سالم الكبتي

عبر هذه التنظيمات المتعاقبة داخل الجيش الليبي ظل بعض الضباط الذين تخرجوا من مدرسة الزاوية تضمهم تلك التنظيمات.

لم يكن ثمة تنظيم وحده في الغالب وانما تفرقوا في أغلبها وأسهموا في إعدادها وصولا إلى ساعة التنفيذ.

وكانت أغلب روايات شهود الحال من أولئك الضباط أو غيرهم تشير إلى تنظيم ضباط الزاوية على الدوام وكأنه تنظيم واحد كما سبقت الإشارة، لكن الواقع كان يختلف تماما بوجود هؤلاء الضباط في أكثر من تنظيم.

فهل كلهم كانوا في تنظيم واحد بالفعل باسم ضباط الزاوية ولكن اختلفت الطريقة والأسلوب، أم أن أغلبهم استعمل هذا التنظيم بعضويته في التنظيمات الأخرى؟

ذلك جواب مضى مع التاريخ.

وعلى ما يبدو فإن هناك تنظيما آخر غير تنظيم محمد يونس المسماري وكانوا زملاء دفعته الثانية في التخرج من مدرسة الزاوية ضم الضابطين حسين بادي وحسين الشريف.

كانا معلمين في مدارس بنغازي قبل التحاقهما بالجيش وكانا من المعروفين ضمن نشطاء شباب جمعية عمر المختار في فرقة كشافتها وأنشطتها الأخرى.

وفي مخطوطه غير المنشور حتى الآن وسبق الاعتماد عليه في هذا البحث يؤكد د. مهدي المطردي في الصفحة 183 بأن هذين الضابطين اللذين ظلا في تواصل مع قيادات الجمعية السابقة نقلا لهذه القيادات بأنهما في تنظيم يضم ضباطا خريجين من مدرسة الزاوية ويعدون العدة لتغيير النظام عسكريا.

وفي ثقة كاملة أكدا بأن موعد التنفيذ لهذا التغيير سيكون تحديدا يوم الجمعة 29 أغسطس 1969.

وبمزيد آخر من الثقة نقل الضابط بادي للأستاذ محمود مخلوف أحد أعضاء الجمعية المعروفين هذا التحديد ليوم التنفيذ المرتقب ووضعه في صورة العمل المنتظر بكل تفاصيله وطلب منه التأييد والمباركة من (الجمعية).

ويؤكد د. المطردي في مخطوطه على أنهم كأعضاء في الجمعية علموا بهذا كله قبل موعد التنفيذ بثلاثة أيام.. في 26 أغسطس 1969،

ولكن لم يحدث أي شيء كما هو معروف ولم يعرف السبب الذي حال دون القيام بالتنفيذ، لكن المطردي في كل الأحوال ظل يقر بأن هذه التنظيمات التي شهدها الجيش كانت بعلم أعضاء الجمعية أولا بأول!!

والسؤال الذي يظل يحوم.. إلى أي حد كان هؤلاء الضباط على ثقة كبيرة في التحدث عن موضوع خطير وينبغي أن يظل في نطاق السرية ويصل إلى درجة الإفصاح عن اليوم الذي سيقع فيه التغيير.

وهل هذه التنظيمات المتشابكة كانت تعي دورها حقا وتحركاتها وهل كانت نواحي الأمن وتوخي الحذر مفتوحة جدا على كل الاتجاهات.

وهل أن لضباط الزاوية تنظيمات عديدة تشتغل دون أن تنسق مع بعضها وهل هذا التنظيم كان يسابق تنظيم الضباط الصغار وعلى علم بنواياه وأراد أن يسبقه قبل يوم الأول من سبتمبر 1969؟
وفي المخطوط نفسه يشير المطردي في الصفحة 182 إلى أن تنظيم الملازمين أو الضباط الصغار أو الوحدويين الأحرار في ذات الوقت كانت له صلة بالجمعية من بعيد عن طريق الأستاذ محمد بشير المغيربي سكرتيرها السابق الذي كما يقول ويؤكد على أنه ربطته صلة قوية بالضابطين معمر القذافي ومصطفى الخروبي.

فهل الجمعية ارتضت الانفتاح والتعامل مع هؤلاء الضباط وتنظيماتهم دون علم أي منها؟

هل كانت الجمعية صائبة في تعاملها هذا وبهذه الطريقة؟

ويمضي د. المطردي في إشاراته إلى هذه الوقائع التاريخية بأنه التقى بالعقيد عبد العزيز الشلحي الذي دعاه لتناول الشاي في منزله ببنغازي بتنسيق مع المبروك الجيباني مدير المطبوعات وكان من أعضاء جمعية عمر المختار القدامى في درنة وعلى صلة قرابة بالشاعر إبراهيم الاسطى عمر.

هذه اللقاءات والجلسات كما يوضحها المخطوط المذكور تبين أن الفراغ الذي طال البلاد صيف 1969 بعد مغادرة الملك للعلاج في تركيا، شهد، وإن من وراء ستار، الكثير من التحركات والاتصالات على ما يبدو داخل ليبيا.. وخارجها أيضا.

مؤشرات تسابق الوقت وتريد أن تصل إلى شيء فاجأ الجميع في نهاية الأمر. فأين كانت سلطات البلاد البرلمانية والحكومية والعسكرية والأمنية؟

ما هو دورها وقد وقفت موقف المتفرج؟

وعن هذا اللقاء مع العقيد الشلحي أشار د. المطردي في تقييمه له إلى أنه ظهر بمظهر الشاب الناصري الذي يدين بالناصرية وكله إعجاب أيضا بجمعية عمر المختار ونضالها!؟

وأخبره بأن الملك كلفه في فترة سابقة بمقابلة الرئيس جمال عبدالناصر وتسليمه صكاً باسم ليبيا لمساعدة مصر بعد نكسة يونيو التي أصابت كيان الدولة بالكامل في مقتل لا تخطئه العين.

الشلحي أخبر المطردي وفقا لروايته التي تظل في صفحات التاريخ بأن الملك إدريس أصدر تعليماته لوزير البترول الليبي خليفة موسى بضخ البترول لمصر قبل أية دولة أخرى تعويضا عن الفاقد والخسارة الكبيرة التي نجمت نتيجة لغارات إسرائيل على خزانات الوقود في السويس.

من هذا الحديث من قبل الشلحي أدرك د. المطردي كما يقول، أن العقيد الشلحي يرغب في تأييد الجمعية لتنظيمه! عندما يقوم بالتغيير. وآثر أن لا يناقشه لحساسية الأمر ونقل ذلك مباشرة عقب اللقاء إلى الأستاذين مصطفى بن عامر ومحمود مخلوف اللذين لم يعلقا بأي شيء على إشارات العقيد الشلحي.

وهنا يصعب الوصول إلى توكيد ذلك بصورة تاريخية سليمة عندما تستبعد آراء وأفكار عديدة نية الشلحي في قيامه بالتغيير أو في وجود تنظيم سري داخل الجيش يتبعه ويقوده مباشرة.

هذه الأحداث والمجريات تظل محصورة في نطاقات ضيقة وتحتاج إلى المزيد من التفاصيل وإعمال الجهد العلمي المحايد وصولا إلى الحقيقة، إذ ما يزال في ذهن الكثيرين ما يعلق بنية العقيد الشلحي في قيامه بانقلاب القصر وهو أمر غير واضح المعالم ونفته مصادر عديدة بمن فيهم العقيد الشلحي نفسه.

لقد نجح تنظيم الضباط الصغار لاحقا في استخدام هذه الورقة بالقول أن العقيد الشلحي كان ينوي القيام بانقلابه يوم الخامس من سبتمبر 1969 وقد مهد لذلك بالعمل على استبعاد مجموعات من الضباط تحديدا من مدرسة الزاوية وإيفاد كثيرٍ من الضباط الصغار إلى دورات في الخارج.

ثم كان هذا التنظيم (ذكيا) بذكره للمجاهد أحمد الشريف في بيانه الأول لطمأنة الكثيرين وخاصة عائلة الشريف من أن التغيير لا علاقة له بالشلحي لوجود حساسية قديمة تتعلق بمقتل إبراهيم الشلحي من قبل الشريف محي الدين حفيد أحمد الشريف.

وبالمقابل لعب التنظيم على حبل آخر بتعيين العقيد سعد الدين بوشويرب الذي ترك الجيش عام 1967 واشتغل موثقا للعقود في طرابلس وكان في إجازة خارج البلاد رئيسا لأركان الجيش ليظل في واجهة التغيير وبدا الأمر كما لو أنه أيضا طمأنة لدفعة العقيد الشلحي التي تخرجت من الكلية الحربية في مصر عام 1956 وكان بوشويرب من ضمنها..

يعني أن التغيير ليس ضد مجموعة الشلحي أو أن هذا العمل الذي وقع سيفهمونه بأن العقيد الشلحي نفسه في مقدمته!

تنظيمات اختلطت وتشابكت وكل منها كان يرى وفقا لمعاصريها أنه يسعى للتغيير وإصلاح حال البلاد.

وهنا تردد أن ثمة تنظيما آخر يشتغل على هذا الخط يقوده الضابط محمد عثمان خريج الدفعة الأولى عام 1959 من الكلية العسكرية في بنغازي.

فهل كان لكل دفعة تنظيمها بعد التخرج.. دون أن تعلم بقية التنظيمات.…؟

وهل ثمة أطراف أخرى خفية في اللعبة التي تدور؟

وهنا أيضا برز تنظيم الدفعة الثانية من الكلية عام 1960. واصلوا اجتماعاتهم.. ثم ذاع سرهم الذي وشي به أحد أعضائه إلى قيادة الجيش.. فماذا جرى بالضبط ؟!

_____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *