يوسف عبد الهادي

وفي مطلع نوفمبر 1956 وفي مدينة طرابلس حيث توجد السفارة المصرية وقد اكتشفت فيها قوات الأمن الليبي –عقب التحقيق مع شاب فلسطيني يعمل هناك– مستودعا للأسلحة يحتوي على 320 مدفع رشاش بُدِأ في توزيع البعض منها فعلا على عدد من الغوغاء, بالإضافة الى وجود كمية من الذخيرة والمتفجرات التي تكفي لنسف طرابلس برمتها.
وكذلك تم القبض على مجموعة من المجرمين الذين وُجِد بحوزتهم خرائط وتفاصيل دقيقة لقصر الملك ومسكن رئيس الوزراء ومواقع هامة وحساسة لعدد من المنشآت!.
كانت الصدمة جد عنيفة, إذ كان رئيس العصابة والمخطط لتلك العمليات هو الملحق العسكري بالسفارة المصرية المدعو “إسماعيل صادق” الذي رَحّلته السلطات الليبية بعد عناء مخفورا بالبر إلى الحدود المصرية.
هذا وبعد رد الرئيس عبدالناصر على رسالة الاحتجاج الليبية وعلى تأخر مصر في سحب ذلك “الملحق المجرم” بعدم علمه –أي ناصر– بالموضوع, وأنه أصدر أوامره بسحبه بمجرد أن عَلِم بذلك!, لم يكن أمام الحكومة الليبيّة التي انصدمت في ذلك الصباح بمنشورات وزعها مرتزقة السفارة المصرية تدين ترحيل الملحق العسكري في الوقت الذي تتعرض فيه مصر العروبة للعدوان الثلاثي؛
لم يكن أمامها إلا أن تكتفي بالاعتذار الخطي الذي أرسله “ناصر” بواسطة سفيره إلى الملك إدريس المتيقّن من كذبة عبدالناصر, خاصة بعد استقبال الملحق العسكري المطرود في بلاده استقبال الابطال بدل أن يتم التحقيق معه وتقديمه للمحاكمة!.
إذًا وبالتأكيد أن هناك عدة اسئلة تطرح نفسها:
كيف يرضى مصطفى بن عامر وبشير المغيربي وهم أعضاء في جماعة هي في ذلك الوقت (منحلة) وهم في نفس الوقت نواب مستقلون –أي نواب معارضة– في برلمان بلادهم أن تستدعيهم أجهزة دولة أخرى –بواسطة بن بيلّا!- ليجتمعوا بأعلى مستويات الحكم والمخابرات فيها بدون حتى إخطار سلطات بلادهم وبمعزل عن ولاة أمرهم ؟!.
ما هي تلك “التدابير والبرامج والاستعدادات لتلك الحركة الوطنية” التي استدعى السعداوي من أجلها صديقه زارم ليَقدم باسم مستعار من تونس عن طريق روما ؟!.
ثم كيف يتسنى لشخص عادي مثل زارم أن يقابل فور وصوله رئيس الجمهورية ؟!، ولأي سبب تمت تلك المقابلة ؟!، ومالذي دار بينهما ؟!
ثم ما الذي دار في المرتين بين زارم وبين “علي صبري” رئيس المخابرات المصريّة في ذلك الوقت؟!، وكذلك بينه وبين “فتحي الديب” الذي يُعد أخطر رجال عبد الناصر داخل المخابرات؟!.
وإن كان هذا هو حظ زارم من الاهتمام المصري على أعلى مستوى فكيف بحظ زعيمه السعداوي من تلك المقابلات؟!
وكيف تزامنت جريمة الملحق العسكري إسماعيل صادق في طرابلس مع استدعاء السعداوي لزارم؟.
وهل كان مرض السعداوي وموته المفاجئ في نفس الوقت الذي أفشل فيه الأمن الليبي مخطط “الملحق صادق” هو السبب في انهيار مخطط الانقلاب الكبير للإطاحة بإدريس ودولته والذي كانت تعدّه “أجهزة عبدالناصر” بأيدي أبناء ليبيا وعلى رأسهم السعداوي؟ .
وباستعراض ودراسة سيرة عرابي انقلاب سبتمبر من الليبيين وغيرهم الوارد ذكرهم في كتاب رجل المخابرات المصرية “فتحي الديب” الموسوم بـ(عبد الناصر وثورة ليبيا) مثلًا.
ثم بالاطلاع على ما كتبه سكرتير الرئيس عبدالناصر “سامي شرف” في كتابه الموسوم بـ(سنوات وأيام مع عبدالناصر)؛ وبالربط بين كل ما توفر حتى الآن عن هذا الموضوع, سيتبين لنا حجم خطورة ما حدث وما كان يمكن أن يحدث, ولن نستغرب عندها كيف أن مؤقتات التفجير التي استخدمها “الهندياني والوداوي والمريمي” في تفجير صهاريج البترول في البريقة صباح 22 يوليو 1965 والتي أدخلها من الدولة الأجنبيّة رئيس التنظيم القومي الطليعي الناصري في ليبيا, وهو أحد هؤلاء الأبطال القوميين!, وهو نفسه الذي كان موجودا في ردهات مكتب عبدالناصر ليلتي أحداث الطلبة في يناير 1964, والأول من سبتمبر 1969!
_____________