تحرير الشّايب
في هذه المحطة، علينا أن نبدأ بالخطوات التالية:
-
ملف انتخابات ديسمبر 2021: كيف وصلنا إلى موعد الانتخابات؟ وما القوانين والخلافات والاعتراضات التي كانت معروفة قبل الموعد؟ ومن يتحمل مسؤولية كل جانب من جوانب التعثر؟
-
ملف إدارة الدولة والمال العام: ماذا تكشف البيانات عن الإيرادات والإنفاق والميزانية والخدمات؟ وما الذي يمكن إثباته، وما الذي يحتاج إلى تدقيق إضافي؟
-
ملف استمرار الحكومة والانقسام التنفيذي: كيف تحولت الحكومة المؤقتة إلى جزء من أزمة استمرار المرحلة الانتقالية؟ وما مسؤولية بقية المؤسسات والقوى السياسية؟
-
المقارنة النهائية بين الحكومات الانتقالية: من حكومة عبد الرحيم الكيب إلى حكومة الدبيبة، لاستخلاص الأخطاء المتكررة والإنجازات والدروس المؤسسية.
ثم ننتقل إلى النتيجة التي نحتاجها عمليًا: قائمة بالأخطاء البنيوية التي يجب ألا تتكرر في الحكومة التأسيسية، مع تحويل كل درس إلى شرط أو إجراء أو ضمانة قابلة للتنفيذ.
الملف الأول: لماذا تعثرت انتخابات 24 ديسمبر 2021؟
سنتعامل مع هذا الملف بوصفه تحقيقًا سياسيًا ومؤسسيًا في أسباب التعثر، لا بحثًا عن طرف واحد نحمله المسؤولية. فالهدف ليس تبرئة الحكومة أو إدانتها مسبقًا، بل تحديد ما حدث، وما كان معروفًا قبل موعد الانتخابات، وما كان ممكنًا فعله لتجنب الوصول إلى طريق مسدود.
أولًا: ما الذي كان يفترض أن يحدث؟
جاءت الانتخابات ضمن المسار السياسي الذي رعته الأمم المتحدة، واختيرت حكومة الوحدة الوطنية في فبراير 2021، ثم منحها مجلس النواب الثقة في مارس من العام نفسه. وكان المطلوب أن تهيئ الحكومة والمؤسسات المعنية الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 ديسمبر 2021، وأن تمهد بذلك لإنهاء المرحلة الانتقالية.
كان هناك أيضًا رصيد شعبي مهم: سجّل نحو 2.8 مليون ليبي في سجل الناخبين. وهذا يعني أن التعثر لم يكن مجرد خلاف بين السياسيين؛ بل أصاب مسارًا شارك المواطنون في الاستعداد له.
لكن وجود موعد انتخابي وسجل للناخبين لا يكفي وحده لإجراء انتخابات قابلة للنجاح. كان لا بد من اتفاق واضح على القواعد، وحسم الخلافات القانونية الجوهرية، وضمان الأمن، ووجود آلية مقبولة للفصل في الطعون والنزاعات.
ثانيًا: كيف تراكمت الأزمة؟ — التسلسل الزمني
فبراير–مارس 2021: تشكيل السلطة التنفيذية المؤقتة
اختار ملتقى الحوار السياسي الليبي السلطة التنفيذية الجديدة في فبراير، ونال تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ثقة مجلس النواب في مارس. كان التفويض السياسي واضح الاتجاه: توحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات في ديسمبر. لكن الاتفاق على موعد الانتخابات لم يكن يعني أن جميع القضايا الدستورية والقانونية قد حُسمت.
حتى أغسطس 2021: تعذر التوافق على أساس انتخابي مشترك
لم يتمكن ملتقى الحوار السياسي من حسم توصيات متفق عليها بشأن الأساس الدستوري والتشريعات الانتخابية. وهذه نقطة مهمة: الخلاف لم يبدأ عند إعلان المرشحين؛ بل سبق ذلك بأشهر، وكان ظاهرًا أمام المؤسسات السياسية والأمم المتحدة.
سبتمبر–أكتوبر 2021: صدور القوانين وتفاقم النزاع حول شرعيتها
أصدر مجلس النواب قانون انتخاب رئيس الدولة رقم 1 لسنة 2021، وقانون انتخاب مجلس النواب رقم 2 لسنة 2021. وأثار مسار إصدارهما اعتراضات وتساؤلات حول قانونيتهما، ومدى التشاور مع المجلس الأعلى للدولة، ومدى اتساقهما مع خارطة الطريق.
وفي 30 أكتوبر، دعت بعثة الأمم المتحدة إلى إدخال تعديلات ضرورية، بما فيها مقترحات المفوضية، حتى تكون الانتخابات شاملة وذات مصداقية.
نوفمبر 2021: ظهور الخلافات حول أهلية المرشحين
فتح باب الترشح، وبرزت حالات شديدة الحساسية قانونيًا وسياسيًا، من بينها ترشح سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة، وما أثير بشأن شروط الأهلية، والوضع القانوني لبعض المرشحين، والاستقالة أو التوقف عن العمل بالنسبة لشاغلي المناصب العامة والعسكرية.
لم تكن المشكلة في وجود الطعون بحد ذاته؛ فالطعون جزء طبيعي من الانتخابات. المشكلة كانت في أن الإطار القانوني والمؤسسي لم يوفر مسارًا مستقرًا ومقبولًا لحسمها في الوقت المناسب، مع استمرار النزاع حول بعض الأحكام والاختصاصات.
في 21-22 ديسمبر: تعذر إعلان القائمة النهائية للمرشحين
أوضحت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أن مرحلة الطعون أصبحت منعطفًا خطيرًا، وأن قصور التشريعات بشأن دور القضاء في النزاعات الانتخابية والتداخل بين الاعتبارات السياسية والأحكام القضائية أعاق إعلان القائمة النهائية للمرشحين. وفي 22 ديسمبر، أعلنت المفوضية تعذر إجراء الاقتراع في موعده، واقترحت 24 يناير 2022 موعدًا بديلًا.
ما الذي يثبته هذا التسلسل؟ أن التعثر لم يكن حادثًا مفاجئًا في الأيام الأخيرة. كانت هناك إنذارات مبكرة بشأن الأساس الدستوري، والقوانين، والطعون، وأهلية المرشحين، والأمن. لكن الأطراف لم تنجح في تحويل هذه الإنذارات إلى تسوية عملية ملزمة قبل الوصول إلى الموعد النهائي.
ثالثًا: ما الخلل الجوهري في القوانين الانتخابية؟
لا يكفي أن نسأل هل كانت القوانين موجودة أم لا؛ بل يجب أن نسأل: هل كانت القواعد متوافقًا عليها، وهل كانت قابلة للتنفيذ، وهل كان الجميع يعرف مسبقًا كيف ستُحسم الخلافات؟
برزت أربعة اختلالات مترابطة:
-
الخلاف على طريقة إصدار القوانين: وجود تشريع انتخابي لا يحسم وحده النزاع حول مشروعيته أو مدى التوافق عليه.
-
الخلاف على طبيعة النظام السياسي: كانت صلاحيات الرئيس وعلاقته بالحكومة والبرلمان من المسائل المؤثرة في حسابات المرشحين والقوى السياسية.
-
شروط الترشح وتوقيت تطبيقها: القواعد المتعلقة بالأهلية، والجنسية، وشاغلي المناصب العامة، وغيرها، تحولت إلى نزاعات سياسية وقضائية كبرى.
-
قصور آلية حسم الطعون: لم تتوافر ثقة مشتركة كافية بأن الخلافات ستُحسم بسرعة وبصورة نهائية تحظى بقبول الأطراف.
وقد أشارت بعثة الأمم المتحدة قبل الانتخابات إلى ضرورة وجود إطار قانوني شامل، كما سجلت المفوضية نفسها أن أوجه القصور التشريعي المرتبطة بالنزاعات والطعون ساهمت في تعذر إعلان القائمة النهائية.
رابعًا: من المسؤول عن تعثر الانتخابات؟
هنا ينبغي أن نكون دقيقين؛ لأن تحميل المسؤولية لطرف واحد قد يعطينا تفسيرًا مريحًا، لكنه لن يساعدنا على تصميم حكومة تأسيسية أفضل.
1. مجلس النواب: يتحمل مسؤولية أساسية عن الإطار التشريعي، بما في ذلك طريقة إصدار القوانين الانتخابية، ومدى توافقها مع خارطة الطريق، ومدى معالجة الاعتراضات المعروفة عليها. وكان مطلوبًا منه أن يسهم في توفير قواعد واضحة ومقبولة، لا أن يكتفي بإصدار النصوص القانونية ثم يترك الخلافات بشأنها تتفاقم.
2. المجلس الأعلى للدولة: كان الخلاف مع مجلس النواب حول التشريعات والقاعدة الدستورية جزءًا من الأزمة. وتتحمل المؤسسات السياسية مسؤولية البحث عن تسوية قابلة للتنفيذ، بدل استمرار الخلاف على الاختصاصات والإجراءات حتى اقتراب موعد الاقتراع. لكن تقدير المسؤولية التفصيلية يحتاج إلى فحص مواقف كل مؤسسة ومحاضرها ومقترحاتها، لا الاكتفاء بوجود الخلاف.
3. حكومة عبد الحميد الدبيبة: كانت الحكومة مسؤولة عن تهيئة الظروف التنفيذية والأمنية والإدارية، وعن دعم المسار الانتخابي وعدم تحويل التفويض المؤقت إلى غاية في ذاته. لكن لا يصح اعتبارها صاحبة الاختصاص الوحيد في صياغة القوانين أو حسم الطعون القضائية.
والسؤال الأهم بشأنها هو: هل تعاملت مع الخلافات المتوقعة بوصفها مخاطر وطنية تستوجب تحركًا سياسيًا مبكرًا، أم تركت الأزمة تتطور إلى أن أصبح تعذر الانتخابات أمرًا واقعًا؟ هذه مسؤولية ينبغي تقييمها بأدلة على قرارات الحكومة ومواقفها وتوقيتها، لا بمجرد كونها كانت في السلطة عند فشل الانتخابات.
4. المفوضية الوطنية العليا للانتخابات: تتحمل مسؤولية تنفيذ العملية الانتخابية في حدود اختصاصها، والتحقق من شروط الترشح، وإدارة الإجراءات الفنية. لكنها واجهت نزاعات قانونية وسياسية وأمنية أثرت في قدرتها على إعلان القائمة النهائية. وقد أعلنت في 22 ديسمبر أنها لم تتمكن من استكمال المسار بسبب تلك العقبات.
لذلك يجب التمييز بين المسؤولية عن إدارة الانتخابات والمسؤولية عن تصميم القواعد التي تحكمها.
5. القضاء والجهات الأمنية والقوى السياسية المتنافسة: أثرت الأحكام المتعارضة أو المتنازع على آثارها، وصعوبة إنفاذ بعض القرارات، والمخاوف الأمنية، وحسابات المرشحين والقوى السياسية في المسار الانتخابي. لكن لا يجوز تعميم الاتهام على القضاء كله، أو افتراض أن كل طعن كان مناورة سياسية؛ فالطعن القانوني المشروع لا يساوي التعطيل المتعمد.
6. الأمم المتحدة وملتقى الحوار السياسي: كان للمسار الدولي دور في تحديد الموعد ودعم خارطة الطريق، لكنه لم ينجح في تأمين توافق نهائي على الأساس الدستوري والقواعد الانتخابية. وقد حذر المبعوث الأممي في 2021 من أن المصالح المؤسسية والسياسية والشخصية تعرقل الاتفاق على الإطار القانوني اللازم.
هذه خريطة أولية للمسؤوليات وليست حكمًا قضائيًا نهائيًا. وهي تتيح لنا تجنب خطأين متقابلين: إعفاء الحكومة من مسؤولية الأداء التنفيذي، أو تحميلها وحدها مسؤولية أزمة شاركت مؤسسات وقوى متعددة في صنعها.
خامسًا: الدرس الأهم لمشروع «الدولة الممكنة»
في تقديري، لا يتمثل الدرس الرئيسي في أن ليبيا لم تكن جاهزة للانتخابات فحسب؛ بل في أن العملية الانتخابية انطلقت قبل حسم عدد من الشروط السياسية والقانونية التي كان نجاحها يتوقف عليها.
وهذا يقودنا إلى خمسة دروس ينبغي أن تدخل في تصميم الحكومة التأسيسية:
|
ما كشفته تجربة 2021 |
ما يجب أن تضمنه الحكومة التأسيسية |
|
موعد سياسي من دون تسوية قانونية مكتملة |
عدم تثبيت موعد نهائي قبل استيفاء شروط معلنة وقابلة للتحقق |
|
تشريعات محل نزاع حول شرعيتها |
إطار قانوني متفق عليه، مع تحديد واضح للاختصاصات |
|
خلافات على أهلية المرشحين ظهرت متأخرة |
قواعد ترشح واضحة، وفحص مبكر، ومواعيد ملزمة للبت في الطعون |
|
تداخل السياسة والقضاء في النزاع الانتخابي |
مسار قضائي انتخابي واضح، سريع، ومستقل |
|
غياب اتفاق على ما يحدث إذا تعذرت الانتخابات |
آلية قانونية مسبقة تمنع تمديد المرحلة الانتقالية تلقائيًا أو بقرار أحادي |
وهناك درس سادس لا يقل أهمية: لا ينبغي أن تكون الحكومة التأسيسية هي الحكم الوحيد على نجاحها أو فشلها. يجب أن تخضع لمعايير جاهزية معلنة، ورقابة مستقلة، وتقييم دوري، بحيث لا تستطيع أي سلطة أن تبرر استمرارها بمجرد الادعاء بأن الظروف لم تنضج بعد.
سادسًا: الخلاصة المرحلية
يمكننا، في هذه المرحلة، صياغة الاستنتاج التالي:
لم تتعثر انتخابات ديسمبر 2021 بسبب عائق واحد، بل نتيجة تفاعل خلافات دستورية وتشريعية وسياسية وقضائية وأمنية لم تُحسم قبل موعد الاقتراع. وتتحمل المؤسسات والأطراف مسؤوليات متفاوتة بحسب اختصاصاتها وقراراتها وقدرتها على منع التصعيد. أما الدرس المؤسسي فهو أن تحديد موعد للانتخابات لا يعادل بناء مسار انتخابي قابل للإنجاز، وأن السلطة الانتقالية تحتاج إلى ضمانات تمنع تحول تعثر الانتخابات إلى مبرر لاستمرار الانتقال بلا نهاية.
هذا الاستنتاج يتفق مع ما سجلته المفوضية بشأن العقبات القانونية والطعون، ومع تقارير الأمم المتحدة التي ربطت التأجيل بالنزاع على الإطار الانتخابي والمخاوف الأمنية.
لكننا لم ننتهِ من الملف بعد. حتى تكون المراجعة موثقة بالقدر الذي يستحقه مشروعنا، ينبغي أن تكون خطوتنا التالية أكثر تحديدًا: إعداد جدول زمني للاعتراضات التي ظهرت قبل فتح باب الترشح وأثناءه، مع التمييز بين:
-
اعتراضات كان يمكن توقعها ومعالجتها مبكرًا.
-
اعتراضات ظهرت خلال إجراءات الترشح والطعون.
-
خلافات تعذر حسمها بسبب غموض القواعد أو تنازع الاختصاصات.
-
قرارات أو مواقف سياسية ساهمت في تفاقم الأزمة.
بعدها فقط نستطيع الانتقال من وصف فشل الانتخابات إلى تقييم مسؤولية حكومة الدبيبة تحديدًا، دون إعفائها من مسؤوليتها أو تحميلها ما لا يدخل في اختصاصها.
___________