
تحفظات المؤسسات المالية الأميركية بشأن اختيار المحافظ الجديد تثير مخاوف واسعة على استقلالية المصرف واستقرار الاقتصاد.
يفتح إعلان موقع “أفريكا إنتليجنس” الاستخباراتي الفرنسي عن تعليق وزارة الخزانة الأميركية معاملات الدولار مع مصرف ليبيا المركزي، فصلا جديدا من تداعيات الانقسام السياسي على المؤسسات السيادية الليبية، ويضع استقلالية المؤسسة النقدية أمام اختبار يتجاوز حدود الخلاف حول تعيين محافظ جديد.
فالإجراء، الذي جاء عقب قرار مجلس النواب تعيين فوزي أبوخزام خلفا لناجي عيسى، يعكس حجم الحساسية الأميركية تجاه آليات اختيار قيادة المصرف، ومدى التزامها بمعايير الشفافية والحوكمة التي تحكم علاقاته بالنظام المالي الدولي.
وتكمن خطورة التطور في أن مصرف ليبيا المركزي ليس مؤسسة إدارية عادية، بل يمثل البوابة الرئيسية لإدارة الإيرادات النفطية والاحتياطيات الأجنبية وتنظيم المدفوعات الخارجية، فضلا عن دوره في توفير النقد الأجنبي وتمويل احتياجات الاقتصاد.
ولذلك، فإن أي قيود تطال تعاملاته بالدولار قد تتجاوز أثرها المباشر على المصرف لتنعكس على حركة التجارة والاستيراد والتزامات الدولة المالية، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط والإنفاق العام.
بحسب “أفريكا إنتليجنس”، جاء تعليق المعاملات بعد أن أثارت آلية تعيين أبوخزام تحفظات لدى السلطات الأميركية، بما في ذلك وزارة الخزانة ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، على خلفية ما وصفه الموقع بغياب الشفافية في اختيار القيادة الجديدة للمصرف.
ويشير ذلك إلى أن واشنطن لا تنظر إلى المسألة باعتبارها تغييرا إداريا داخليا فحسب، بل باعتبارها تطورا قد يؤثر في موثوقية المؤسسة التي تتعامل معها المصارف والمؤسسات المالية الدولية.
وكان مجلس النواب قد صوّت، في الثاني من نوفمبر، على قبول استقالة المحافظ السابق ناجي عيسى وتعيين أبوخزام خلفا له، خلال جلسة عقدها في مدينة سبها، حظي فيها القرار بموافقة 78 نائبا من أصل 90 حضروا الجلسة. وأدى المحافظ الجديد اليمين القانونية في الرابع من نوفمبر، وفق ما أعلنه المصرف والجهات الليبية الرسمية.
غير أن هذه الخطوات لم تنه الجدل المتعلق بالتوافق المؤسسي حول التعيين. فالمحافظ السابق كان قد تولى منصبه في سبتمبر 2024 عقب تفاهم بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ساعد على إنهاء أزمة حادة حول إدارة المصرف، كانت قد ترافقت آنذاك مع تعطيل إنتاج النفط وتراجع صادراته.
أما التعيين الجديد، فقد جاء في سياق سياسي مختلف، ولم يصدر عن المجلس الأعلى للدولة موقف واضح بشأن تصويت مجلس النواب الأخير.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى أن المصرف أعلن في أكتوبر الماضي أن أبوخزام تسلم مهام المحافظ بصورة فعلية، مشيرا إلى انتقال المسؤوليات إليه في إطار قرار صادر عن رئاسة مجلس النواب.
كما تحدث المصرف عن تشكيل لجان للحوكمة والمراجعة والمخاطر والتعيينات، وإعادة تنظيم عمل مجلس الإدارة. لكن هذه الإجراءات الداخلية لم تمنع ظهور تحفظات خارجية بشأن طريقة تثبيت القيادة الجديدة.
ولا يعني تعليق معاملات الدولار بالضرورة تجميد الأرصدة الليبية أو فرض عقوبات شاملة على المصرف، إذ ينبغي التمييز بين وقف بعض التحويلات أو إخضاعها لتدقيق وموافقات إضافية، وبين تجميد الأموال الموجودة في الحسابات الخارجية.
ومع ذلك، فإن تقييد العمليات بالدولار قد يعرقل تسوية المدفوعات الدولية ويزيد الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ التحويلات، خصوصا إذا امتد التدقيق إلى المصارف المراسلة والمؤسسات التي تتعامل مع المصرف المركزي.
وتنبع حساسية هذه الإجراءات من الدور المحوري للدولار في تسوية المعاملات التجارية والمالية الليبية، سواء تعلق الأمر بتمويل الواردات أو إدارة المدفوعات المرتبطة بالنفط أو الوفاء بالتزامات الدولة الخارجية.
كما أن أي إشارات إلى تراجع الثقة الدولية في إدارة المصرف قد تدفع المؤسسات المالية إلى تشديد إجراءات الامتثال والتحقق، حتى في غياب قرار رسمي بفرض عقوبات على المؤسسة.
وكان المصرف المركزي قد بحث، في أبريل الماضي، مع مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية سبل تطوير آليات تنفيذ المعاملات الخارجية مع الاحتياطي الفيدرالي، ومكافحة الفساد وتهريب العملة، وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأكد الجانبان حينها أهمية الحفاظ على استقلالية المصرف والتعاون بشأن معايير الامتثال. ويكشف هذا المسار أن العلاقة المالية بين طرابلس وواشنطن تقوم على تعاون تقني ورقابي متشعب، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا انعكاسات مباشرة على قدرة المصرف على أداء وظائفه الخارجية.
وتتجاوز الأزمة الحالية مسألة الخلاف حول المحافظ الجديد، لتعيد طرح السؤال الأوسع بشأن قدرة المؤسسات الليبية على حماية المصرف المركزي من التجاذبات السياسية.
فالتجربة السابقة أظهرت أن النزاع على قيادة المؤسسة النقدية يمكن أن يتحول إلى أزمة اقتصادية واسعة، خصوصا عندما يرتبط بإدارة الإيرادات النفطية والإنفاق العام وتوزيع الموارد بين مناطق البلاد.
وفي ظل استمرار الانقسام بين السلطات في الشرق والغرب، تبرز مخاطر أن يتحول الخلاف على التعيينات إلى نزاع على الاعتراف الدولي بالقيادة المصرفية، وهو ما قد يضعف قدرة المصرف على تنفيذ سياساته النقدية والتعامل مع المؤسسات الخارجية.
كما أن استمرار الغموض بشأن التوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة قد ينعكس على ثقة المتعاملين في استقرار القرارات الصادرة عن المؤسسة.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن التحديات الاقتصادية التي تواجه ليبيا، وفي مقدمتها ضغوط الإنفاق العام وتقلبات سعر صرف الدينار واتساع الفجوة بين السوق الرسمية والموازية. فأي تعطيل للمعاملات الخارجية أو تشدد في إجراءات التحويلات قد يزيد صعوبة توفير النقد الأجنبي، ويرفع كلفة الاستيراد، ويغذي المخاوف في السوق المحلية، حتى إذا ظلت العمليات المصرفية الداخلية مستمرة.
تكشف الخطوة الأميركية، وفق ما أورده “أفريكا إنتليجنس”، أن الاعتراف السياسي المحلي بقيادة مصرف ليبيا المركزي لا يكفي وحده لضمان استمرار علاقاتها المالية الدولية، ما لم يقترن بإجراءات واضحة تحظى بثقة الأطراف الخارجية.
كما تضع السلطات الليبية أمام ضرورة معالجة الخلاف حول آلية التعيين من خلال مسار مؤسسي شفاف، يحمي استقلال المصرف ويمنع تحويله إلى ساحة جديدة للصراع.
وتبقى المسألة الأساسية مرتبطة بما إذا كان تعليق المعاملات إجراء احترازيا محدودا يمكن احتواؤه عبر التوضيحات والتفاهمات الفنية، أم بداية لتشديد أوسع في الرقابة على تعاملات المصرف.
وفي الحالتين، فإن كلفة استمرار الخلاف لن تقتصر على المحافظ أو الأطراف السياسية المتنافسة، بل قد تمتد إلى الاقتصاد الليبي بأكمله، حيث ترتبط الثقة بالمؤسسة النقدية مباشرة بقدرتها على إدارة الموارد النفطية وتأمين المدفوعات والحفاظ على استقرار التعاملات المالية الخارجية.
_________