تحرير الشّايب

تكشف مراجعة تجربة نخبة فبراير خلال الفترة 2011–2014 أن تعثر التحول الديمقراطي الليبي لم يكن نتيجة فشل الانتخابات أو ضعف الدستور أو انتشار السلاح كل على حدة، وإنما نتيجة فشل في إدارة العلاقة بين الثورة والدولة، وبين الشرعية الثورية والشرعية المؤسسية، وبين العدالة والمصالحة، وبين السياسة والسلاح.

لقد ورثت نخبة فبراير دولة ضعيفة ومجتمعاً خرج من أربعة عقود من السلطوية، وكان من غير الواقعي توقع انتقال سريع ومستقر إلى الديمقراطية. غير أن صعوبة الظروف لا تعفي النخب من مسؤولية الاختيارات التي اتخذتها. وقد كانت بعض هذه الاختيارات قابلة للفهم في سياق الثورة، لكنها أصبحت مشكلة عندما استمرت بعد سقوط النظام.

فالشرعية الثورية كانت ضرورية لإسقاط النظام، لكنها أصبحت عائقاً عندما استُخدمت لتبرير استمرار النفوذ خارج المؤسسات. وكان دمج الثوار في مؤسسات الدولة ضرورياً في البداية، لكنه أصبح مشكلة عندما تم الدمج دون بناء قيادة أمنية موحدة.

وكانت معالجة إرث النظام السابق ضرورية، لكنها تحولت إلى مشكلة عندما اتسع العزل السياسي من المسؤولية الفردية إلى الإقصاء السياسي الواسع.

وكانت الانتخابات ضرورية لمنح المؤسسات شرعية شعبية، لكنها لم تكن كافية عندما أجريت قبل حل مشكلة السلاح وقواعد تقاسم السلطة.

وكان الدستور ضرورياً، لكن عملية صياغته لم تتحول إلى عقد وطني جامع.

ومن هنا يمكن القول إن المشكلة الأساسية لم تكن أن نخبة فبراير أرادت بناء دولة جديدة، وإنما أنها لم تنجح في تحديد الترتيب الصحيح لأولويات بناء هذه الدولة.

فقد حاولت الانتقال بسرعة من: الثورة > الانتخابات > المؤسسات بينما كان المطلوب عملياً مساراً أكثر تعقيداً: الثورة > تثبيت الدولة > توحيد القوة المسلحة > العدالة والمصالحة > بناء المؤسسات > التوافق الدستوري > الانتخابات > التداول الديمقراطي للسلطة.

ولا يعني هذا أن كل خطوة يجب أن تسبق الأخرى بصورة جامدة، وإنما أن هناك شروطاً أساسية لا تستطيع الديمقراطية الاستغناء عنها.

وبالنسبة إلى المستقبل الليبي، فإن أهم درس يمكن استخلاصه من المرحلة 2011–2014 هو أن الانتقال الديمقراطي لا ينجح بمجرد إسقاط النظام القديم أو إجراء الانتخابات، وإنما ينجح عندما تصبح الدولة أقوى من الجماعات، والقانون أقوى من السلاح، والمواطنة أقوى من الانتماء الثوري أو الجهوي، والمؤسسة أقوى من الشخص، والخصومة السياسية أقل أهمية من بقاء الدولة.

وعليه، فإن إعادة قراءة أخطاء نخبة فبراير لا ينبغي أن تكون بهدف إدانة جيل كامل أو إعادة إنتاج الاستقطاب بين «الثوار» و«أنصار النظام السابق»، وإنما ينبغي أن تكون مدخلاً لبناء ذاكرة سياسية نقدية تساعد الليبيين على تجنب إعادة إنتاج الأخطاء نفسها في أي انتقال ديمقراطي قادم.

فالدروس الحقيقية للمستقبل ليست في السؤال: «من كان على حق في 2011؟» وإنما في السؤال: «ما المؤسسات والقواعد التي كان ينبغي بناؤها حتى لا يتحول الاختلاف الذي بدأ سياسياً إلى صراع على الدولة؟»

وهذا التحول في السؤال هو في حد ذاته انتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة؛ وهو ربما أهم درس يمكن استخلاصه من تجربة ليبيا بين 2011 و2014.

أخطاء إدارة الانتقال الديمقراطي: حصيلة نقدية

. بين الثورة والدولة: ضعف التخطيط للمرحلة الانتقالية. الاستعجال في بعض الاستحقاقات. عدم بناء مؤسسة أمنية موحدة. استخدام الإقصاء السياسي كأداة انتقال. ضعف العدالة الانتقالية الشاملة. عدم بناء توافق دستوري. ضعف إدارة الصراع السياسي. السماح بتحول السلاح إلى أداة سياسية. ضعف آليات فض النزاعات بين المؤسسات. عدم معالجة الانقسامات الجهوية والمحلية. ضعف التخطيط للخروج من المرحلة الانتقالية.

ماذا كان يمكن فعله بصورة مختلفة؟

لا نريد أن نقول فقط: «أخطأوا». بل نسأل: ما البديل الذي كان متاحاً في ذلك الوقت؟ فمثلاً:

  • بدلاً من العزل الجماعي > تدقيق فردي للمسؤولية.
  • بدلاً من إبقاء التشكيلات المسلحة > برنامج الدمج والتسريح المتكامل.
  • بدلاً من الانتخابات وحدها > مسار متوازٍ لبناء المؤسسات.
  • بدلاً من الصراع على الشرعية > آلية دستورية ملزمة لحسم النزاعات.
  • بدلاً من الانتقال المفتوح > جدول خروج واضح من المرحلة الانتقالية.

***

دروس المرحلة الانتقالية المقبلة

وهنا نتحول من مراجعة تاريخية إلى وثيقة للمستقبل. يمكن أن نضع مثلاً: قاعدة لإدارة أي انتقال ديمقراطي ليبي جديد. وأهمها:

  • لا تبدأ الانتخابات قبل الاتفاق على قواعد اللعبة.
  • لا تستخدم العدالة الانتقالية لإنتاج خصوم سياسيين.
  • لا تسمح للسلاح بالتفاوض مع المؤسسات المنتخبة.
  • لا تهدم مؤسسات الدولة بحجة أنها من النظام السابق.
  • لا تجعل الثورة مصدراً دائماً للشرعية السياسية.
  • لا تمدد المرحلة الانتقالية دون تفويض واضح.
  • لا تسمح للمؤسسات المؤقتة بأن تتحول إلى مؤسسات دائمة.

***

الخط الزمني الموثق للانتقال الديمقراطي الليبي 2011–2014

أولاً: 2011 — الثورة وسؤال تأسيس الدولة

فبراير–أكتوبر 2011: بدأت الثورة في فبراير 2011 وانتهت عملياً بسقوط نظام القذافي وإعلان التحرير في أكتوبر. لكن منذ اللحظة الأولى ظهر التحدي الأساسي الذي سيلازم المرحلة كلها: كيف تنتقل ليبيا من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة؟

أنشئ المجلس الوطني الانتقالي باعتباره السلطة السياسية المؤقتة، ثم صدر الإعلان الدستوري في 3 أغسطس 2011 باعتباره الإطار الدستوري للمرحلة الانتقالية. ونص الإعلان على أن المجلس الوطني الانتقالي هو أعلى سلطة في الدولة إلى حين انتخاب المؤتمر الوطني العام.

الملاحظة النقدية الأولى: المشكلة لم تكن في إنشاء سلطة انتقالية، وإنما في أن الإطار الانتقالي لم يتحول منذ البداية إلى “هندسة متكاملة للانتقال“.

فالإعلان الدستوري حدد المؤسسات والمواعيد الأساسية، لكنه لم يقدم وحده إجابات كافية عن الأسئلة الأكثر صعوبة: ماذا نفعل بالتشكيلات المسلحة؟ كيف تتم إعادة بناء الجيش والشرطة؟ كيف تتم العدالة الانتقالية؟ ما حدود العزل السياسي؟ كيف تتم المصالحة؟ كيف تمنع الدولة تحول الثورة إلى مصدر دائم للشرعية؟ كيف تحل النزاعات بين المؤسسات الانتقالية؟ وهذه الأسئلة ستعود لاحقاً بصورة أكثر حدة.

ثانياً: 2012 — الانتقال من المجلس الوطني الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام

يوليو 2012: انتخابات المؤتمر الوطني العام: أجريت انتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 يوليو 2012، وكانت لحظة تاريخية مهمة في الانتقال الليبي. ثم انتقلت السلطة إلى المؤتمر الوطني العام في أغسطس 2012، وفق الآلية التي رسمها الإعلان الدستوري.

وهنا ينبغي أن نميز بين أمرين: الانتخابات كانت نجاحاً. لكن: إدارة ما بعد الانتخابات لم تكن بالضرورة ناجحة. فالخطأ الذي يقع فيه كثير من تقييمات المرحلة هو مساواة: إجراء انتخابات = نجاح الانتقال الديمقراطي. بينما الانتخابات مجرد عنصر من عناصر الانتقال.

ثالثاً: المؤتمر الوطني العام — بداية الاختبار الحقيقي

بعد انتقال السلطة إلى المؤتمر الوطني العام أصبح السؤال مختلفاً: لم يعد السؤال: كيف نسقط النظام؟ بل أصبح: كيف نبني دولة ديمقراطية تعمل في ظل مجتمع مسلح ومؤسسات ضعيفة وإرث استبدادي؟ وهنا بدأت الأخطاء البنيوية تظهر.

ومن المفيد أن نضع منذ الآن ثمانية ملفات ستكون محور تحقيقنا في تجربة المؤتمر:

ــ إدارة السلطة والشرعية: هل فهم المؤتمر نفسه باعتباره مؤسسة انتقالية مؤقتة أم باعتباره صاحب سلطة سياسية واسعة؟

ــ تشكيل الحكومات: كيف اختيرت الحكومات؟ وكيف كانت العلاقة بين المؤتمر والحكومة؟ وهل كانت عملية تشكيل الحكومات قائمة على الكفاءة أم المحاصصة السياسية؟

ــ العزل السياسي: وتظهر الأخطاء من خلال مقارنة قانون 26 لسنة 2012 مع قانون 13 لسنة 2013. والأهم أننا لن نكتفي بمقارنة النصين، وإنما سنعيد بناء كيف انتقل المشروع من هيئة نزاهة وتدقيق إلى قانون عزل سياسي واسع.

ــ الضغط المسلح على المؤسسة المنتخبة: هذه نقطة بالغة الأهمية. فالتقارير الأممية توثق أن النقاش حول العزل السياسي أصبح شديد الاستقطاب، وتزامن مع ضغوط واعتداءات وحصار للمؤتمر الوطني العام من جانب عناصر مسلحة، بما في ذلك حصار بدأ في 28 أبريل 2013 شمل عدداً من الوزارات. كما أشار تقرير الأمين العام إلى أن هذه الضغوط أثرت في البيئة التي أُقر فيها قانون العزل.

وهنا يجب أن نطرح سؤالاً لا غنى عنه: هل كان القرار السياسي ناتجاً عن عملية تشريعية طبيعية، أم عن تفاعل بين السياسة والضغط المسلح؟ وهذا سؤال توثيقي، وليس اتهاماً.

رابعاً: قانون النزاهة والعزل — نقطة التحول

صدر القانون رقم 26 لسنة 2012 بشأن الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية.

ثم صدر قانون رقم 13 لسنة 2013 بشأن العزل السياسي والإداري، وألغى قانون 26 اعتباراً من نفاذه. كما نص قانون 13 على سريان أحكامه لمدة عشر سنوات.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط المراجعة: لم يكن السؤال: هل يجب التعامل مع إرث النظام السابق؟ بالطبع كان يجب ذلك. بل السؤال: ما الأداة الصحيحة لمعالجة هذا الإرث؟ وهنا يمكن أن نضع أمام القارئ أربع أدوات مختلفة:

المساءلة الجنائية الفردية مقابل التدقيق الوظيفي مقابل العزل السياسي مقابل المصالحة وإعادة الإدماج. ومن هنا سنختبر التجربة الليبية في ضوء تجارب العدالة الانتقالية المقارنة.

خامساً: 2013 — سنة التحول من الإصلاح إلى الاستقطاب

2013 ستكون في المراجعة السنة المفصلية. ففيها أصبح قانون العزل السياسي واقعاً قانونياً، وفي الوقت نفسه تصاعدت أزمة الأمن والسلاح والاستقطاب السياسي.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن الخلاف حول قانون العزل كان قد أصبح أحد أهم ملفات المشهد السياسي، وأن الضغوط المسلحة على السلطات لعبت دوراً في البيئة السياسية التي أُقر فيها القانون. كما أشارت إلى أن القانون شمل نطاقاً واسعاً من المناصب والانتماءات والسلوكيات، لمدة عشر سنوات.

وهنا سنطرح فرضية قابلة للاختبار: هل ساهمت طريقة إدارة إرث النظام السابق في تحويل العدالة الانتقالية من أداة لبناء الدولة إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي؟

سادساً: أزمة تمديد المرحلة الانتقالية

الإعلان الدستوري الأصلي كان قد رسم انتقالاً زمنياً واضحاً نحو المؤتمر الوطني العام، ثم نحو الدستور والمؤسسات الدائمة. لكن العملية الدستورية تأخرت، وبدأت المرحلة الانتقالية تتمدد. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى التمديد باعتباره مجرد مشكلة زمنية. بل ندرس: ماذا يحدث عندما تصبح المؤسسة المؤقتة مضطرة إلى إدارة الدولة لفترة أطول مما صممت له؟

والنتيجة المحتملة هي: المؤقت يتحول إلى شبه دائم.

وهذا من أخطر أمراض المراحل الانتقالية.

…

يتبع

___________