د. مصطفى التير

ثالثاً: ليبيا بعد القذافي: حالة الفوضى العارمة

مر على رحيل القذافي من المشهد الليبي أربع سنوات، ومع ذلك لم تتخلص البلاد من حال الفوضى العارمة. وهي حال ناقضت توقعات المشاركين في الحراك الشعبي، كما خيبت تنبؤات من تحمس ووصف ذلك الحراك في بداياته بالربيع العربي.

ما الذي حدث؟ وكيف سارت الرياح بما لا تشتهي السفن؟ لا بد من أن أخطاء كثيرة حدثت قام بها من تسبب في إطاحة نظام القذافي، ومن تولى إدارة البلاد إذّاك. فهل يمكن التعرف إلى هذه الأخطاء أو، على الأقل، إلى بعض أهمها؟ ومن تسبب فيها؟

1 – المساهمون في حملة إطاحة القذافي

يمكن تصنيف الذين ساهموا في العمل لإسقاط القذافي إلى صنفين رئيسين، ليبيين وغير ليبيين. وكل صنف يمكن في ما بعد تصنيفه بناء على أكثر من مؤشر.

في هذا الجزء، سيتم تسليط الضوء على الليبيين الذين سيصنَّفون – في البداية أيضاً – إلى صنفين، مقيمين في ليبيا، وآخرين يعيشون في الخارج. كما يمكن التمييز بين فرق وجماعات مختلفة داخل كل صنف.

ينتمي ليبيّو الداخل، الذين قاموا بدور في إسقاط القذافي، إلى فئات أهمها شباب الفيسبوك، وطلبة، ومثقفون، ورجال قانون وقضاء، وصحافيون ورجال إعلام، وعسكريون من منتسبي الجيش والشرطة، وعمال، وعاطلون من العمل. وينتمي ليبيّو الخارج إلى فئات أهمها شباب الفيسبوك وطلبة ومثقفون ومهنيون.

ذكرنا، في مكان سابق، أن شباب الفيسبوك كان لهم سبق الإعداد لانتفاضة 17 شباط/فبراير. فالشباب الذين بادروا، في هذا المجال، هم المتواجدون في الخارج؛ إنّ الذي أنشأ موقعاً في الفيسبوك، ويحمل عنوان 17 شباط/فبراير، كان يعيش في سويسرا.

لكن التواصل مع هذا الموقع، شارك فيه شباب الخارج والداخل. وعندما بدأت التظاهرات كانت، أولاً، في الداخل، ثم التحق بها شباب الخارج في مسيرات نظّموها في المدن التي كانوا يعيشون فيها.

وبعد أن تمكن المنتفضون في الداخل من فرض سيطرتهم على بعض المدن، وسموها محررة، التحق بهم من كان في الخارج؛ فنسبة من العائدين التحقت بالكتائب العسكرية التابعة لما سمي ثورة 17 شباط/فبراير، أو أنشأوا كتائب جديدة، والنسبة الكبيرة من العائدين من الخارج من مهنيين ومعارضين ورجال دين، فضّلت المشاركة في الأنشطة الاحتفالية التي كانت تجري في الساحات، وخصوصاً ساحة الحرية في مدينة بنغازي.

وهي عبارة عن معرض كبير للرسوم الجدارية، عبر بها أصحابها عن بعض آرائهم وتصوراتهم وانتقاداتهم بكل حرية. وبها، أيضاً صور الذين استشهدوا في الحرب، وصور بعض شهداء الحرب ضد الإيطاليين. وبها خيام عبارة عن معارض للكتب أو الصناعات التقليدية، أو معلومات حول فئات أو جماعات بعينها، وأكشاك لبيع الأطعمة والمشروبات.

وفي الساحة شاشة عرض كبيرة لمتابعة أخبار الفضائيات، ومنبر للخطابة متاح لكل من أراد أن يدلي برأي أو بيانات أو معلومات.

يتوافد على الساحة جميع فئات الشعب من دون تمييز بين كبار وصغار، أو بين رجال ونساء، ومن كل أطراف البلاد في مهرجان شعبي كبير. كما أنها الساحة التي رحب فيها سكان بنغازي بكبار الزوار. إذ توافد على مدينة بنغازي، منذ بداية الانتفاضة، صحافيون ورجال سياسة ونشطاء في المجتمع المدني، واستقبلت في تاريخ لاحق رؤساء حكومات ووزراء وبرلمانيون.

وقد كانت طيلة أيام الحرب مكاناً للتظاهرات وإلقاء الخطب والاحتفالات ليـلاً ونهاراً؛ فكانت ساحة للبهجة والفرح ولقاء الأصدقاء. وقد حرص عدد من رجال المعارضة أو العاملين في الخارج على التواجد في الساحة، وإلقاء الخطب كنوع من الحملات الانتخابية، لتولي مناصب في حكومات ما بعد القذافي، أو الترشح لانتخابات المؤتمر الوطني.

لم تستمر مهرجانات الفرح في ساحة الحرية، بعد ما سمي يوم التحرير، إلا لشهور محدودة؛ إذ أدت الانقسامات التي ظهرت بين الكتائب، فور قتل القذافي، إلى صدامات مسلحة، وأعمال هدم وتخريب، لم تسلم منها الساحة ولا مبنى المحكمة المطل عليها، وكانت رمزاً للثورة، إذ استهدفت بعبوات ناسفة أكثر من مرة، فدمرت أجزاء مهمة منها‏.

واتخذت أعمال التخريب وجوهاً مختلفة؛ فمثلاً تعرض موقع الفيسبوك الذي حمل عنوان ثورة 17 شباط/فبراير للاختراق، واستقبل هاتف صاحبه أكثر من تهديد فاضطر إلى إقفاله، وحتى إلى مغادرة البلاد.

كما غادر البلاد عدد كبير من الذين تقدموا الحراك الاجتماعي؛ بينهم أعضاء «المجلس الانتقالي» وأعضاء «المؤتمر الوطني»، ووزراء في الحكومتين الانتقالية والمؤقتة ورجال إعلام ومثقفون.

فكيف ولماذا أصبحت ثورة 17 شباط/فبراير ورموزها هدفاً للتخريب وللإقصاء؟ من هي القوة التي يهمها تغيير تاريخ الثورة، وإعادة كتابته؟ وهي أفعال تعيد إلى الأذهان ما فعله القذافي في محاولته طمس تاريخ ليبيا الذي سبق تاريخ ما عرف بثورة الفاتح من أيلول/سبتمبر 1969.

بعبارة أخرى، تمكنت فئة معينة من الفئات الكثيرة التي شاركت في عملية إطاحة القذافي من السيطرة على المشهد السياسي في مدينة بنغازي، وقررت إقصاء بقية الفئات.

2 – من أداء المجلس الوطني الانتقالي

ليس الهدف هو تقييم أداء المجلس خلال توليه إدارة الصراع مع القذافي، وإنما سنهتم ببعض القرارات التي أدت إلى تداعيات، ساهمت في انتشار حالة الفوضى العارمة. لا شك في أن «المجلس الانتقالي» نجح في الحصول على ثقة أغلبية الليبيين الذين انضموا إلى النشاط المتعلق بتغيير النظام، كما نجح في الحصول على دعم عربي ودولي بحيث اعترف به كممثل شرعي لنظام حكم جديد في ليبيا.

كذلك لا يمكن التشكيك في وطنية أعضائه، ولا في اجتهادهم لتولي المهمة الصعبة في ظروف تحيط بها المخاطر من كل جانب. ويُحسب للمجلس أنه وُفّق في إصدار قرارات كثيرة كان لها الأثر المهم في توجيه دفة النشاط خلال الحرب التي دارت قبل سقوط نظام القذافي.

لكن لا يمنع هذا من إبداء الرأي حول بعض القرارات التي قد تكون فرضتها الظروف الحرجة التي كانت تحيط بالنشاط الحربي، وساهمت تالياً، في تطور حالة الفوضى التي ما زالت تسيطر على المشهد العام في البلد، ويمكن رصد بعضها في ما يلي:

أ – ضعف المهنية والتخبط في الأداء

الكيفية التي تكوّن بها المجلس لها دورٌ كبير في بعض مظاهر التخبط في الأداء؛ إذ جاءت بطريقة عفوية وبناء على القرار الفردي للشخص. وهو قرار يعكس درجة عالية من الشجاعة لعدم وضوح الرؤية خلال الأسابيع الأولى.

لذلك لم يعلن المجلس عن قائمة أعضائه، واكتفى بعدد محدود ظهر بوضوح في وسائل الإعلام. وضع المجلس لنفسه نظاماً أساسياً ولائحة داخلية، كما تم توزيع عدد من المهام على الأعضاء البارزين إعلامياً.

لكن هذا لم يمنع من أن بعض الأعضاء فضل نوعاً من الاستقلال في الحركة، وخصوصاً في مجال الاتصال بالمسؤولين في أقطار عربية وغير عربية، وفي الظهور في وسائل الإعلام. يمكن النظر إلى هذا الأسلوب خلال الأيام الأولى من باب ما يسمى محلياً «الرغاطة»‏.

فالذين تسابقوا إلى العمل، وخصوصاً في الخارج، لتأييد الحراك الشعبي في الداخل، كان لهم العذر في طلب الدعم من أي جهة. لكن بعد أن قام المجلس بتوزيع المهام على بعض أعضائه، وتعيين مجلس تنفيذي يقوم بمهام مجلس وزراء، أصبحت حرية الاتصالات بالخارج تصب في باب الفوضى وليس في صالح مسيرة الانتفاضة.

وقد لاحظت بعض الدول هذه الرغبة عند أعضاء المجلس، وعند الذين تولوا مسؤوليات إدارة الأزمة في مدنهم، فوجهت الدعوة إلى الكثيرين لزيارة عواصمها. وثمّة معلومات عن أن مبالغ مالية قدمت للمدعوين على أساس مصروف جيب، ولكنها رشى، ويتوقع أن ينفذ هؤلاء أوامر صاحب الدعوة وصاحب الرشوة.

صرح رئيس المجلس بهذا بكل وضوح عندما قال: «لم يذهب أي شخص إلى قطر، إلا وقاموا بإعطائه مبلغاً من المال، منهم من سلمه للدولة ومنهم من أخذه لنفسه»‏.

وقد تجلت الرغبة في استقلالية الحركة في التهافت على الظهور في الفضائيات والإدلاء بتصريحات مع أن للمجلس ناطقاً رسمياً. وقد أدى هذا إلى ظهور إشارات متعارضة حول بعض القضايا المهمة؛ فمثـلاً انتهت القمة الأفريقية السابعة عشرة في 3/7/2011 بمقترحات لحل الأزمة الليبية قدمت لطرفي النزاع.

قبل القذافي بالمقترحات بينما عبر المجلس، من طريق عدد من أعضائه، بردود فعل متناقضة ومتعارضة. مما عكس حالة من التخبط، التي أدى بها المجلس بعض مهامه.

وقد برزت عدم المهنية في ما سمي خطاب التحرير الذي ألقاه رئيس المجلس، الذي يفترض أن يكون بمثابة الإعلان الرسمي عن بداية الدولة الجديدة. لم يكن مكتوباً ولا متفقاً عليه من قبل أعضاء المجلس.

الذي حدث أنه ارتجل الكلمة، فوردت فيه الأفكار كما اتفق. فظهر في هذا الشأن مقلداً القذافي، كما شدّد على أسلوب التقليد من طريق إصدار أحكام فورية كقوله: «أي قانون مخالف للشريعة الإسلامية هو موقوف فوراً ومنها القانون الذي يحد من تعدد الزوجات».

وقد حظيت هذه العبارة بكمٍّ كبير من التعليقات التي اتجه أغلبها نحو توجيه النقد للرئيس: فهل مشكلة ليبيا، في ذلك اليوم، هي الحد من تعدد الزوجات؟ ثم قال أيضا: «وها نحن نعلن اليوم أن هناك ترقية استثنائية لكل العسكريين والمدنيين الذين شاركوا في القتال ضد القذافي»‏.

هل ناقش المجلس مثل هذه الأمور واتخذ بشأنها قرارات؟ وفي هذه الحالة تعلن بالوسائل الرسمية، أي أن الرئيس ظهر – مرة ثانية – مقلداً أسلوب القذافي في إدارة الدولة؛ حيث يصبح ما كان يقوله في خطاب جماهيري قانوناً نافذاً حتى ولو تعارض مع قوانين أخرى.

يتبع

_____________