رواد م. شلبي

لم تعد البطالة بين الشباب مجرد مشكلة تتعلق بقلة الوظائف أو بطء النمو الاقتصادي، بل أصبحت مقياساً لمدى قدرة الاقتصادات على تحويل ثرواتها ومواردها إلى فرص للأجيال الجديدة.

وعلى الرغم من تزايد الالتحاق بالجامعات، والتقدم التكنولوجي، وتوسّع الأسواق، لا يزال ملايين الشباب حول العالم يكافحون من أجل العثور على عمل مستقر، وتحقيق دخل موثوق، وبناء مسيرة مهنية.

للوهلة الأولى، تبدو الحلول واضحة ومباشرة: ينبغي على الحكومات تشجيع الاستثمار، ودعم الشركات، وخلق المزيد من الوظائف. غير أن استمرار البطالة في بلدان تتفاوت تفاوتاً كبيراً في مستويات الدخل والموارد الطبيعية يشير إلى وجود مشكلة أعمق. فهل تعاني الاقتصادات لأنها عاجزة عن خلق ما يكفي من الوظائف، أم لأن نماذجها الاقتصادية غير قادرة على استيعاب مهارات الأجيال الشابة وطموحاتها؟

النمو الاقتصادي لا يضمن المزيد من الوظائف

من المفاهيم الخاطئة الشائعة الاعتقاد بأن نمو الناتج المحلي الإجمالي يؤدي تلقائياً إلى خفض البطالة. فالنمو الاقتصادي قد ينتج عن ارتفاع أسعار السلع الأساسية، أو زيادة إيرادات النفط، أو توسّع الصناعات التي تعتمد على رأس المال والتكنولوجيا أكثر من اعتمادها على العمل البشري.

وفي هذه الظروف، قد ترتفع الإيرادات الحكومية ويزداد الاستثمار، غير أن قدرة الاقتصاد على استيعاب الباحثين عن عمل تبقى محدودة. ويتجلّى ذلك بوضوح في البلدان التي تعتمد على تصدير الموارد الطبيعية. فقطاع النفط، على سبيل المثال، قادر على توليد إيرادات ضخمة دون أن يخلق ما يكفي من الوظائف لمواكبة حجم عائداته.

ولا تكمن المشكلة في الموارد ذاتها، بل في كيفية وصول ثروتها إلى الاقتصاد الأوسع. فإذا لم توجّه الحكومات الإيرادات نحو الصناعة والخدمات والزراعة والتكنولوجيا والأعمال الصغيرة، فقد يبقى النمو محصوراً في قطاعات قليلة ذات تأثير محدود على التوظيف.

وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ينبغي للحكومات أن تقيس النجاح الاقتصادي بالثروة التي ينتجها البلد، أم بالفرص التي تتيحها هذه الثروة لمواطنيها؟

التعليم والتوظيف: فجوة متسعة

التحدي الرئيسي الآخر هو الفجوة بين أنظمة التعليم واحتياجات سوق العمل. فقد يتخرج الشباب بشهادات في مجالات يبقى الطلب عليها محدوداً، بينما تكافح الشركات للعثور على عمال يتمتعون بمهارات تقنية ومهنية وتخصصية.

ولا يعني هذا أن التعليم الجامعي فقد قيمته، بل إن الشهادة وحدها لم تعد تضمن الحصول على وظيفة. فأصحاب العمل يبحثون بشكل متزايد عن قدرات عملية، تشمل المهارات الرقمية، والتواصل، وحل المشكلات، والقدرة على التكيّف مع احتياجات الأعمال المتغيرة.

غير أن إلقاء اللوم على الشباب لافتقارهم إلى المهارات المناسبة تبسيط مفرط للمشكلة. فلا يمكن للخريجين اكتساب الخبرة المهنية دون فرص لتطويرها، لا سيما حين يشترط أصحاب العمل سنوات من الخبرة لشغل الوظائف المبتدئة.

لذلك، يجب على الجامعات والحكومات والشركات بناء روابط أقوى بين التعليم والتوظيف. فالتدريب العملي، والتدريب المهني، والتلمذة الصناعية، وتحديث المناهج الدراسية، يمكن أن تساعد في إعداد الطلاب لاحتياجات سوق العمل الفعلية. كما يجب على أصحاب العمل المساهمة في التدريب بدلاً من توقع أن تخرّج أنظمة التعليم عمالاً متمتعين بخبرة كاملة.

القطاع الخاص يجب أن يصبح مصدراً أقوى للتوظيف

في الاقتصادات التي يهيمن فيها التوظيف الحكومي، غالباً ما تصبح الوظائف في القطاع العام الوجهة المفضلة للخريجين. وهذا التفضيل مفهوم نظراً للاستقرار والدخل المتوقع الذي توفره الوظائف الحكومية. غير أن الاعتماد على الدولة لاستيعاب قوة عاملة متزايدة باستمرار يضع ضغطاً متزايداً على المالية العامة، ويحدّ من الموارد المتاحة للاستثمار الإنتاجي.

فالقطاع الخاص الأقوى قادر على خلق وظائف في طائفة أوسع من الصناعات، لكن الشركات تحتاج إلى ظروف تتيح لها النمو، تشمل لوائح تنظيمية يمكن التنبؤ بها، وإجراءات أبسط لتسجيل الأعمال، وإمكانية الحصول على التمويل، وعقوداً قابلة للتنفيذ، وبنية تحتية موثوقة.

ولن يؤدي تشجيع ريادة الأعمال وحده إلى حل المشكلة إذا لم تتمكن الشركات الصغيرة من الحصول على الائتمان، أو إذا جعلت الإجراءات الإدارية التوسّع مكلفاً، أو إذا كانت ظروف السوق تفضّل الواردات على الإنتاج المحلي.

ولا يعني تشجيع نمو القطاع الخاص أن تتخلى الدولة عن مسؤولياتها، بل يعني تحويل دورها من كونها صاحب العمل الرئيسي إلى تهيئة الظروف للاستثمار والإنتاج والمنافسة العادلة. كما يجب على الحكومات ضمان حصول العمال على الحماية المناسبة، وأن تمتد الفرص الاقتصادية إلى ما هو أبعد من مجموعة صغيرة من الشركات القائمة.

التكنولوجيا تعيد تشكيل مستقبل العمل

يغيّر الذكاء الاصطناعي والأتمتة طبيعة التوظيف، مؤثراً في أنشطة تتراوح بين الإدارة والمحاسبة والتصنيع وخدمات العملاء.

غير أن التعامل مع التكنولوجيا كسبب حتمي للبطالة يتجاهل قدرتها على خلق فرص جديدة. ففي حين يمكن للأتمتة أن تحل محل مهام معينة، فإنها قادرة أيضاً على توليد الطلب على مهارات جديدة، وخفض تكلفة بدء الأعمال، وتمكين الشركات الأصغر من الوصول إلى أسواق كانت غير متوفرة في السابق.

وتعتمد النتيجة على مدى قدرة الاقتصادات على التكيّف. فالاستثمار في التعليم المستمر، وإعادة التدريب المهني، والبنية التحتية الرقمية، يمكن أن يساعد العمال على الانتقال إلى مهن ناشئة. وبدون هذه الإجراءات، قد تتسع الفجوة بين العمال الذين يمتلكون مهارات مطلوبة وأولئك الذين تفقد مهاراتهم الحالية قيمتها.

لذلك، يجب أن تتناول سياسة التوظيف أكثر من الوظائف المتاحة اليوم، بل يجب أيضاً إعداد الشباب للعمل الذي ستخلقه التغيرات التكنولوجية والاقتصادية غداً.

ما تكشفه تجربة ليبيا

تطرح ليبيا التحديات التي تواجه الاقتصادات المعتمدة بشدة على الموارد الطبيعية. فالبلد يمتلك ثروة نفطية كبيرة، لكن هذه الثروة وحدها لا يمكن أن تضمن اقتصاداً متنوعاً قادراً على توفير توظيف مستدام في مختلف القطاعات.

إن الاعتماد الكبير على الإنفاق العام، ومحدودية تنويع الأنشطة الإنتاجية، والعوائق أمام الاستثمار الخاص، كلها أمور تستدعي الانتباه عند دراسة البطالة بين الشباب في ليبيا. كما يجب فهم التفضيل للوظائف الحكومية في سياق الأمن الوظيفي، ومستويات الأجور، والفرص المتاحة خارج القطاع العام.

إن التخفيض المفاجئ للتوظيف في القطاع العام من شأنه أن يخاطر بزيادة الضغط الاجتماعي دون توفير بدائل قابلة للتطبيق. وبدلاً من ذلك، تحتاج ليبيا إلى انتقال تدريجي نحو اقتصاد أكثر تنوعاً، تدعمه صناعات قادرة على إنتاج السلع والخدمات، والوصول إلى أسواق التصدير، وتوظيف المزيد من الناس.

ويمكن للصناعات المرتبطة بالنفط والغاز أن توفر فرصاً تتجاوز الإنتاج الخام، بينما يمكن للزراعة، وتصنيع الأغذية، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والخدمات الرقمية أن تساعد في توسيع القاعدة الاقتصادية. كما أن إعادة توجيه جزء من الإنفاق العام نحو البنية التحتية والمشاريع الإنتاجية من شأنها مساعدة الشركات على التوسع وخلق فرص العمل.

ولا يقل أهمية عن ذلك الوصول إلى التمويل. فالشركات الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى تمويل للاستثمار، وتوظيف العمال، والمنافسة. ويجب أن تعكس برامج التدريب احتياجات أصحاب العمل، بينما تساعد بيانات سوق العمل الأفضل واضعي السياسات على تحديد المهارات والمهن التي تعاني نقصاً.

فبدون معلومات موثوقة عن المهارات المتاحة والطلب الفعلي، تخاطر الحكومات بالاستثمار في برامج تعليمية لا تتوافق مع احتياجات الاقتصاد. وتتمثل تحديات ليبيا ليس ببساطة في زيادة الإنفاق، بل في ضمان أن يعزز الإنفاق العام القدرة الإنتاجية ويولّد فرصاً تتجاوز التوظيف الحكومي.

من خلق الوظائف إلى إصلاح النموذج الاقتصادي

يتطلب معالجة البطالة بين الشباب تجاوز معدلات النمو الإجمالية وعدد الوظائف المعلنة. فعلى واضعي السياسات أيضاً أن ينظروا في جودة الوظائف، وإنتاجيتها، واستقرار الدخل، وفرص التطوير المهني.

فأرقام البطالة الرسمية لا تحكي القصة كاملة. فبعض الشباب يعملون في وظائف لا علاقة لها بمؤهلاتهم، بينما يعتمد آخرون على العمل غير المنتظم أو التوظيف في الاقتصاد غير الرسمي. ويقلع بعضهم عن البحث عن وظائف كليا لأنهم يرون فرصاً ضئيلة للعثور على عمل مناسب.

لذلك، ينبغي الحكم على السياسات الاقتصادية ليس فقط بعدد الوظائف التي تخلقها، بل أيضاً بما إذا كانت تلك الوظائف توفر توظيفاً منتجاً ولائقاً ومستداماً. فالقدرة على بناء المهارات، والتقدم المهني، وكسب دخل مستقل، لا تقل أهمية عن العدد الأولي للوظائف المتاحة.

فالبطالة بين الشباب ليست مجرد نقص في الوظائف، ولا نتيجة حتمية لوجود المزيد من الخريجين. وفي كثير من الحالات، تعكس نقاط ضعف هيكلية في الاقتصاد، تشمل اتجاه الاستثمار، وجودة التعليم، ودور الدولة، وقدرة الشركات الخاصة على النمو.

والسؤال الذي يجب أن تطرحه الحكومات ليس فقط كم وظيفة يمكنها خلقها هذا العام، بل ما نوع الاقتصاد الذي تبنيه، وهل يمنح ذلك الاقتصاد الأجيال الشابة فرصة حقيقية للمشاركة في خلق الثروة والاستفادة منها.

إن الاقتصاد يواجه تحدياً خطيراً عندما ينفصل النمو عن آفاق مواطنيه. والمشكلة ليست أن الشباب يتوقعون الكثير من سوق العمل، بل أن الأنظمة الاقتصادية قد تفشل في تحويل قدراتهم وطموحاتهم إلى فرص منتجة.

______________