تحرير الشّايب

الملف الأول — الجزء الثاني: الاعتراضات التي سبقت انتخابات ديسمبر 2021

سننتقل الآن من التسلسل العام إلى سؤال أكثر دقة: ما المشكلات التي كانت معروفة قبل فتح باب الترشح، وما الذي ظهر لاحقًا، وهل كانت هناك فرصة حقيقية لمعالجتها؟

تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لمشروع «الدولة الممكنة»، لأننا لا نريد أن نحاكم المسؤولين بأثر رجعي على أمور لم يكن من الممكن توقعها؛ بل نريد تحديد ما كان معلومًا، ومن كان يملك صلاحية التصرف، وما الذي فعله أو لم يفعله.

1. الاعتراضات التي كانت معروفة قبل فتح باب الترشح

التاريخ

الواقعة أو الاعتراض

دلالتها بالنسبة إلى الجاهزية

حتى أغسطس 2021

لم يتوصل ملتقى الحوار السياسي إلى اتفاق نهائي على توصيات بشأن الأساس الدستوري والتشريعات الانتخابية.

كان الخلاف على قواعد الانتخابات قائمًا قبل صدور القوانين، ولم يكن مفاجأة في نوفمبر.

9 سبتمبر 2021

صدر قانون انتخاب رئيس الدولة رقم 1 لسنة 2021.

أثار مسار إصدار القانون اعتراضات بشأن الإجراءات القانونية والتشاور مع المجلس الأعلى للدولة، كما فتح نقاشًا حول صلاحيات الرئيس وشروط الترشح.

21 سبتمبر 2021

صوّت عدد من أعضاء مجلس النواب على سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، مع استمرار الجدل بشأن الأثر القانوني لذلك القرار.

أضاف الخلاف على وضع الحكومة إلى حالة عدم اليقين السياسي قبل الانتخابات.

4–5 أكتوبر 2021

صدر قانون انتخاب مجلس النواب رقم 2 لسنة 2021.

أثار القانون اعتراضات بشأن إجراءات إصداره، وبعض أحكامه، وعلاقته بخارطة الطريق التي نصت على انتخابات رئاسية وبرلمانية في الموعد نفسه.

11 أكتوبر 2021

أعلن مجلس النواب قبول بعض التعديلات الفنية التي اقترحتها المفوضية، مع رفض بعض المقترحات الأخرى.

يبين ذلك أن المفوضية رصدت احتياجات إلى تعديل القواعد قبل موعد الاقتراع، لكن المعالجة لم تشمل جميع النقاط محل الخلاف.

30 أكتوبر 2021

دعت بعثة الأمم المتحدة مجلس النواب إلى إدخال تعديلات ضرورية على الإطار القانوني، بما فيها مقترحات المفوضية، لضمان انتخابات حرة ونزيهة وشاملة وذات مصداقية.

هذه إشارة موثقة إلى أن المخاوف بشأن كفاية الإطار القانوني كانت مطروحة علنًا قبل انتهاء الترشح.

الاستنتاج الأول: قبل فتح باب الترشح، كانت هناك بالفعل مشكلات معروفة تتعلق بالأساس الدستوري، وإجراءات إصدار القوانين، ومضمون بعض أحكامها، والتوافق السياسي عليها. ولذلك لا يمكن تفسير الأزمة كلها بأنها نتجت عن طعون مفاجئة ظهرت في الأيام الأخيرة.

لكن هذا لا يثبت وحده أن الانتخابات كان يستحيل إجراؤها؛ بل يثبت أن المخاطر كانت واضحة، وأن الجهات المعنية كان أمامها وقت لمعالجتها.

2. ماذا حدث بعد فتح باب الترشح؟

في 8 نوفمبر: بدء تسجيل المرشحين للرئاسة

بدأت المفوضية إجراءات قبول طلبات الترشح، رغم استمرار الخلافات حول القواعد. وأغلق التسجيل في 22 نوفمبر بعد تقدم 98 مرشحًا، من بينهم عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر وسيف القذافي.

في 25 نوفمبر: بدء الطعون والاستئنافات

نشرت المفوضية القوائم الأولية للمرشحين، ثم بدأت مرحلة الطعون. وأصبحت شروط الأهلية، والأحكام القضائية، وتفسير النصوص القانونية موضوع نزاعات مباشرة بين المرشحين ومؤسسات الدولة.

في 28 نوفمبر–1 ديسمبر: نزاع ترشح الدبيبة

رفضت محكمة استئناف طرابلس ترشح الدبيبة في 28 نوفمبر، ثم أعادت أحكام لاحقة قبول ترشحه في 1 ديسمبر. وتوضح هذه الواقعة كيف تحولت شروط الترشح إلى نزاعات قضائية ذات أثر سياسي مباشر، وكيف زاد اختلاف القرارات من صعوبة الوصول إلى قائمة نهائية تحظى بالقبول.

حتى 7 ديسمبر: انتهاء مرحلة الطعون الأولية دون إغلاق الأزمة

أفادت المفوضية بأن مرحلة الطعون والاستئنافات انتهت في 7 ديسمبر، لكنها كانت لا تزال تراجع الأحكام وتعمل على التواصل بشأن تنفيذها. وهذا يعني أن انتهاء المواعيد الإجرائية لم يكن كافيًا لحسم الخلافات عمليًا.

في 21–22 ديسمبر: تعذر إجراء الانتخابات في موعدها

مع بقاء الخلافات القانونية والسياسية والأمنية، تعذر استكمال المسار في الوقت المحدد. وفي 22 ديسمبر أعلنت المفوضية تعذر إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر، واقترحت موعدًا بديلًا هو 24 يناير 2022.

3. ما الذي كان يمكن فعله قبل الوصول إلى هذه النتيجة؟

من المهم هنا التمييز بين ثلاثة مستويات من المسؤولية.

المستوى الأول: مسؤولية تصميم القواعد. كان ينبغي حسم الخلافات الجوهرية بشأن الأساس الدستوري، وشروط الترشح، وصلاحيات الرئيس، وترتيب الانتخابات، وآلية الفصل النهائي في الطعون قبل إطلاق العملية أو في وقت مبكر يسمح بتصحيحها. وقد دعت الأمم المتحدة إلى تعديلات قانونية قبل موعد الانتخابات، ما يؤكد أن الحاجة إلى المراجعة كانت مطروحة بالفعل.

المستوى الثاني: مسؤولية إدارة المخاطر. كان ينبغي ألا تتعامل المؤسسات مع الانتخابات باعتبارها مجرد موعد يجب الحفاظ عليه سياسيًا؛ بل باعتبارها عملية لها شروط نجاح. فإذا ظهرت خلافات تهدد إمكان إعلان قائمة نهائية للمرشحين، كان ينبغي أن توجد آلية مسبقة للتعامل معها، بدل تركها تتراكم حتى الأيام الأخيرة.

المستوى الثالث: مسؤولية منع تحويل التعثر إلى استمرار مفتوح للمرحلة الانتقالية. حتى إذا تعذر إجراء الانتخابات، كان ينبغي أن تكون هناك قواعد متفق عليها تحدد كيفية معالجة التعثر، ومن يملك اقتراح البدائل، وكيف تُراقب المدد، وما الضمانات التي تمنع استغلال الأزمة للبقاء في السلطة.

ولا نستطيع أن نجزم بأن إجراءً واحدًا كان سيضمن نجاح الانتخابات. لكن كان من الممكن تقليل مخاطر التعثر لو حُسمت الخلافات القانونية والسياسية مبكرًا، ووُضعت آلية موثوقة لحسم الطعون.

4. ماذا تعني هذه النتائج عند تقييم حكومة الدبيبة؟

أرى أن علينا ألا نخلط بين سؤالين مختلفين:

  • هل كانت حكومة الدبيبة هي المسؤولة وحدها عن فشل الانتخابات؟ الأدلة التي استعرضناها لا تبرر هذا الاستنتاج؛ فالاختصاصات والمسؤوليات كانت موزعة بين مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمفوضية، والقضاء، والحكومة، والقوى السياسية.

  • هل كانت حكومة الدبيبة مسؤولة عن المساهمة في إنجاح المسار الانتخابي، وعن كيفية تعاملها مع تعثره؟ نعم، وهذا جانب مستقل يجب تقييمه من خلال قراراتها ومواقفها وتوقيتها، لا بمجرد كونها الطرف الذي بقي في السلطة بعد التأجيل.

وهنا تظهر أهمية هذه المراجعة: قد يكون تعثر الانتخابات مسؤولية مشتركة، لكن استمرار السلطة التنفيذية بعد تعثرها يحتاج إلى تقييم مستقل من حيث الشرعية، والمدة، والرقابة، والالتزام بإنهاء المرحلة الانتقالية.

5. النتيجة التي ينبغي تثبيتها: أن نعتمد مؤقتًا المبدأ التالي ضمن الدروس المستخلصة لتصميم الحكومة التأسيسية:

لا تُقاس جاهزية الانتخابات بتحديد موعدها أو فتح باب الترشح، بل بوجود أساس دستوري وقانوني واضح، وقواعد ترشح قابلة للتطبيق، وآلية مستقلة ونهائية لحسم الطعون، وضمانات أمنية وسياسية، وخطة معلنة للتعامل مع أي تعثر. كما يجب ألا يتحول فشل الانتخابات إلى تفويض مفتوح لاستمرار الحكومة المؤقتة.

هذه خلاصة مرحلية وليست الكلمة الأخيرة في تقييم حكومة الدبيبة.

الخطوة التالية: ننتقل إلى مراجعة مواقف حكومة الدبيبة نفسها خلال عام 2021:

  • ماذا فعلت للتحضير للانتخابات؟

  • ما الذي كان داخل صلاحياتها؟

  • كيف تعاملت مع الخلاف على القوانين والمرشحين؟

  • وماذا فعلت بعد إعلان التعذر؟

بهذه المقارنة نستطيع أن نقيّم مسؤوليتها الفعلية بصورة أدق، قبل الانتقال إلى ملف استمرارها في السلطة بعد ديسمبر 2021.

هناك سؤال جوهري: هل كانت حكومة الدبيبة طرفا في المشكلة أم طرفا في الحل؟

الإجابة على هذا السؤال يمثل مدخلًا مهمًا لفهم تجربة حكومة الدبيبة، لكن لكي نجعلها جزءًا راسخًا من مراجعتنا، ينبغي أن نحوّلها من استنتاج سياسي إلى فرضية نختبرها بالوقائع والقرارات.

فثمة فرق بين أن تكون الحكومة طرفًا في أزمة لم تنجح في حلها، وأن تكون مواقفها أو قراراتها قد أسهمت في استمرار الأزمة، وأن تتخذ بعد ذلك إجراءات فعلية لتسويتها. هذه ثلاثة أمور يجب فحصها على حدة.

كيف نختبر هذه الفرضية؟

يمكن مراجعة أداء حكومة الدبيبة في أربع محطات:

  1. قبل انتخابات ديسمبر 2021: هل مارست دورًا فاعلًا في معالجة الخلافات المعروفة حول القوانين الانتخابية، أم اكتفت بانتظار ما ستنتهي إليه المؤسسات الأخرى؟

  2. عند تعثر الانتخابات: هل اقترحت مسارًا توافقيًا محددًا لإنهاء الانسداد، أم انصبّ موقفها أساسًا على استمرارها في السلطة إلى حين إجراء الانتخابات؟

  3. بعد تكليف حكومة فتحي باشاغا في فبراير 2022: كيف تعاملت مع قرار مجلس النواب بتشكيل حكومة منافسة، وما أثر موقفها على استمرار الانقسام التنفيذي؟

  4. خلال السنوات التالية: هل اتخذت خطوات مؤسسية قابلة للتحقق لإنهاء المرحلة الانتقالية، أم استمر التنافس على الشرعية بالتوازي مع إدارة شؤون الدولة؟

وينبغي أن نختبر كل محطة بالقرارات الرسمية، والتصريحات الموثقة، ومواقف المؤسسات الأخرى، والنتائج الفعلية؛ مع التمييز بين الوقائع المؤكدة والتفسيرات السياسية المتنازع عليها.

لماذا تهمنا هذه المسألة في مشروع «الدولة الممكنة»؟

لأن الحكومة التأسيسية التي نتصورها لا يكفي أن تكون قادرة على إدارة الوزارات والإنفاق وتقديم الخدمات. يجب أن تكون أيضًا قادرة على إنهاء الأسباب التي تجعل المرحلة الانتقالية تستمر، وأن تخضع لآلية تمنعها من أن تصبح طرفًا مستفيدًا من استمرارها.

ومن هنا يمكن أن نستخلص معيارًا تصميميًا مهمًا: لا تُقاس الحكومة التأسيسية بقدرتها على البقاء في السلطة أو إدارة الوضع القائم، بل بقدرتها على تنفيذ تفويض تأسيسي محدد، والخضوع للرقابة، وتسليم السلطة وفق قواعد معلنة لا تنفرد هي بتحديدها.

علينا أن نبدأ بالمحطة الثانية: موقف حكومة الدبيبة بعد تعذر انتخابات ديسمبر 2021. فهي التي ستساعدنا على التمييز بين استمرار الحكومة بحجة المحافظة على الاستقرار، وبين وجود مسار عملي وملزم لإنهاء المرحلة الانتقالية.

الغموض كان سيد الموقف في تلك المرحلة: هذه ملاحظة تستحق أن نتوقف عندها؛ لأن الغموض لم يكن مجرد نقص في المعلومات، بل كان جزءًا من المشكلة المؤسسية نفسها.

في مرحلة ما بعد تعذر انتخابات 24 ديسمبر 2021، لم يكن الخلاف محصورًا في موعد جديد للاقتراع. كانت هناك أسئلة أساسية لم تحظَ بإجابات متفق عليها: من يملك الشرعية التنفيذية؟ وما الأساس القانوني لاستمرار الحكومة؟ ومن يحدد موعد الانتخابات البديلة؟ وما الجهة التي تملك صلاحية حسم الخلافات؟ وماذا يحدث إذا تعذر الاتفاق مرة أخرى؟

1. ثلاثة أنواع من الغموض:

  • الغموض الدستوري والقانوني: لم يكن هناك اتفاق مستقر على القاعدة الدستورية والتشريعات الانتخابية، ولا على كيفية حسم النزاعات المرتبطة بها.

  • الغموض السياسي: لم تتفق المؤسسات والقوى المتنافسة على تفسير موحد لتفويض الحكومة ومدته، ولا على الطريق الذي ينقل البلاد إلى سلطة منتخبة.

  • الغموض التنفيذي: لم يكن هناك مسار ملزم ومتفق عليه يحدد الخطوات التالية، والجهة المسؤولة عن كل خطوة، والمواعيد، وما ينبغي فعله عند الإخفاق.

وتظهر خطورة هذه الأنواع الثلاثة حين يصبح كل طرف قادرًا على الاستناد إلى تفسير مختلف للشرعية، بينما تظل الدولة ومؤسساتها ومصالح المواطنين رهينة الخلاف.

2. كيف تَحوّل الغموض إلى أزمة شرعية؟

تُظهر الوقائع اللاحقة أن الغموض لم يُحسم بعد تأجيل الانتخابات، بل اتسع.

  • في يناير 2022، اعتبر مجلس النواب أن مدة حكومة الوحدة الوطنية انتهت مع تعذر الانتخابات في ديسمبر.

  • في 10 فبراير 2022، كلّف مجلس النواب فتحي باشاغا بتشكيل حكومة جديدة، في إجراء اعترضت عليه حكومة الدبيبة، كما رفض المجلس الأعلى للدولة لاحقًا مسار تشكيل الحكومة والتعديل الدستوري المرتبط به.

  • في مارس 2022، منح مجلس النواب الثقة لحكومة باشاغا، بينما استمرت حكومة الدبيبة في طرابلس. وهكذا عادت البلاد إلى وجود سلطتين تنفيذيتين متنافستين.

واللافت أن الأمم المتحدة نفسها أشارت إلى أن لجنة المراجعة الدستورية التي كان يفترض تشكيلها بموجب التعديل الدستوري لم ترَ النور. أي إن أحد المسارات التي كان يفترض أن تساعد على معالجة الأزمة تعثر هو الآخر.

لكن ينبغي أن نميز بين أمرين: وجود غموض حقيقي في الأساس القانوني، واستخدام هذا الغموض لتبرير موقف سياسي بعينه.

الأول تثبته الوقائع المتعلقة بتنازع المؤسسات على الشرعية؛ أما الثاني فيحتاج إلى فحص مواقف كل طرف وقراراته، بما فيها مواقف حكومة الدبيبة.

3. ما الذي كان ينبغي أن يحدث؟

كان ينبغي أن تتوافر منذ البداية قواعد واضحة تجيب عن أربعة أسئلة:

  1. ما الأثر القانوني لتعذر الانتخابات في الموعد المحدد؟

  2. من يملك صلاحية تحديد المسار البديل، وبأي توافق؟

  3. ما حدود استمرار الحكومة القائمة خلال فترة المعالجة؟

  4. ما الضمانة التي تمنع أي طرف من تحويل الخلاف على الشرعية إلى بقاء مفتوح في السلطة؟

إن غياب إجابات متفق عليها جعل الخلاف على الانتخابات يتحول إلى خلاف على من يحكم، ثم إلى انقسام في السلطة التنفيذية.

هذه التجربة تقدم درسًا مباشرًا: لا يجوز ترك شرعية الحكومة التأسيسية ومدتها وآلية إنهاء مهمتها لتقديرات سياسية تُطرح بعد وقوع الأزمة؛ بل يجب حسمها في قواعد تأسيسية مسبقة، مع جهة رقابة مستقلة وآلية واضحة للخلاف والتعثر.

ولذلك علينا أن ننتقل الآن إلى السؤال الأكثر حساسية: هل كان استمرار حكومة الدبيبة بعد ديسمبر 2021 ضرورة مؤقتة فرضها غياب البديل المتفق عليه، أم أن طريقة تعاملها مع الأزمة ساهمت في تثبيت الانقسام؟

وهنا ينبغي أن نفحص الوقائع والحجج القانونية والسياسية على جانبي السؤال قبل الوصول إلى استنتاج موثق.

…

يتبع

____________