صغير الحيدري

بإمكان تلك القبائل الأكثر عدداً أن تحدد مسار أي استحقاق انتخابي من خلال إعلان ولائها لمرشح على حساب آخر.

بنية المجتمع الليبي لا تزال قبلية، والقبيلة تخضع لسلم عائلي من رئيس القبيلة والعائلة ولا يزال تأثير القبيلة قوياً لاسيما في المنطقة الشرقية والجنوبية.

مع استقالة المبعوث الأممي عبدالله باتيلي، عادت الأزمة في ليبيا لمربعها الأول وسط تكهنات بأن القادم قد يكون أسوأ، لاسيما مع تكرر الاحتكاك العسكري في غرب البلاد بين المجموعات المسلحة التي تتقاتل على النفوذ.

وفي ظل التساؤلات حول الجهات والأطراف القادرة على تحريك الجمود الراهن في ليبيا، تبرز قوى إقليمية مؤثرة على غرار الولايات المتحدة الأميركية وتركيا وروسيا، ومصر وغيرها لكن أيضاً قوى محلية مثل القبائل التي تمثل رقماً صعباً في المعادلة السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية.

على مر عقود شكلت القبائل الليبية قوة ضاربة سعى صناع القرار بدءاً من العقيد معمر القذافي وصولاً إلى من خلفه في السلطة، إلى احتوائها وإغرائها بشكل يؤمن لهم السلطة، خصوصاً أن هناك من تلك القبائل من يتعدى عدد أفرادها مليون في بلد يحصي 6 ملايين نسمة، وهي قبيلة ورفلة التي تتمركز في الغرب الليبي في مناطق مثل بني وليد.

وبرز دور القبائل بشكل رئيس إثر سقوط القذافي عام 2011 حيث بدت كلمة القبائل وازنة ومسموعة، بحسب ناشطين، وجعل عديد منها تعلن ولاءها لهذا الطرف السياسي أو العسكري أو ذاك.

مشروع وطني شامل

ثقل القبائل في ليبيا والجدل في شأنه ليس وليد اللحظة، لكن عودة التلويح بالمراهنة عليها للتحرك من أجل حل الأزمة في البلاد يشكل مدعاة فعلية للتساؤل حول قدرتها على القيام بذلك.

كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أكثر جرأة وحسماً في المراهنة على هؤلاء من خلال استضافتهم خلال الحرب بين الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر وقوات حكومة الوفاق الوطنيبرئاسة فايز السراج في 2020.

وقال وقتها السيسي إن مصر مستعدة لدعم القبائل الليبية من أجل أن تدافع على بلادها، معلناً أنه تلقى تفويضاً منها للتدخل في ليبيا. وتتعدى قيمة القبائل هذا الإعلان حيث استقبل معظمها من المبعوثين الأمميين، وأيضاً من قادة دول الجوار مثل تونس والجزائر.

وفي ليبيا يوجد عديد من القبائل المؤثرة في المشهد، لكن على رغم قدرتها على التحرك إلا أن دورها لا يزال محدوداً بشكل كبير، ويقتصر في بعض الحالات على وساطات لحل بعض المشكلات أو دور محدود أيضاً في ملف المصالحة الوطنية الذي يراوح مكانه.

وقال عضو وفد أعيان الجبل الغربي علي مهلهل إن القبائل في ليبيا لم تكن يوماً جزءاً من المشكل بل بالعكس هي جزء من الحل، هناك قبيلة القذاذفة التي تنتمي إلى النظام السابق بقيادة القذافي، وهناك القبائل السنوسية التي تنتمي إلى أنصار النظام الملكي“.

وأوضح مهلهل في حديث لـاندبندنت عربيةأن القبائل الليبية لو وجدت شخصاً وطنياً صادقاً كانت ستجمع عليه، وهي تبحث عن شخصيات غير متكررة سواء في النظام السابق أم النظام الملكي أم المحسوبين على انتفاضة فبراير (شباط). ما يمكن قوله إن القبائل متعطشة للاستقرار في ليبيا وتريد شخصاً وطنياً وتكنوقراطاً يقود البلاد، ويحافظ على ثرواتها وأمنها ويشتغل بمنظور علمي وعصري حديث“.

وشدد على أن هناك قضايا مفتعلة تطرح لإحداث انقسامات داخل القبائل على غرار أن تلك محسوبة على هذا النظام أو ذاك. القبيلة جزء من الحل ولكنها ليست الحل كله، وهي لها مشروع وطني شامل يتطرق للجانب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وغيرها“.

وأكد مهلهل أن ليبيا تمر بمرحلة مخاض حالياً وهو مخاض عسير وهناك دماء، ولا يمكن نفي أن المجتمع الليبي مجتمع قبلي، لذلك أعتقد أنها مرحلة وستمر ولن يستنزف مزيد من الوقت لإيجاد حل“.

أدوار أمنية واقتصادية

وقبل أيام أوقفت أجهزة الأمن رئيس المجلس الأعلى للقبائل في جنوب ليبيا علي مصباح أبو سبيحة، مما أثار جدلاً وانتقادات إزاء هذه الخطوة التي اختبرت مدى قوة تمثيلية القبائل في الشارع.

ويرى جلال الحرشاوي، الباحث المتخصص في شؤون ليبيا، والباحث في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وهي منظمة غير حكومية مقرها جنيف السويسرية، أن عملية إيقاف أبو سبيحة في فزان من دون أن يستطيع أحد التحرك ولا القيام بأي شيء يبرز ضعف الهياكل التقليدية للقبائل في ليبيا هذه الأيام“.

وأردف الحرشاوي في تصريح خاص صحيح أن الرئيس المصري التقى مباشرة شخصيات قبلية من ليبيا في صيف 2020، لكن تلك كانت لحظة فريدة إثر هزيمة قوات حفتر التي هاجمت العاصمة طرابلس، وهي لحظة تختلف عما يحدث اليوم“.

وعلى رغم أنه أفاد بأن القبائل في ليبيا تعاني حالة ضعف ووهن الآن وأنها لا تمثل أهمية كبيرة ولا يمكن أن تساعد في حل الأزمة، لكن الحرشاوي يؤكد أن هذا المكون يقوم بأدوار مختلفة في ليبيا“.

وقال الحرشاوي إن قبيلة أزوية في مدينة الكفرة تقوم بدور كبير في الأعمال المصرفية وتوزيع الوقود في شرق ليبيا، وفي الزاوية يلعب أولاد صقر وأولاد أبو حميرة دوراً أمنياً كبيراً، الأمر ذاته في سبها والشويرف حيث تلعب قبيلة المقارحة دوراً كبيراً في فرض الأمن“.

وتعد قبيلة العبيدات من أبرز القبائل الموجودة شرق ليبيا، وهي القبيلة التي يتحدر منها رئيس البرلمان الحالي عقيلة صالح، ويتمركز أفراد هذه القبيلة في مدن القبة وطبرق وبنغازي والبيضاء والجبل الأخضر.

وفي مدينة أجدابيا شرقاً أيضاً تتمركز قبيلة المغاربة التي يمتد حضورها إلى منطقة النوفلية (126 كيلومتراً شرق مدينة سرت)، التي يطغى حضورها كذلك على منطقة الهلال النفطي الغنية.

وتعد قبيلة العواقير من أبرز وأكبر قبائل الشرق الليبي أيضاً، وهي التي تتمركز في منطقة العقورية في مدينة بنغازي، وينتمي كثير من أفرادها للجيش الليبي.

وغرباً تعتبر قبيلة ورفلة الأكبر وتملك فروعاً حتى في الشرق، لكن هناك قبائل في مدن مصراتة وغيرها تتميز بحضور طاغ، وكانت منذ انتفاضة الـ17 من فبراير داعمة للمجموعات المسلحة.

أما قبيلة ترهونة، فهي من أكثر القبائل تأثيراً في الأزمة منذ بدايتها ولها 60 فرعاً في أنحاء البلاد كافة، وينتمي معظم أفرادها إلى الجيش الذي تلقى من هذه القبيلة دعماً منقطع النظير خلال عملية عسكرية في طرابلس في الرابع من مايو (أيار) 2019، بعد أن وعدها بمناصب حال بسط سيطرته على العاصمة التي تضم مؤسسات سيادية.

دور رئيس

واعتبر أحمد محمود الشريف عضو لجنة المصالحة بسبها أن شأن القبائل في ليبيا شأن سائر القبائل في الوطن العربي، تدخل وبقوة في المعادلة السياسية كبرت أم صغرت على حد سواء، وليبيا منذ اندلاع انتفاضتها تفتقر إلى مؤسسات وحتى الجيش الليبي في حربه ضد الإرهاب كان اعتماده على القبائل مساندة ودعماً“.

وقال الشريف لا شك أن القبائل هي الجزء الأكبر في الحل السياسي في ليبيا، كوننا مجتمعاً تلعب فيه القبيلة الدور الرئيس في الحل، وهو إجراء انتخابات والانتخابات يشارك فيها أبناء القبائل التي ستراعي مصلحتها“.

ويجتمع ممثلون عن القبائل في مجالس محلية في مدن عدة سواء شرقاً أم غرباً، وهي مجالس لا تتردد في عقد لقاءات وتحالفات مع القادة المركزيين أو غيرهم لبحث سبل حل الأزمة المركبة التي أصابت ليبيا ومؤسساتها بانقسام حاد.

وفي مؤشر إلى حجم الامتداد السياسي لبعض القبائل، لا تزال مدينة بني وليد، التي تبعد 170 كيلومتراً على العاصمة طرابلس، التي يسكنها نحو 100 ألف من قبيلة ورفلة، وفية لعهد معمر القذافي الذي تلفت صوره المعلقة على جدران المدينة، زائريها.

وكانت المدينة واجهت بقوة المعارضين الذين حاولوا اقتحامها في 2012، عندما كان هؤلاء يحققون مكاسب ميدانية ضد القذافي.

لكن بعد أكثر من 12 عاماً على سقوط القذافي، لا يزال الحنين يهز سكان المدينة، وكثير منهم ينتمون لقبائل مثل ورفلة، إلى عهد القذافي، وقد يزيد ترشح نجله سيف الإسلام الذي يتوارى على الأنظار من حنين هؤلاء.

مجتمع قبلي

وعلى رغم أن عديداً من الأوساط السياسية في ليبيا تعتقد أن دور القبيلة بدأ يتراجع في الأعوام الماضية لاسيما في المدن، إلا أنها القبائل لا يزال لها وزن في الشارع الليبي.

وبإمكان القبائل الأكثر عدداً أن تحدد مسار أي استحقاق انتخابي من خلال إعلان ولائها لمرشح على حساب آخر، أو محاولة تعبئة المنتمين إليها ومقترعين آخرين لها.

وقال مدير المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا رشيد خشانة إن بنية المجتمع الليبي لا تزال قبلية، والقبيلة تخضع لسلم عائلي من رئيس القبيلة والعائلة ثم تأتي البقية. صحيح أنه في المدن الكبرى مثل طرابلس والمنطقة الغربية انكسرت الحواجز القبلية لأن الناس يسافرون إلى الخارج حيث يدرسون ويعملون وينتقلون، لكن في المنطقة الشرقية والجنوبية لا يزال تأثير القبيلة قوياً“.

ولفت خشانة في تصريح خاص إلى أن المنطقة الشرقية وخصوصاً بنغازي كانت تاريخياً منطقة تمرد ضد السلطة المركزية، لذلك حاول عديد من القادة الليبيين استرضاء القبائل هناك في المنطقة الشرقية ولاسيما بنغازي، وأول من قام بذلك معمر القذافي الذي كان يرتدي ما يرتديه أفراد القبائل ويجلس جلساتهم ويسكن الخيمة“.

وشدد على أنه في مدن مثل سبها وجنوب ليبيا عموماً لا يزال المجتمع قبلياً بامتياز لأنه مجتمع مغلق نوعاً ما وهذا يسهم في تقوية الروابط الأسرية، مشيراً إلى أن القبائل الليبية شعرت بقيمتها السياسية عند زيارة المبعوث الأممي، لقد أصبحت رقماً لا يمكن القفز عليه وأعطاها إمكان للدخول إلى دواليب الحكم سواء مع حفتر شرقاً أم مع حكومة طرابلس غرباً“.

وبين خشانة أن القبائل تتدرب على العمل السياسي وتعمل اليوم على أخذ مكانة، هم يرون أنه من غير المنطقي أن تحاول النخب بمفردها تقرير مصير ليبيا، وهم أصحاب الشأن والتأثير يبقون بعيداً من دوائر القرار“.

دور في المصالحة

ويتجاوز دور القبائل إعلان الولاء لهذا القائد السياسي أو ذاك ليصل إلى ملفات أخرى حساسة على غرار المصالحة الوطنية التي تأخذ حيزاً مهماً من تحركات الأطراف المحلية والإقليمية.

وعلى رغم أن هذا الملف يقوده بشكل رسمي المجلس الرئاسي بحسب ما نص عليه اتفاق جنيف لوقف إطلاق النار المبرم عام 2021، إلا أن للقبائل دوراً محورياً في تحريك هذا الملف خصوصاً أنه يعنيها بشكل مباشر، إذ شهدت البلاد بعد انتفاضة الـ17 من فبراير اشتباكات بين قبائل ومدن عدة أفرزت جروحاً غائرة بين قبائل مؤثرة.

وقال رشيد خشانة صحيح أن المصالحة تدخل في صلب اهتمامات القبائل الليبية وعملها السياسي والاجتماعي، لكن أعتقد أن هذا الاهتمام والمراهنة يتجاوزان حتى البعد المحلي ليصل إلى البعد الإقليمي“.

وأبرز خشانة أن من يدعم هذه الفكرة هو وجود تحركات سكانية وتجارية بين دول أفريقية ودول الجوار، فمنطقي أن يحسب بعض الحساب للقبائل في ليبيا من دول أفريقية تحاول رعاية ملف المصالحة هناك مثل الكونغو برازافيل، وهنا يتضافر العامل القبلي مع العامل السياسي والاجتماعي لإتمام ملف ما“.

وفي ظل تأجيل الانتخابات العامة بشقيها الرئاسي والبرلماني إلى موعد غير محدد، واستمرار الجمود في ملف المصالحة، وتوحيد المؤسسات سواء الأمنية والعسكرية أم غيرهما، فإن دور القبائل في ليبيا سيبقى محدداً لاسيما أن عديداً من الزعماء يستمدون قوتهم من هذه القبائل التي ينتمي أفراد كثر لها إلى قوات هؤلاء أو جماعاتهم السياسية.

_____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *