كريمة ناجي
تأتي التخصصات الطبية والصحية في مقدم الكفاءات المهاجرة وفقدان الأمن أبرز الأسباب.
تعاني ليبيا المنقسمة بين حكومتين، في شرقها وغربها، هجرة الكفاءات في مختلف المجالات، التي يخسر الاقتصاد المحلي خبراتها ويضطر إلى استقدام خبرات أجنبية باهظة الكلفة بدلاً منها.
يحتاج الاقتصاد الليبي، كغيره من الاقتصادات، إلى العنصر البشري كأحد الروافد الأساس التي تعتمد عليها النهضة التنموية، التي لا تزال بدورها تكابد تأثيرات الانقسامات المؤسسية في ليبيا.
ويعد نزف الأدمغة أحد العوامل التي أثقلت كاهل الدولة الليبية، بخاصة إثر سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، ولا توجد مؤشرات رسمية أو بيانات دقيقة صادرة عن مصرف ليبيا المركزي أو البنك الدولي تبيّن نسبة التحويلات المالية للكفاءات أو المغتربين الليبيين في الخارج إلى بلدهم.
تحويلات منعدمة
بحسب آخر البيانات المسجلة في قاعدة البنك الدولي، تعد نسبة التحويلات المالية للكفاءات الليبية منعدمة، مقارنة ببلدان الجوار مثل تونس، وفق المستشار السابق لمصرف ليبيا المركزي، خالد الهباوي، الذي يقول إن “ليبيا لا تستفيد من تحويلات الكفاءات في الخارج، ولاسيما أن النظام المصرفي الليبي لا يزال يعاني البيروقراطية، إذ يفضل كثير من الليبيين الموجودين في الخارج تسليم الأموال لذويهم باليد، عوض التحويل البنكي وبخاصة بعد ثورة فبراير (شباط) 2011“.
ويضيف الهباوي أن “الكفاءات الليبية ترتكز أكثر في بريطانيا وأستراليا وكندا وأميركا”، موضحاً أن “تقارير المصرف المركزي الليبي ووزارة المالية لا توجد فيها أرقام تُذكر، تخص التحولات الخارجية التي تعود للكفاءات الليبية في الخارج“.
وتشير البيانات المنشورة في تقرير لـ “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” لعام 2025، إلى أن معدل اغتراب الأطباء الليبيين بلغ 16.6 في المئة.
وفي تعليقه عن هذه البيانات، يرى الهباوي أن “تعليم الأطباء يتطلب أعواماً من التأهيل والإنفاق بالعملة الصعبة، لتأتي مؤسسات صحية أجنبية وتستفيد منهم في مقابل حرمان الدولة الليبية من خدماتهم، لتضطر الدولة في النهاية إلى التعاقد مع دول أخرى لتوفير العلاج للمواطنين“.
نزف الأطباء والمهندسين
وفي شأن التخصصات التي تعاني “نزف الأدمغة”، يؤكد الهباوي أنه “وفق تقديرات آخر الدراسات الأكاديمية، تأتي التخصصات الطبية والصحية أولاً، وتشمل الأطباء الاستشاريين واختصاصيي الجراحات الدقيقة وطب الأسنان، فيما تتصدر التخصصات الهندسية والتقنية المرتبة الثانية، مثل هندسة النفط والمعلومات والبرمجة“.
وتحتل هجرة الأكاديميين وأساتذة التعليم العالي المرتبة الثالثة، وفق دراسة للباحثة ناجية سليمان، صادرة عن جامعة الزاوية الليبية في يونيو (حزيران) 2026 بعنوان “هجرة الكفاءات الليبية: دوافعها وإستراتيجيات الحد منها“.
ورصدت الدراسة عوامل طرد قوية محلياً، وعوامل جذب خارجية، من أبرزها هشاشة الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، وضعف الرواتب، وسوء البيئة الإدارية والمهنية، وغياب تكافؤ الفرص في التمكين والترقي المهني، وغياب دعم مراكز البحث العلمي.
وعن دوافع الكفاءات الليبية لمغادرة البلاد، تقول الباحثة في علم الاجتماع، جميلة بن عيسى، إنه “من المنظور الاجتماعي لا يمكن تفسير هجرة الكفاءات الليبية كونها مجرد رغبة فردية في تحسين الدخل، أو الحصول على فرص عمل أفضل، بل ينبغي النظر إليها على أنها نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية داخل ليبيا“.
بيئة طاردة
وتضيف بن عيسى “أن الكفاءات لا تبحث عن الوظيفة وحسب، وإنما تبحث أيضاً عن بيئة تتيح لها توظيف معارفها، وتطوير قدراتها، وتحقيق التقدير الاجتماعي والمهني الذي يتناسب مع مؤهلاتها”، موضحة أن “من أبرز هذه الدوافع البيئة الأمنية والسياسية غير المستقرة، إذ تشكل مع القلق الأمني المستمر ضغطاً نفسياً كبيراً على كثير من الكفاءات وعائلاتهم، بخاصة مع استمرار حال الانقسام السياسي والمؤسسي، إذ إن ضعف حماية الكفاءات وتعرض بعض الأطباء والأكاديميين والإعلاميين، في أوقات متفرقة، للمضايقات والتهديدات والخطف، يجعل بيئة العمل في بعض القطاعات الحساسة محفوفة بالأخطار، مما يؤدي إلي البحث عن بيئة أكثر أمناً وحماية.
وتتابع بن عيسى أن “حال عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وما يرتبط بها من شعور بعدم اليقين حول المستقبل في ليبيا، تدفع بعض الكفاءات، ولا سيما الشباب، للبحث عن مجتمعات توفر مستوى أكبر من الاستقرار المهني والاجتماعي، وتمنحهم فرصاً لتطوير أنفسهم وتحقيق ذاتهم، إضافة إلى ضعف الرواتب، فراتب الطبيب الليبي في القطاع العام يراوح عادة ما بين 150 دولاراً و300 دولار، إضافة إلى بيئة العمل الطاردة وضعف التمويل والبحث العلمي للكفاءات، وافتقار الجامعات والمراكز البحثية والمستشفيات إلى التمويل الكافي والمعدات الحديثة، مما يتسبب بحرمان المتخصصين من تطوير مهاراتهم، أو إجراء أبحاث علمية ذات أثر“.
ضعف الخدمات
وحول تأثير هجرة الكفاءات في المجتمع الليبي على المدى الطويل، توضح الباحثة الليبية أن “الأمر لا يرتبط فقط بفقدان الخبرات، بل يطاول اتساع الفجوة بين الأجيال وتراجع فرص نقل المعرفة، إذ تتمثل الآثار طويلة المدى لهجرة الكفاءات في أنها لا تقتصر على فقدان عدد من الأطباء أو المهندسين أو الأكاديميين أو الباحثين، وإنما تمتد إلى التأثير في قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، وتراكمها ونقلها من جيل إلى آخر”، مشيرة إلى أنه “من المنظور الاجتماعي، لا تمثل الكفاءة المهنية مجرد مؤهل علمي يحمله الفرد، بل تتضمن أيضاً خبرات عملية متراكمة، ومعرفة ضمنية يكتسبها عبر أعوام العمل، وعلاقات مهنية، وقدرة على التدريب والإشراف وحل المشكلات، وعندما يغادر أصحاب هذه الخبرات تفقد المؤسسات جزءاً من ذاكرتها التنظيمية، ويصبح تعويض هذا الفقد أكثر صعوبة“.
وشددت الباحثة على أن “هجرة الكفاءات قد تؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأجيال، ليس بالضرورة بسبب اختلاف الأعمار وحده، بل نتيجة اختلاف التجارب والفرص والمسارات المهنية، فالأجيال الشابة التي تبقى داخل البلاد قد تجد نفسها أمام فرص محدودة للاحتكاك بالخبرات المتقدمة، بينما تتشكل خبرات أخرى خارج الوطن في بيئات مهنية مختلفة، وإذا غابت قنوات التواصل والتعاون بين الطرفين، فقد يتسع التباعد المعرفي والمهني بينهما، منوهة إلى أن من الآثار المحتملة أيضاً زيادة الضغط على الكفاءات التي تبقى داخل المؤسسات، وتراجع القدرة على تقديم بعض الخدمات أو تطويرها، وضعف فرص الابتكار والبحث العلمي، وقد تنعكس هذه الآثار على جودة الخدمات العامة، وقدرة المؤسسات على الاستجابة للحاجات الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة“.
سبل الاستفادة
وتقول بن عيسى إنه “لا ينبغي النظر إلى الهجرة على أنها خسارة حتمية في جميع الحالات، إذ يمكن للكفاءات الليبية في الخارج أن تسهم في نقل المعرفة والخبرات، وبناء الشراكات العلمية والمهنية، وتوفير فرص التدريب والتعاون مع المؤسسات داخل البلاد”، مستدركة أن “تحقيق هذه الإمكانات يتطلب وجود آليات مؤسسية واضحة، تربط الكفاءات المهاجرة بالجامعات ومراكز البحث والقطاعات المهنية الليبية“.
وترى المتحدثة ذاتها أن “التحدي لا يتمثل فقط في إعادة الكفاءات للوطن، بل في بناء بيئة قادرة على استثمار خبراتها، سواء عادت بصورة دائمة أو أسهمت عن بُعد أو شاركت في برامج تدريب وتبادل معرفي، فالتنمية المستدامة لا تقوم على تخريج الكفاءات فقط، وإنما على القدرة على الاحتفاظ بها، وتمكينها من العمل، وضمان انتقال المعرفة والخبرة بين الأجيال“.
وفي الـ 12 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بحثت وزارة العمل والتأهيل في حكومة الوحدة الوطنية الليبية مع مجلس التخطيط الوطني سبل الاستفادة من الكفاءات والخبرات الليبية الموجودة في الخارج، بهدف ربطها بمختلف تخصصاتها ومجالاتها، في المؤسسات والجهات داخل ليبيا، والاستفادة من إمكاناتها في دعم التنمية وتحسين الأداء المؤسسي.
_________
