تحرير الشّايب

الحوار السياسي واتفاق الصخيرات: هل عالج الإنقسام أم أدار الأزمة؟

الفرضية: كان اتفاق الصخيرات محاولة حقيقية لإعادة توحيد السلطة السياسية الليبية وإنهاء الانقسام الذي نشأ عام 2014، لكنه عالج بصورة أكبر أزمة الشرعية وتوزيع السلطة السياسية، بينما بقيت البنية الأمنية والعسكرية التي أنتجت الانقسام خارج تسوية مكتملة.

ولذلك نجح الاتفاق في إنشاء إطار سياسي جديد، لكنه لم ينجح في تحويل هذا الإطار إلى سلطة دولة قادرة على فرض قراراتها على مراكز القوة القائمة.

لكن هذه الفرضية تحتاج إلى تفكيك؛ لأن الحكم على الصخيرات بأنه «فشل» فقط سيكون تبسيطاً لا يخدم المراجعة التاريخية.

السؤال الأدق: ماذا كان الصخيرات قادراً على تحقيقه في الظروف التي وُقّع فيها؟ وما الذي كان يمكن أن يفعله ولم يفعله؟ وما الذي لم يكن الاتفاق قادراً أصلاً على حله؟

لماذا أصبح الصخيرات ضرورياً؟

عندما وصل المسار الليبي إلى 2015، لم تعد المشكلة مجرد خلاف بين حكومتين. كانت هناك منظومة كاملة من الانقسام: مجلس نواب يعمل من الشرق. مؤسسات سياسية في طرابلس مرتبطة بالمؤتمر الوطني العام. حكومتان متنافستان. تشكيلات مسلحة تملك قدرة فعلية على التحكم في الأرض. مؤسسات أمنية وعسكرية منقسمة. شرعيات سياسية وقانونية متعارضة. تدخلات خارجية متزايدة. وتراجع قدرة المؤسسات المركزية على إنتاج قرار وطني ملزم.

وهنا حدث تحول مهم في طبيعة الأزمة: لم تعد ليبيا تبحث فقط عن حكومة جديدة، وإنما عن صيغة تستطيع من خلالها إعادة إنتاج سلطة الدولة نفسها.

وهذه نقطة مركزية في تقييم الصخيرات. فالانتقال من حكومة إلى حكومة كان ممكناً سياسياً، أما إعادة بناء سلطة الدولة فكانت تحتاج إلى معالجة العلاقة بين: الشرعية السياسية + المؤسسات + القوة المسلحة + الموارد + الجغرافيا.

ماذا حاول اتفاق الصخيرات أن يفعل؟

اتفاق الصخيرات الموقع في ديسمبر 2015 أنشأ إطاراً سياسياً جديداً يقوم بصورة أساسية على: مجلس رئاسة. حكومة وفاق وطني. ترتيبات تشريعية انتقالية. استمرار مجلس النواب بوصفه المؤسسة التشريعية الرئيسية. ترتيبات لتعديل الإطار الدستوري المؤقت بما يسمح بإدخال الاتفاق في البنية القانونية للدولة. وهذا يعني أن الاتفاق لم يكن مجرد «اتفاق مصالحة» بين شخصيات.

لقد كان محاولة لإعادة تعريف: من يملك الشرعية الانتقالية؟ ومن يملك حق تشكيل الحكومة؟ وكيف تعود المؤسسات المنقسمة إلى إطار واحد؟

وهنا يمكن تسجيل أول نجاح للصخيرات: لقد أعاد إنتاج فكرة «سلطة وطنية واحدة». وهذه ليست مسألة صغيرة. فبعد أن أصبحت الثنائية المؤسسية أمراً واقعاً، أعاد الاتفاق وضع وحدة الدولة باعتبارها الإطار السياسي المفترض.

لكن المشكلة كانت في السؤال التالي: هل يستطيع الإطار السياسي الجديد أن يفرض نفسه على موازين القوة الموجودة على الأرض؟

الخطأ الذي يجب ألا نقع فيه: تحميل الصخيرات ما لم يكن قادراً عليه

من السهل، بعد سنوات من التجربة، القول: الصخيرات فشل، إذن الاتفاق كان خاطئاً. لكن هذه ليست طريقة تاريخية سليمة للحكم. يجب أن نسأل: ماذا كان لدى الأطراف الموقعة من أدوات تنفيذ؟

وهنا تظهر المشكلة الأساسية. الاتفاق يستطيع أن ينشئ: شرعية سياسية. لكنه لا يستطيع بمفرده أن ينشئ: احتكاراً وطنياً للقوة.

وهذه إحدى أهم نتائج المراجعة حتى الآن: الشرعية تستطيع أن تحدد من يملك الحق السياسي في الحكم، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل هذا الحق قابلاً للتنفيذ. وهذا هو الدرس الذي بدأ يظهر منذ 2011، ثم ظهر بصورة أكثر وضوحاً في 2014، وبلغ الصخيرات وهو لا يزال دون حل.

أين كانت الفجوة الحقيقية؟

يمكن تلخيص المشكلة في المعادلة التالية: تسوية سياسية جديدة، ومؤسسات سياسية جديدة، لكن القوة المسلحة بقيت موزعة وهنا أصبح السؤال: من يحمي السلطة الجديدة؟ ثم السؤال الأصعب: من ينفذ قرارات السلطة الجديدة إذا رفضتها القوى المسلحة؟

إذا لم توجد إجابة مؤسسية واضحة عن هذين السؤالين، تصبح الحكومة الجديدة معرضة لأن تكون: سلطة سياسية بلا قوة دولة. وهذا ما يجعل دراسة الصخيرات مرتبطة مباشرة بــ: في 2014 كان الخطأ أن القوة أصبحت طريقاً لإنتاج الشرعية. وفي 2015 حاول الصخيرات إعادة إنتاج الشرعية السياسية. لكن العلاقة بين الشرعية والقوة بقيت دون حل.

هل كان يمكن للصخيرات أن يعالج المسألة الأمنية؟

هنا يجب أن نكون أكثر دقة. القول إن الاتفاق «لم يهتم بالأمن» غير صحيح. فالاتفاق تضمن ترتيبات تتعلق بالترتيبات الأمنية وبإعادة بناء المؤسسات. لكن السؤال التاريخي ليس: هل ذكر الاتفاق الأمن؟ بل: هل امتلك الاتفاق آلية واقعية لإخضاع مراكز القوة المسلحة لسلطة الدولة؟

وهذا سؤال مختلف تماماً. فالوثيقة السياسية تستطيع أن تنص على إعادة بناء المؤسسات الأمنية، لكنها تحتاج إلى: قوة سياسية قادرة على تنفيذ القرار. قبول من القوى المسلحة. قيادة أمنية وعسكرية موحدة. ترتيبات للدمج والتسريح. ضمانات للأطراف التي ستفقد نفوذها. قدرة مالية وإدارية. دعم اجتماعي وسياسي واسع.

وبالتالي: المشكلة لم تكن غياب النص وحده، وإنما غياب القدرة على تحويل النص إلى واقع مؤسسي.

ماذا حدث عند وصول حكومة الوفاق إلى طرابلس؟

هذه اللحظة مهمة جداً في المراجعة. وصول حكومة الوفاق الوطني إلى طرابلس عام 2016 أعاد لأول مرة منذ الانقسام محاولة وضع سلطة تنفيذية واحدة في العاصمة. لكن الحكومة دخلت إلى بيئة لم تكن فيها الدولة هي الفاعل الأقوى.

كانت هناك تشكيلات مسلحة لديها: نفوذ ميداني. شبكات مصالح. قدرة على حماية أو تعطيل مؤسسات. علاقات مع أطراف سياسية. قدرة على التأثير في العاصمة.

وهكذا ظهرت مفارقة خطيرة: الحكومة أصبحت موجودة داخل الدولة، لكنها لم تكن بالضرورة صاحبة السيطرة الكاملة على الدولة. وهذه المفارقة ستصبح لاحقاً واحدة من أهم خصائص المرحلة الليبية.

هل كان الصخيرات تسوية بين النخب أم إعادة بناء للدولة؟

هنا ينبغي أن نطرح سؤالاً أكثر قسوة: هل صُمم الصخيرات أساساً لإنهاء الانقسام بين المؤسسات، أم لإيجاد صيغة لتوزيع السلطة بين القوى المتنافسة؟ الفرق جوهري. إذا كان الهدف الأول، فإن النجاح يقاس بـ: توحيد المؤسسات. توحيد السلطة التنفيذية. توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية. توحيد القرار المالي. إنهاء المؤسسات الموازية.

أما إذا كان الهدف الثاني، فإن النجاح يقاس بـ: عدد الأطراف التي قبلت الاتفاق. عدد المناصب التي وزعت. مدى قبول النخب بالصيغة الجديدة. وهنا تكمن إحدى مشكلات المرحلة: أصبحت التسوية السياسية أحياناً غاية في ذاتها، بدلاً من أن تكون وسيلة لإعادة بناء الدولة.

أين كانت الإرادة الغائبة؟

هنا نعود إلى الفرضية الأساسية حول أن التفكك كان قابلاً للمنع، لكن الإرادة كانت غائبة. الصخيرات يقدم اختباراً مهماً لهذه الفرضية. فبعد أربع سنوات من التجربة، أصبح لدى النخب الليبية والمجتمع الدولي معرفة أكبر مما كان متاحاً في 2011:

  • عرفوا خطورة تعدد القوى المسلحة.

  • عرفوا أن وجود حكومتين يؤدي إلى إدامة الانقسام.

  • عرفوا أن الانتخابات وحدها لا تكفي.

  • عرفوا أن المؤسسات لا تعمل إذا لم تكن لها سلطة تنفيذية وأمنية.

  • عرفوا أن شرعية المؤسسات لا يمكن أن تبقى منفصلة عن القدرة على حمايتها. ومع ذلك لم يتحول هذا الإدراك بالكامل إلى ترتيب مؤسسي ملزم.

وهنا يمكن صياغة السؤال التاريخي: هل كانت المشكلة بعد 2015 نقصاً في المعرفة بما ينبغي فعله، أم نقصاً في الإرادة السياسية لتحمل كلفة فعله؟ وهذا سؤال ينبغي أن يظل مفتوحاً حتى نختبره في الحلقات التالية.

مسؤولية الأطراف

لا ينبغي أن ننسب نتيجة الصخيرات إلى طرف واحد. بل كل الأطراف تتحمل بعض المسؤولية:

ــ الأطراف السياسية الليبية: هل قدمت بناء الدولة على توزيع النفوذ؟

ــ مجلس النواب: هل ساهمت مواقفه في تعطيل توحيد المؤسسات؟

ــ المؤتمر والقوى المرتبطة به: هل قبلت فعلياً بنقل الشرعية إلى الإطار الجديد؟

ــ حكومة الوفاق: هل امتلكت استراتيجية واقعية لبناء سلطة الدولة؟

ــ القوى المسلحة: هل قبلت بالخضوع للسلطة المدنية أم حافظت على استقلالها؟

ــ الأطراف الخارجية: هل دعمت بناء الدولة أم دعمت توازنات النفوذ؟

ــ المجتمع الدولي: هل ركز على الاتفاق السياسي أكثر من القدرة على تنفيذه؟

لكن يجب ألا نساوي بينها. فالقوة المسلحة التي تستطيع فرض الأمر الواقع تتحمل مسؤولية مختلفة عن حزب سياسي لا يملك إلا القدرة على التصويت أو التفاوض.

الاختبار المضاد. وهنا نطبق منهجنا الأساسي: هل كان هناك بديل واقعي؟ كان يمكن، نظرياً وعملياً، أن يُربط الاتفاق السياسي منذ البداية بحزمة تنفيذية أكثر صرامة، منها:

1. ترتيب أمني انتقالي ملزم: تحديد واضح للقوى التي تحمي العاصمة والمؤسسات خلال الفترة الانتقالية.

2. مسار متزامن لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية: لا تأجيل المسألة الأمنية إلى ما بعد تثبيت السلطة السياسية.

3. جدول زمني قابل للقياس: ليس فقط «إعادة بناء المؤسسات»، بل مؤشرات محددة للدمج والتسريح وتوحيد القيادة.

4. ربط الاعتراف السياسي بالامتثال المؤسسي: بحيث لا يصبح الاتفاق مجرد توزيع للمواقع.

5. ضمانات للقوى التي ستفقد نفوذها: لأن تفكيك مراكز القوة من دون بديل آمن كان سيجعل مقاومتها متوقعة.

6. آلية واضحة لمعاقبة من يعطل الاتفاق: سياسياً ومالياً وقانونياً.

لكن يجب ألا نقع في الخطأ المقابل ونفترض أن هذه الآليات كانت ستنجح حتماً.

الأدق: كانت ستزيد احتمال نجاح التسوية وتقلل مساحة المناورة أمام مراكز القوة، لكنها لم تكن ضماناً آلياً للنجاح.

الحصيلة الأولية لهذه المحطة: يمكن الآن الوصول إلى حكم مؤقت، لا نهائي: لم يكن اتفاق الصخيرات فشلاً كاملاً، كما لم يكن حلاً كاملاً. نجح في إعادة فكرة السلطة الوطنية الواحدة إلى مركز العملية السياسية، ووفّر إطاراً سياسياً أنهى رسمياً حالة التعدد الحكومي التي نشأت بعد 2014.

لكنه لم ينجح في تحويل هذه الشرعية إلى احتكار مؤسسي للقوة، ولم يتمكن من حسم العلاقة بين السلطة المدنية ومراكز القوة المسلحة، ولذلك بقيت جذور الانقسام قائمة داخل الدولة نفسها.

والدرس الأهم: إذا كانت التسوية السياسية لا تتزامن مع إعادة بناء أدوات الدولة التي تنفذها وتحميها، فإنها قد تنقل الصراع من خارج المؤسسات إلى داخلها دون أن تنهيه.

لكن هناك سؤالاً أعمق يجب أن نحتفظ به للمحطة التالية: الصخيرات لم يُسقط الدولة. لكنه أنتج وضعاً جديداً: سلطة سياسية معترف بها دولياً، ودولة مؤسساتها منقسمة أو ضعيفة، وقوى مسلحة مستقلة بدرجات مختلفة، واقتصاد وموارد تحت تأثير مراكز متعددة، وتدخل خارجي متزايد

ومن هنا نصل إلى مرحلة حكومة الوفاق والدولة ذات السيادة المنقوصة (2016–2018): وهذه المحطة ستكون شديدة الأهمية؛ لأنها ستختبر فرضية أكبر: هل انتقلت ليبيا بعد الصخيرات من مرحلة «انقسام الحكومات» إلى مرحلة أخطر: وجود حكومة واحدة شكلياً، مع استمرار تعدد مراكز القوة الفعلية؟

إذا ثبت ذلك، فسنكون أمام تحول تاريخي مهم جداً: من الانقسام المؤسسي الصريح إلى الدولة ذات السيادة المنقوصة داخل مؤسساتها نفسها.

ولذلك من المفيد أن نعرج على الأيام والليالي التي سبقت اعلان اتفاق الصخيرات، وربما ينبغي أن نجعل الأيام الأخيرة التي سبقت إعلان اتفاق الصخيرات جزءاً مستقلاً ل لا مجرد هامش زمني.

والسبب أن الاتفاق لم يظهر فجأة في 17 ديسمبر 2015. ما جرى في الأيام والأسابيع الأخيرة يكشف شيئاً بالغ الأهمية بالنسبة إلى فرضيتنا الكبرى: هل كان الصخيرات نتيجة توافق وطني ناضج، أم نتيجة ضغط الوقت والخوف من استمرار الانقسام، مع محاولة إنتاج اتفاق قبل أن تتوافر موافقة كاملة من المؤسسات القائمة؟

في 11 ديسمبر مثلاً، أعلن المبعوث الأممي مارتن كوبلر أن المشاركين في الحوار قرروا المضي نحو توقيع الاتفاق، بعد اجتماع تونس الذي انتهى إلى توافق على عدد من المسائل، مع تأكيد أن نص الاتفاق لن يعاد فتحه.

وفي 13 ديسمبر صدر بيان روما الذي أعلن دعماً دولياً قوياً لحكومة وفاق مقرها طرابلس، بينما كان توقيع الاتفاق مقرراً بعد أيام قليلة.

وفي 15 ديسمبر التقى رئيسا مجلس النواب والمؤتمر الوطني في مالطا، وهو أمر مهم جداً لأنه يدل على أن مسار الصخيرات لم يكن المسار الوحيد الموجود في تلك اللحظة.

وفي 17 ديسمبر وقع الاتفاق، لكن المفارقة التاريخية أن التوقيع تم من دون اعتماد رسمي مسبق من مجلس النواب والمؤتمر الوطني كجسمين مؤسسيين؛ وهذا موثق في تقرير أممي لاحق.

وهنا تظهر مادة تحليلية شديدة الأهمية حول الأيام الأخيرة قبل الصخيرات، عندما أصبح الوصول إلى الاتفاق أهم من اكتمال التوافق.

ولا ينبغي أن يكون الهدف منه التشكيك في الاتفاق أو في الأمم المتحدة، وإنما إعادة بناء المشهد كما كان في تلك اللحظة.

وبالتالي علينا طرح الأسئلة التالية:

ماذا كان يحدث داخل ليبيا بينما كان الحوار يقترب من نهايته؟ ليس فقط ماذا كان يحدث في غرف الحوار، وإنما ماذا كانت تفعل الحكومات المتنافسة؟ ماذا كانت تفعل القيادات المسلحة؟ وماذا كان موقف مجلس النواب؟ وماذا كان موقف المؤتمر؟ وماذا كان موقف المدن والبلديات؟ وماذا كان موقف الأحزاب والمجتمع المدني؟ وهل كان هناك ضغط اجتماعي حقيقي باتجاه الاتفاق؟

لماذا أصبحت الأيام الأخيرة حاسمة؟ لأننا سنجد على الأرجح أن هناك تسارعاً شديداً في المسار الدولي. في 11 ديسمبر كان هناك إعلان عن موعد التوقيع. في 13 ديسمبر كان اجتماع روما يدعم حكومة الوفاق. في 15 ديسمبر كان اجتماع مالطا بين عقيلة صالح ونوري أبوسهمين. في 16 ديسمبر أعلن كوبلر أن التوقيع سيجري في اليوم التالي.

وفي 17 ديسمبر تم التوقيع. هذه السرعة ليست تفصيلاً. بل يجب أن نسأل: هل كان تسريع التوقيع وسيلة لإنقاذ العملية السياسية من الانهيار، أم أنه أدى إلى تجاوز جزء من مشكلة الشرعية الداخلية التي كان الاتفاق نفسه يريد حلها؟

هل كان هناك اتفاقان يتنافسان في الأيام الأخيرة؟ وهذه نقطة أراها مهمة جداً. لدينا مسار الصخيرات، وفي الوقت نفسه حصل لقاء مالطا بين رئيسي مجلس النواب والمؤتمر في 15 ديسمبر، واتفقا على تشكيل لجان مشتركة لمحاولة تضييق الخلافات حول حكومة الوحدة والمرحلة الانتقالية.

إذن لا يصح أن نكتب التاريخ وكأن الأمم المتحدة قدمت الاتفاق ثم الليبيون وقعوا ثم بدأت مرحلة جديدة. الأدق أن نقول: في الأيام الأخيرة من 2015 كانت هناك محاولات متعددة لإنتاج تسوية، بعضها أممي وبعضها ليبي مباشر، وكان الصراع أيضاً صراعاً على من يملك حق إنتاج التسوية وشكلها. وهذا يفتح باباً مهماً جداً في مراجعتنا.

السؤال الأصعب: لماذا لم ينتظر الصخيرات اكتمال موافقة المؤسسات؟ هذه ربما ستكون أهم فقرة في هذه المحطة. فالواقع أن الاتفاق وقع في 17 ديسمبر، لكن مجلس النواب والمؤتمر الوطني لم يكونا قد أصدرا موافقة مؤسسية نهائية عليه. وهذا لم يكن سراً؛ فالأمم المتحدة نفسها كانت تدرك أن الباب يجب أن يبقى مفتوحاً أمام من لم ينضموا.

هنا لا نستنتج فوراً أن ذلك كان «خطأ». بل نضع ثلاثة تفسيرات محتملة أمام التاريخ:

الاحتمال الأول: كان التأخير في انتظار موافقة الجميع سيؤدي إلى انهيار الاتفاق بالكامل.

الاحتمال الثاني: كان بالإمكان الوصول إلى توافق ليبي أوسع، لكن الأطراف لم تكن مستعدة للتنازل.

الاحتمال الثالث: أصبح المجتمع الدولي يرى أن استمرار الفراغ أخطر من توقيع اتفاق ناقص، فاختار الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ.

وهنا يصبح السؤال: هل كان الصخيرات اتفاقاً مثالياً لم يكن ممكناً تحقيقه، أم كان اتفاقاً اضطرارياً اعتُبر أفضل من استمرار الحرب؟ وهذا فرق هائل في الحكم التاريخي. وماذا حدث في «ليلة الصخيرات» نفسها؟ ليس بالمعنى الصحفي أو القصصي، أي: ما الخيارات الموجودة على الطاولة؟ من كان يرفض؟ من كان يقبل؟ من كان يفاوض؟ من كان يملك القدرة على التعطيل؟ من كان يخشى انهيار المسار؟ ما الذي تغير بين 13 و17 ديسمبر؟

والأهم: أن هذه المراجعة قد تغير حكمنا على الصخيرات. فبدلاً من السؤال البسيط: هل نجح الصخيرات أم فشل؟ يمكن أن يصبح السؤال: هل كان الصخيرات أفضل تسوية ممكنة في ديسمبر 2015، أم أفضل تسوية كان يمكن تمريرها في ظل ميزان القوى والوقت والضغوط القائمة آنذاك؟

ثم هناك سؤال ثالث أكثر أهمية: إذا كان الاتفاق اضطرارياً، فهل كان الخطأ في الاتفاق نفسه، أم في عدم استكماله لاحقاً بترتيبات أمنية ومؤسسية قادرة على تحويله من وثيقة سياسية إلى دولة؟

وهذا السؤال الأخير مهم جداً، لأن قرار مجلس الأمن 2259 بعد أيام قليلة لم يكتفِ بالترحيب بالاتفاق؛ بل دعا أيضاً إلى تشكيل حكومة الوفاق خلال 30 يوماً وإتمام ترتيبات أمنية انتقالية لازمة لاستقرار ليبيا. وهذا يعني أن المشكلة الأمنية كانت معروفة منذ لحظة ولادة الاتفاق، وليست شيئاً اكتشفناه بعد فشل التجربة.

لذلك علينا النظر إلى ثلاثة مستويات:

أ) الأيام الأخيرة قبل الصخيرات .. كيف ولِد الاتفاق فعلياً؟

ب) اتفاق الصخيرات نفسه ماذا أنشأ؟ وماذا حل؟ وماذا ترك؟

ج) الأيام التالية للصخيرات .. هل جرى تنفيذ الشروط التي كان الاتفاق يحتاج إليها لكي يتحول إلى سلطة دولة؟

وأعتقد أن هذا هو المستوى الذي يناسب المراجعة التي نبنيها: لا نحاكم الاتفاق من نهايته، بل نعيد بناء لحظة اتخاذ القرار نفسها، ثم نسأل ما الذي كان يمكن فعله بصورة مختلفة في ذلك الوقت. وسنركز خصوصاً على السؤال: هل كان الصخيرات أفضل تسوية ممكنة، أم أفضل تسوية كان يمكن تمريرها في ميزان القوى والظروف القائمة آنذاك؟

…

يتبع

________________