د. مصطفى التير

ب – عدم وضع ضوابط لمراقبة أداء الميليشيات
لم يكن بالإمكان تنظيم بدء عمل الميليشيات، بما فيها بداية تكوّن كل واحدة، وأسلوب القيام بمهامها. لقد كان هذا النشاط عفوياً وبناء على اجتهادات فردية. ومع أن المدن حاولت تنظيم عمل الميليشيات المنتسبة إليها، إلا أن قادة الميليشيات احتفظوا لأنفسهم بكمّ كبير من حرية التصرف.
لم يلتفت المسؤولون إلى الجوانب السلبية التي قد تنتج من استمرار هذا الوضع، حيث تركز الاهتمام – أثناء المعارك مع الكتائب الأمنية – على النشاط الحربي، على الرغم من حدوث أفعال أكدت مقدار الخطر الذي يمكن أن يحدث من جرّاء هذه الحرية.
ولعل الطريقة التي قتل بها من كان يتولى رئيس جيش التحرير الوطني للثوار في 28/7/2011 ومرافقوه، واحدة من أهم عثرات هذه الحرية. وقد فشل المجلس في بيان تفاصيل ما أحاط بهذه العملية، مما تسبب في الكثير من اللغط، وتوجيه التهم نحو كل اتجاه، ولم يسلم في هذا الشأن رئيس «المجلس الانتقالي» نفسه.
كان واضحاً، منذ الأيام الأولى، أن بعض من شارك في الحرب ضد القذافي كانت له أجنداته الخاصة، حيث أعلن عنها بصراحة. الشعارات التي رفعها الثوار كان من بينها بناء الدولة المدنية والتحول الديمقراطي.
لكن بعض الجماعات ذات التوجهات الدينية المتطرفة، التي لا تؤمن بهذه الشعارات، أعلنت أنها تهدف إلى بعث دولة الخلافة الإسلامية من جديد. ظهر هذا الإعلان في مدينة درنة خلال الأسبوع الثاني من عمر الثورة. وبعد شهرين كان اسم أمير إمارة درنة الإسلامية معروفاً ومتداولاً على مواقع التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، لم ينتبه المجلس للخطر الذي يكمن وراء هذا الإعلان.
ج – التسرع في تعيين مسؤولين من دون مراعاة الكفاءة والأهلية
عين أحد رجال الدين في شباط/فبراير 2012 ليكون مفتياً، بناء على قانون اعترض على شرعيته بعض رجال الدين. نشط المفتي في إصدار فتاوى كثيرة تتعلق بما يجري على الأرض من صدام مسلح ونشاط سياسي، لم يراعِ حالة الانقسام التي عليها البلاد، ولم يقدر خطورتها على اللحمة الوطنية.
وبحكم مركزه، كان بإمكانه المساهمة في توعية الناس لخطر الانقسام. وبدلاً من هذا، أصدر فتاوى منحازة، رحب بها الطرف الذي انحازت نحوه، وألّبت عليه أطرافاً أخرى.
أثارت بعض فتاويه ردود أفعال غاضبة، وفتحت الباب أمام التشكيك في حرفيته كمفتٍ، حيث انحاز بكل وضوح لجماعة «الإخوان المسلمين». أصدر فتوى قبيل انتخابات «المؤتمر الوطني» طالب المنتخبين ألا يصوتوا لتحالف القوى الوطنية. و
كمؤشر على فقدان المفتي المصداقية بين أفراد الشعب، فاز التحالف في الانتخابات بنسبة مئوية عالية. وأفتى – في مناسبة أخرى – بحرمة التظاهر في بنغازي، عندما قرر عدد من نشطاء المجتمع المدني تنظيم تظاهرة بعنوان «بنغازي لن تموت»؛ إذ أراد السكان التعبير عن رفضهم مسلسل الاغتيالات الذي اجتاح المدينة، وليطالبوا بحل الميليشيات وتفعيل الجيش والشرطة.
تعرض المفتي لكمٍّ كبير من النقد وحتى الهجوم المجرح من قبل كتاب يقيمون في أماكن آمنة، بحيث يستطيعون التعبير عن الرأي بحرية. كما أثارت بعض فتاويه علماء الأزهر وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية بمصر.
فمثلاً أفتى بأن من ينضم إلى اللواء خليفة حفتر، ويموت معه، يخشى أن يموت ميتة جاهلية، وكل من يقاتله ويموت فهو شهيد في سبيل الله. وأضاف : «نقول للناس الذين يقاتلون مع حفتر إنكم بغاة خارجون على طاعة ولي الأمر الواجبة طاعته شرعاً وخارجين على الشرعية، وأنكم تقاتلون الناس ظلماً، وعلى الناس جميعاً أن يقاتلوكم بأمر الله سبحانه وتعالى لأنكم بغاة، والله تعالى يقول «فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله».
واختتم قائلاً: «يجب على الناس جميعاً أن يقاوموه ولا يغتروا بمسألة مكافحة الإرهاب، لأن المراد بمكافحته هو مكافحة الإسلام، فهؤلاء لا يريدون الإسلام، بل يريدون أن ينقضوا على الإسلام».
الشرعية، عند المفتي، هي الحكومة المقيمة في طرابلس، التي لم يعترف بها المجتمع الدولي. أما حكومة البرلمان، التي اعتمدت حفتر كقائد للجيش، فاعتبرها غير شرعية. ولكي يتأهل للقيام بدور مفتي ليبيا كان عليه أن يوازن بين الفريقين، ويحاول أن يصلح بينهما، لا أن ينحاز إلى طرف ويعطيه من عنده صكوك الغفران لدخول الجنة. أليس هذا هو الأسلوب الذي تتبعه الجماعات التكفيرية وعلى رأسها داعش؟
ظهرت دعوات من مختلف فئات الشعب بعزل المفتي، من بينها مطالبة اللجنة الوطنية الليبية لحقوق الإنسان، وقد بررت قرارها بأنه: «جاء بعد رصد اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان لدعوات صريحه للمُفتي العام للديار الليبية، بالتحريض على ممارسة وإثارة العنف وتصعيده وتحريض على القتل وتعذيب وتمييز وانتهاك حقوق الإنسان من قبل الغرياني عبر وسائل الإعلام، والتي تنذر بحدوث حرب أهلية وتؤثر سلباً على الأمن والسلم الاجتماعي للمجتمع الليبي». بل طالبت بإحالته إلى التحقيق من قبل مكتب النائب العام.
كما انضم رئيس «المجلس الوطني»، الذي كان وراء تعيين الرجل في وظيفته، إلى المطالبين بعزله عندما قال: «فقد المفتي شرطاً من شروط الأهلية، وهي ثقة الليبيين به، بحسب ما نص عليه قانون تعيين منصب المفتي، لذلك يجب إعفاؤه من منصبه».
استجاب مجلس النواب إلى هذه النداءات وأعفى المفتي في 9/11/2014، ولكن في ضوء وجود حكومتين ومجلسين تشريعيين، لا يزال المفتي نشطاً لأنه يقيم في مدينة طرابلس التي لا سلطة لمجلس النواب عليها.
د – التباطؤ في تفعيل القضاء والنيابة
تعرض الكثير من مراكز الشرطة للتخريب ممن قاموا بالانتفاضة باعتبارها من رموز السلطة التي تمارس القمع، إلى جانب أماكن تتوافر فيها الأسلحة التي ستستخدم في الدفاع، إذا ما تعرضوا للهجوم.
لكن المحاكم، وما يتعلق بها من مكونات، لم تستهدف. كما تمكن عدد كبير من المساجين العاديين من الهرب. ونظراً إلى عدم توقف النشاط الخاص بتكوين الميليشيات، نجح بعضهم في تكوين ميليشيات تحت غطاء ثوار 17 شباط/فبراير.
تخصصت هذه الميليشيات – في ما بعد – بأعمال السطو والخطف، بهدف المطالبة بفدية. وكذلك القتل.
لم تستدعَ الشرطة – فور انتهاء الصدام المسلح – لتولي مهمة حفظ الأمن، بل أوكل «المجلس الانتقالي» هذه المهمة للميليشيات. وهذه غير مؤهلة للقيام بهذه المهمة، فتصرفت كل واحدة منها بما تبين لها أنه الطريق السليم للتعامل مع المخالفين للقوانين.
احتلت الميليشيات أماكن عامة وخاصة، وجعلتها مقاراً تزاول فيها هذه المهام الجديدة، بما في ذلك حجرات للتوقيف والتحقيق والسجن. وارتكب بعضهم جرائم يعاقب عليها القانون مثل الاستيلاء على أملاك المواطنين وخصوصاً السيارات، وأعمال التعذيب بما فيها الوحشي الذي أفضى بكثيرين إلى الموت.
كما قامت بعض المدن بتنظيم هذا الجانب بطريقتها الخاصة، بحيث أصبح لها قضاء ونيابة ومحامون. وتُجري المحاكمات فتصدر الأحكام ثم تنفذ. ولا تخضع هذه الأنشطة لسلطة مركزية، وإن كان العاملون – في الأغلب – من الموظفين المتواجدين في المدينة ويتبعون النظام السابق.
جرت محاولات تنظيم جهاز الشرطة، وإعادة العمل بجهازي النيابة والقضاء، وجعل العمل في هذه الأجهزة مركزياً بحيث يتبع وزارة الداخلية ووزارة العدل. لم يرُق هذا الأمر لرجال الميليشيات القوية، فاستمرت في التدخل في مجال حفظ الأمن، مما جعل بسط القانون بالوسائل العادية أمراً مستحيلاً. بل إن بعض الميليشيات أصرت على إزالة جميع معالم السلطة الأمنية؛ فقامت بتفجير مبانٍ سليمة لمراكز شرطة ونيابة ومحاكم.
_____________
