تحرير الشّايب
المحطة الثانية: حكومة علي زيدان (نوفمبر 2012 – مارس 2014)
بعد انتقال السلطة إلى المؤتمر الوطني العام في أغسطس 2012، دخلت ليبيا مرحلة جديدة: لم تعد القضية مجرد تنظيم انتخابات بعد الثورة، بل أصبحت اختبارًا لقدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة الحكم وبناء دولة تستطيع تنفيذ قراراتها.
اختار المؤتمر الوطني العام علي زيدان رئيسًا للحكومة في أكتوبر 2012، ونالت حكومته الثقة وأدت اليمين في نوفمبر. وانتهت ولايته في 11 مارس 2014، عندما سحب المؤتمر الثقة منه وكُلّف وزير الدفاع عبد الله الثني بتولي رئاسة حكومة تصريف الأعمال.
سنستخدم في هذه المحطة المعيار نفسه الذي اعتمدناه عند دراسة حكومة الكيب، مع اهتمام خاص بثلاثة ملفات مترابطة: الأمن، والنفط والمالية العامة، والعلاقة بين الحكومة والمؤتمر الوطني العام.
أولًا: ما الذي كان مطلوبًا من حكومة زيدان؟
كانت الحكومة تواجه انتقالًا من مرحلة إدارة ما بعد الحرب إلى مرحلة بناء مؤسسات الدولة. وكان يفترض أن تعمل على:
-
بناء جيش وشرطة وطنيين قادرين على فرض القانون.
-
استعادة السيطرة على المنشآت النفطية والمنافذ الاستراتيجية.
-
تحسين الخدمات والإدارة العامة، وترسيخ المساءلة.
-
تنفيذ الاستحقاقات الدستورية والانتخابية ضمن الإطار الانتقالي.
-
إقامة علاقة مستقرة بين السلطة التنفيذية والمؤتمر الوطني العام.
وقد أكد زيدان عند توليه المسؤولية أولوية توحيد القوات العسكرية والأمنية والمصالحة الوطنية. لكن التقارير الدولية اللاحقة وثقت استمرار تدهور الوضع الأمني، وعدم إحراز تقدم جوهري في دمج التشكيلات المسلحة ضمن جيش وشرطة وطنيين فعالين.
ثانيًا: الأمن وبناء الدولة — الاختبار الذي لم تجتزْه المؤسسات
كان الأمن أهم اختبار لقدرة الحكومة على تحويل الشرعية الانتخابية إلى سلطة فعلية. لم تكن المشكلة غياب الأجهزة الرسمية فقط، بل وجود تشكيلات مسلحة تمتلك القوة والقدرة على تعطيل قرارات الحكومة، وأحيانًا السيطرة على مرافق استراتيجية.
وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن ليبيا لعام 2014 استمرار سيطرة مجموعات مسلحة متعددة على مناطق وموارد، واستمرار الاحتجاز خارج الضمانات القضائية، وعدم إحراز تقدم كافٍ في إخضاع المجموعات المسلحة لسلطة الدولة.
هنا يمكن تلخيص حصيلة الملف الأمني في ثلاثة مستويات:
-
ما كان موروثًا: تعدد التشكيلات المسلحة، وضعف مؤسسات الجيش والشرطة، وتنافس السلطات المحلية على النفوذ.
-
ما حاولت الحكومة التعامل معه: دعم الأجهزة الرسمية والسعي إلى إعادة تنظيم القوات الأمنية، مع استمرار التفاوض مع مجموعات مسلحة مختلفة.
-
ما بقي دون حل: بناء قيادة أمنية وطنية موحدة، وإنهاء استقلال التشكيلات المسلحة، وضمان تنفيذ القانون دون تفاوض متكرر مع القوى التي تمتلك السلاح.
ومن الضروري ألا نخلط بين محاولات إدماج المقاتلين في أجهزة الدولة وبين بناء مؤسسات أمنية مهنية. فإلحاق مجموعة مسلحة بوزارة حكومية لا يضمن خضوعها الفعلي لقيادة وطنية أو لنظام موحد للمساءلة.
وتظهر خطورة هذا الخلل في حادثة اختطاف رئيس الحكومة نفسه في طرابلس في 10 أكتوبر 2013، واحتجازه لساعات. وقد أشار تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في فبراير 2014 إلى الحادثة باعتبارها مؤشرًا على شدة التوتر السياسي والأمني.
الدرس المؤسسي: عندما لا تستطيع الحكومة حماية رئيسها أو ضمان تنفيذ قراراتها، فإن المشكلة تتجاوز شخص رئيس الحكومة إلى بنية السلطة ذاتها.
ثالثًا: النفط والمالية العامة — حين يصبح المورد السيادي أداة ضغط
يقدم ملف النفط درسًا بالغ الأهمية في فهم حدود سلطة الدولة خلال هذه المرحلة. منذ منتصف عام 2013، شهدت ليبيا إغلاقات واسعة لحقول وموانئ نفطية، قاد بعضها محتجون وقوى مسلحة ذات مطالب سياسية وإقليمية، ومن أبرزها التحركات المرتبطة بإبراهيم الجضران في الشرق.
وأدت الأزمة إلى تراجع حاد في صادرات النفط وإيرادات الدولة. وبحلول ربيع 2014، ظلت موانئ رئيسية مثل السدرة ورأس لانوف خارج السيطرة الفعلية للحكومة، كما تعطلت منشآت أخرى.
ولكي يكون تقييمنا منصفًا، ينبغي التمييز بين أمرين:
-
الحكومة لم تتسبب وحدها في جميع مطالب المحتجين أو أسباب الإغلاقات، التي ارتبطت كذلك بصراعات سياسية ومطالب تتعلق بتوزيع السلطة والثروة.
-
لكنها كانت مسؤولة مؤسسيًا عن وضع سياسة قادرة على حماية المنشآت السيادية، ومعالجة المطالب عبر القانون والتفاوض المنضبط، والحيلولة دون تحول إغلاق النفط إلى وسيلة مستدامة لفرض الإرادة السياسية.
أظهرت الأزمة أن امتلاك الدولة للنفط لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على إنتاجه وتصديره بصورة منتظمة. فالمورد الذي يفترض أن يمول الخدمات والمؤسسات أصبح عرضة للتعطيل بفعل أطراف قادرة على السيطرة على نقاط استراتيجية.
هنا يبرز سؤال مهم لمشروع «الدولة الممكنة»: كيف يمكن بناء ميزانية وطنية مستقرة إذا كانت قدرة الدولة على تحصيل إيراداتها الأساسية مرتبطة بتوازنات القوى المسلحة؟
رابعًا: العلاقة بين الحكومة والمؤتمر الوطني العام
لم تكن حكومة زيدان تعمل باستقلال عن السلطة التشريعية؛ فقد جاءت بتكليف منها، وظلت بحاجة إلى دعمها السياسي لاستمرارها.
لكن العلاقة بين السلطتين شهدت خلافات متكررة، في سياق الانقسام بين القوى السياسية داخل المؤتمر، والخلاف على إدارة المرحلة الانتقالية، ودور التشكيلات المسلحة، والسياسات العامة.
وفي 11 مارس 2014، أصدر المؤتمر الوطني العام القرار رقم 23 لسنة 2014 بسحب الثقة من علي زيدان وتكليف عبد الله الثني برئاسة حكومة تصريف الأعمال.
لا يكفي أن نقول إن الحكومة سقطت بسبب ضعفها، كما لا يكفي القول إن المؤتمر أسقطها نتيجة صراعاته الداخلية. فالتفسير الدقيق يتطلب دراسة مسارين معًا:
-
مسؤولية الحكومة التنفيذية: عن نتائج أدائها في الأمن والخدمات وإدارة الأزمة النفطية.
-
مسؤولية المؤتمر الوطني العام: عن إدارة العلاقة مع الحكومة، واستقرار قواعد المساءلة، وقدرته على توفير إطار سياسي يسمح باستمرار المؤسسات بدلًا من أن تصبح الحكومة رهينة للتنافس داخل السلطة التشريعية.
وتكشف هذه التجربة أهمية وجود قواعد واضحة لتعيين رئيس الحكومة وسحب الثقة منه، ولتحديد المدة المتبقية من المرحلة الانتقالية، ولمنع الخلافات السياسية من تعطيل مؤسسات الدولة.
خامسًا: المسار الدستوري والانتقالي
واجه المؤتمر الوطني العام والحكومة تأخرًا في تنفيذ الاستحقاقات الانتقالية. ولم تُجرَ انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور إلا في فبراير 2014، بعد تأخرها عن المواعيد التي كانت مطروحة سابقًا. كما تصاعد الخلاف حول مدة ولاية المؤتمر وكيفية تنظيم ما تبقى من المرحلة الانتقالية.
وهذا يقودنا إلى ملاحظة منهجية: لا يجوز تحميل حكومة زيدان وحدها مسؤولية التأخر الدستوري، لأن المؤتمر الوطني العام كان صاحب دور تشريعي وسياسي مباشر في تحديد المواعيد والقواعد. لكن الحكومة كانت جزءًا من منظومة الحكم التي كان يفترض أن تعمل على تسهيل الانتقال، لا أن يظل المسار الدستوري منفصلًا عن إدارة الأمن والخدمات والمؤسسات.
إن الفصل بين هذه الملفات أدى إلى مأزق متكرر: تستمر السلطة التنفيذية في إدارة الشؤون اليومية، بينما يتأخر الاتفاق على القواعد التي ستنهي وجودها الانتقالي.
سادسًا: مصفوفة التقييم الأولية لحكومة زيدان
|
المجال |
ما تثبته المصادر |
الخلاصة التحليلية |
|
الأمن |
استمرار نفوذ التشكيلات المسلحة وتدهور الأوضاع الأمنية |
لم تتحقق السيطرة الوطنية الفعلية على القوة |
|
النفط |
إغلاقات واسعة وتراجع كبير في الصادرات والإيرادات |
بقي مورد الدولة الاستراتيجي عرضة للتعطيل |
|
الخدمات والإدارة |
انتقادات لاستمرار ضعف الخدمات والقدرة التنفيذية |
لم تتحول التوقعات العامة إلى تحسن مؤسسي كافٍ |
|
المسار الدستوري |
تأخر انتخاب الهيئة التأسيسية |
تعثر الانتقال لم يكن مسؤولية الحكومة وحدها |
|
العلاقة التشريعية التنفيذية |
خلافات سياسية متكررة وانتهت بسحب الثقة |
لم تتوافر درجة كافية من الاستقرار المؤسسي |
تستند هذه المصفوفة إلى تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش وخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، وهي تقدم أساسًا للمراجعة، لا حكمًا نهائيًا على كل قرار اتخذته الحكومة.
سابعًا: ما الدروس التي نستخلصها للحكومة التأسيسية؟
أرى أن تجربة حكومة زيدان تساعدنا على تحديد خمسة شروط ينبغي أن تكون جزءًا من تصميم الحكومة التأسيسية في مشروع «الدولة الممكنة»:
-
تفويض واضح ومحدد زمنيًا: لا يكفي تكليف الحكومة بإدارة المرحلة الانتقالية؛ بل يجب تحديد نتائج قابلة للقياس ومواعيد ملزمة للمراجعة.
-
خطة أمنية وطنية متكاملة: تشمل القيادة والسيطرة، والشرطة والقضاء، وإعادة تنظيم التشكيلات المسلحة وفق القانون، لا مجرد إلحاقها الإداري بالمؤسسات.
-
حماية الموارد السيادية: من خلال منظومة قانونية وأمنية ومالية تضمن استمرار الإنتاج والتصدير، مع معالجة المطالب المحلية بقواعد عادلة وشفافة.
-
علاقة دستورية منضبطة بين السلطتين: بحيث تخضع الحكومة للمساءلة، لكن لا تتحول إلى سلطة مؤقتة بلا أفق أو إلى رهينة للتجاذبات السياسية.
-
ربط الخدمات ببناء الدولة: فالإنفاق العام وحده لا يكفي؛ ينبغي أن يؤدي إلى تحسين قابل للقياس في الخدمات، ورفع كفاءة المؤسسات، وتقوية ثقة المواطن بالقانون.
الخلاصة: ماذا أضافت تجربة زيدان إلى فهمنا؟
تظهر تجربة حكومة زيدان أن الانتقال إلى حكومة منتخبة أو مكلفة من برلمان منتخب لا يؤدي تلقائيًا إلى توحيد السلطة الفعلية. فقد استمرت مشكلات الأمن والنفط والقدرة التنفيذية، بينما تداخلت مسؤولية الحكومة مع مسؤولية المؤتمر الوطني العام ومع نفوذ القوى المسلحة.
والدرس الذي يستحق أن نحمله إلى المحطات التالية هو أن الحكومة الانتقالية لا تُقاس فقط بما تنفقه أو بما تعلنه من برامج، بل بمدى قدرتها على تحويل السلطة القانونية إلى مؤسسات تنفذ القانون وتستمر بعد رحيل الحكومة.
المحطة التالية هي حكومة عبد الله الثني، لكن علينا أن نتعامل معها بدقة؛ فمرحلتها الأولى جاءت عقب سحب الثقة من زيدان، ثم أصبحت حكومته لاحقًا جزءًا من مشهد الانقسام الذي أعقب انتخابات مجلس النواب عام 2014.
وهذا التحول مهم لفهم الانتقال من أزمة أداء حكومي إلى أزمة شرعية وانقسام مؤسسي على مستوى الدولة.
…
يتبع
___________