاباته: «إنتو إيش قيمتها حياتكم الدودية هذه؟»؛ ومتهمًا إياهم بالتكاسل والتبعية: «وانتو.. لو تنحرق عليك لمبة، ما تعرف ما تدير لين يجيبولك واحد فلبيني عشان يغيرها لك!»، وصار يشعر بعدم استحقاق هذا الشعب له: «أنيّ، بلا مواخذة في أي كلام نقوله، لو أن ليبيا درهتلي كبدي، أنا مستعد نخرج ونمشي لأية دولة تقدمية».
«هو القائد.. هو السيد..»
لم يكن تهديد القذافي بأن يكون «حاكمًا دكتاتوريًا مطلقًا وعادلًا» مجرد اندفاع لفظي، بل ترجمة عملية لرؤية رسخت في عقله بكونه حاكمًا يسمو فوق أية مساءلة، وهو ما عبر عنه بصراحة في مداخلة شخصية له أثناء جلسة للمؤتمر الشعبي الأساسي أبوسليم في طرابلس في مارس 1989م: «اللّه خلق السموات والأرض.. يدير برق، عواصف، زلازل، يقلبها فوق تحت، هو حر.. لا يُسأل عما يفعل… أنا درت الثورة.. أنا فقط مسؤول عنها».
ولم تكد تمضي شهور قليلة، حتى فاجأ القذافي رفاقه في 2 مارس 1990 بانقلاب سياسي أخير، توج فيه نفسه دكتاتورًا مطلقًا عبر «وثيقة الشرعية الثورية» التي نصت على: «إن الشعب العربي الليبي يعلن (…) إن التوجهات التي تصدر من قائد ثورة الفاتح العظيم الأخ / العقيد معمر القذافي تكون ملزمة وواجبة التنفيذ». ولم تمض أيام حتى تحولت تلك الورقة إلى القانون رقم 1 لسنة 1990م.
إن العودة إلى شعار البيان الأول «لا سيد ولا مسود» تكشف الحقيقة الكبرى لنوايا الرجل، فالعبارة لم تكن حشوًا خطابيًا عابرًا، ولم تأت من فراغ؛ بل هي انعكاس لرؤية متأصلة في عقيدة القذافي السياسية.
وقد نقل الدكتور جمعة عتيقة في مقال له عن أول لقاء جمعه صدفة بالقذافي في بنغازي العام 1966، عبر فيه عن أفكاره السياسية قائلا: «أنا لا يمكن أن يحتويني حزب»، وتحدث عن تصوره لطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم مستخدما مثل «الراعي وقطيع الغنم»: «لو أن راعي غنم أراد اجتياز جبل مَليء بالمخاطر بقطيعه، فلا بد له من استعمال العصا والكلاب لإنجاز المهمة».
وهكذا يتبين أن فكرة «السادة والعبيد» هي في منظور القذافي تمثل جوهر علاقة الحاكم والشعب، وأن على الحاكم، للنجاح في مهمته، إخضاع الشعب لسيطرته بشتى الطرق والوسائل، بما فيها التغيير والاضطراب المستمر والفوضى الممنهجة، كما عبر القذافي مؤكدًا: «الفوضوية.. أنا تعديتها!».*
تقول ليزا أندرسون، أستاذة العلوم السياسية المتخصصة في سياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في دراسة لها عن ليبيا: «على الرغم من أن تصرفات القذافي قد تبدو متناقضة؛ إلا أنها متسقة في سعيه لتحقيق هدفه، وهو الحكم».
لقد أخفق القذافي في تحقيق جل الشعارات التي رفعها، بيد أن فشله الأكبر، والأكثر دموية، تجسد في هذه العبارة ذاتها التي أقحمها عنوة على مجتمع متكافئ بطبيعته، ليتحول الشعار الذي أُطلق يومًا باسم المساواة، إلى سياط بيد «سيد مطلق» يُخضع «العبيد» على الشوك والسكاكين، ويثبت أن الطغيان حين يفلس، لا يجد ما يختتم به رحلته سوى نكث وعوده والانقلاب حتى على أوهامه.
_________________

ــ رابط الاستماع للمقتطف من خطاب القذافي المشار إليه في المقال، بتاريخ 7 أكتوبر 1989
https://www.facebook.com/watch/?v=2503082576431842
ــ رابط للإطلاع على نص قانون رقم 1 لسنة 1990م بشأن إصدار وثيقة الشرعية الثورية