أكرم خزام

قراءة الكتاب الأخضر

خلال شهر استطعت قراءة الكتاب الأخضر للقذافي. يوميا وعندما كنت أتمشى بعد المغرب، لاحظت أن صفحات الكتاب موزعة تباعا على أعمده الكهرباء في الطرقات العامة.

عرفت أن القذافي من خلال كتابه كرس أفكارا أسماها النظرية العالمية الثالثة“. وأدركت أن الكتاب يعتبر الدستور غير الرسمي لليبيا، خاصة وأن القذافي اعتبر من خلال كتابه أنه (قائد الثورة) وليس رئيس الدولة وحرص دائما على أن لا يذكر بلقب رسمي سوى الأخ القائد.

وفي العاصمة الليبية اكتشفت أن شخصية القذافي تجمع بين الكاريزما والغرابة، وتظهر استخدامه اللغة المسرحية في خطاباته المطولة والارتجالية، وكان يحرص على إبراز صورته أمام جماهيره، واعتبر نفسه رمزا أمميا، لا زعيما محليا، ورأى نفسه مفكرا عالميا وصاحب رسالة تتجاوز ليبيا، ما دعاني لقول القذافي والنرجسية السياسية“!

عمليا، كان القذافي منذ 1969 يقرر كل شيء، أي سعى إلى تكريس نفسه كزعيم مطلق بالرغم من حديثه في كتابه الأخضر عن سلطة الشعب، كما تولد لديه هوس البقاء في السلطة بالرغم من سياساته الغامضة والمتقلبة.

عدت إلى موسكو خائبا جدا، بسبب رحلتي الفاشلة إلى ليبيا، التي لم أرجع إليها إلا في عام 2010 عندما أوفدتني قناة الحرةإلى مدينة سرت الليبية لتغطية القمة العربية، وهناك راقبت بدقة خطاب القذافي وطريقة جلوسه أمام الزعماء العرب.

في سرت وخلال القمة، أقامت الوفود الإعلامية في سفينة ضخمة خصصت لبعض الوفود الرسمية والإعلاميين.

وبالطبع فإن الليل يتيح المجال لكثير من الإعلاميين الكلام عن القذافي وعن ليبيا، ومنهأي الكلامأن السلطة في ليبيا مركزة بيد القذافي حصرا، والكلام هنا عن المؤتمرات الشعبية واللجان الثورية وحكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب، ما هو إلا للتصدير الداخلي والخارجي، وثمة إجماع بين من استمعت إليهم أنه لم تكن هناك أحزاب سياسية ولا انتخابات حرة في ليبيا، وكان العمل الحزبي محظورا ويعاقب عليه القانون.

كما تحدث البعض عن سيطرة جهاز الأمن الداخلي واللجان الثورية على الحياة العامة، وأن المراقبة والاعتقالات التعسفية وخصوصا ضد المعارضين تصدرت المشهد الليبي في السنوات الأخيرة.

في سرت وطرابلس الغرب لاحظت أن مظاهر الفقر والبطالة واسعة بالرغم من الدخل المرتفع في الخزينة الليبية جراء عائدات النفط الذي تستحوذ عليه في الغالب عائلة القذافي وأقاربه.

فمن المعروف أن أبناءه (سيف والمعتصم والساعدي) أصبحوا رموزا للنفوذ المالي والسياسي، ما خلق تناقضا مع الكتاب الأخضر للقذافي والذي يؤكد فيه على سلطة الشعب.

وهذا يؤكد أقوال بعض المعارضين للقذافي بأنه يتمتع بالازدواجية والجمع بين الفكر الثوري التحرري في الخطاب والممارسة السلطوية الصارمة على الأرض، ناهيك عن الارتياب إذ كان يشك في الجميع، بما في ذلك المقربين منه، مما جعله يعتمد على دائرة ضيقة.

باختصار فإن شخصية القذافي كانت استثنائية ومتناقضة في الوقت نفسه بين الكاريزما الثورية والميل إلى الزعامة الفردية المطلقة.

هذه هي بعض من الملامح عن ليبيا وعن عهد القذافي الذي استمر 41 عاما منذ انقلابه العسكري 1969.

امتلكت ليبيا ثروة مالية هائلة بسبب النفط، كان لديها احتياطات نفطية هائلة واعتمد اقتصادها بشكل خاص على النفط والغاز بينما كانت الزراعة والصناعة ضعيفتين.

طبعا قرأت واستمعت إلى الأحاديث من قبل ليبيين وغيرهم، بأن الفساد وسوء توزيع الثروة شكلا علامة فارقة في حياة عائلة القذافي وأقاربه.

وفي مقابل ذلك، عُرف عنه القمع الشديد لمعارضيه، وأبلغ دليل على ذلك ما سمي مجزرة سجن أبو سليم عام 1996 حيث قتل أكثر من 1200 سجين سياسي من معارضي القذافي.

في مقابل ذلك عانت نسبة شبابية كبيرة من البطالة وغياب الحرية وفرص المشاركة في الحياة العمليةوبالرغم من مجانية التعليم والرعاية الصحية، فان جودة الخدمات كانت متدهورة ناهيك عن البنية التحتية خارج المدن التي كانت مهترئة.

حصلت المرأة الليبية على بعض الحقوق ولكن دورها ظل محدودا فعليا في السياسة والمجتمع.

أما ما يتعلق بعلاقات ليبيا الخارجية، فقد تأثرت سلبيا جراء العزلة الدولية (1988- 2000) بسبب دعم القذافي لحركات مسلحة وإتهامة بالإرهاب (قضية لوكيربي) وطرأ عليهاأي العزلةتحسن تدريجي بعد 2003 إثر تخلي القذافي عن برنامج الأسلحة غير التقليدية، وبدأ بإصلاح العلاقات مع الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية إلى جانب علاقات أفريقية قوية، وحاول القذافي أن يصبح ملك ملوك أفريقيا مقابل تمويله لمشاريع ضخمة في القارة الأفريقية.

سعي القذافي إلى تحسين صورته أمام الغرب لم ينفعه بشيء، فقد هبت رياح التغيير داخل البلد المغلق في 2011، فاتجه الليبيون إلى الساحات والأماكن العامة للتعبير عن سخطهم وتنديدهم بنظام القذافي الذي قابل حركات الاحتجاج ضده بالسخرية منها تارة، وبالقمع تارة أخرى،

لكن الثابت أن نظام القذافي كان في طريقه نحو الهاوية فقُتل يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول عام 2011 بالقرب من مدينة سرت، وكان ذلك إيذانا بنهاية الجماهيرية العربية الليبيةوعهد القذافي على ليبيا، بعد أن هرب في أغسطس/آب مع عائلته من العاصمة الليبية التي سقطت بيد المجلس الوطني الانتقالي، الأمر الذي دعا المراقبين إلى التساؤل بخصوص السقوط السريع لنظام أرعب ليبيا بالكامل.

يتبع

***

أكرم خزام ـ إعلامي و أكاديمي سوري. عمل مراسلا أولا في كبرى القنوات العربية في الشرق الأوسط، وحائز على جوائز صحافية عدة عن أفلامه الوثائقية.

_____________

مقالات