تحرير الشّايب

إن الانتقال إلى هذا المحور يمثل خطوة أساسية في ملف «المراجعة النقدية المحايدة لثورة فبراير (2011–2026)»؛ لأن تقييم التجربة الليبية لا يكتمل بمراجعة الانتخابات والاتفاقات السياسية والحروب وحدها، بل يتطلب فهم أداء الحكومات التي تولّت إدارة المرحلة الانتقالية، والنتائج التي حققتها، والأخطاء التي تكررت في عهدها، والأسباب المؤسسية التي جعلت الانتقال يتواصل دون أن ينتهي إلى دولة موحدة مستقرة.

وعلينا أن نتعامل مع هذا الملف باعتباره دراسة مؤسسية وتاريخية، لا محاكمة لأشخاص أو تيارات سياسية. فالسؤال ليس فقط: ماذا فعلت كل حكومة؟ بل أيضًا: لماذا عجزت الحكومات المتعاقبة، رغم اختلاف ظروفها وبرامجها، عن تحويل المرحلة الانتقالية إلى مسار ينتهي بقيام دولة موحدة ذات شرعية دستورية ومؤسسات مستقرة؟

هذا السؤال يرتبط مباشرة بمشروعنا الأكبر «من تفكيك آثار الجماهيرية إلى الدولة الممكنة»، لأننا نريد استخلاص دروس عملية تمنع الحكومة التأسيسية المقبلة من إعادة إنتاج أخطاء الماضي.

أولًا: الإطار الزمني للحكومات التي سنراجعها

من الأفضل ألا نبدأ بحكومة الدبيبة مباشرة، بل ندرس السلسلة كاملة، مع التمييز بين الحكومات الانتقالية التي نشأت في ظل ترتيبات سياسية مختلفة، والحكومات التي أصبحت تعمل وسط انقسام مؤسسي أو نزاع على الشرعية.

الأولى: حكومة عبد الرحيم الكيب (2011–2012)

مرحلة ما بعد إعلان التحرير، ونقل السلطة من المجلس الوطني الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام. كان التحدي الأساسي بناء سلطة تنفيذية في بلد تتعدد فيه القوى المسلحة وتضعف فيه أدوات الدولة.

الثانية: حكومة علي زيدان (2012–2014)

مرحلة أول حكومة بعد انتخاب المؤتمر الوطني العام. وفيها سنراجع أداء الحكومة في الأمن والخدمات وإدارة النفط، وعلاقتها بالمؤتمر، ومدى قدرتها على إخضاع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة. وقد واجهت بالفعل انتقادات تتعلق بالأمن والخدمات وإغلاقات النفط، وانتهت بسحب الثقة منها.

الثالثة: حكومة عبد الله الثني (2014–2016 وما تلاها)

سنميز بين هذه المرحلة والتي أعقبت انتخابات مجلس النواب والانقسام السياسي عام 2014. هنا ينتقل التقييم من مشكلات أداء الحكومة إلى سؤال أعمق: كيف أثّر انقسام الشرعية والسلطات والمؤسسات في إمكانية وجود حكومة وطنية واحدة؟

الرابعة: حكومة عمر الحاسي، ثم حكومة خليفة الغويل (2014–2016 وما بعده)

سنبحث في نشوء السلطة التنفيذية المنافسة في طرابلس، وطبيعة علاقتها بالمؤتمر الوطني العام، وأثر تعدد الحكومات في وحدة الإدارة والمالية العامة والاعتراف السياسي. ولا بد من دراسة هذه المرحلة ضمن صراع أوسع، لا باعتبارها مجرد إخفاق إداري لحكومة منفردة.

الخامسة: حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج (2016–2021)

سنقيّم اتفاق الصخيرات، وحدود الشرعية التي وفرها، وقدرة الحكومة على بسط سلطتها، وإدارة الإيرادات والعلاقات مع التشكيلات المسلحة، ثم الحرب على طرابلس عام 2019، وما تحقق في مسار وقف إطلاق النار عام 2020. ومن الحقائق المهمة أن الحكومة لم تتمتع بسيطرة أمنية فعلية على كامل البلاد، وظلت المؤسسات والسلطات المنافسة قائمة في الشرق.

السادسة: حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة (2021–2026)

سنبدأ بتقييم ظروف تشكيلها، ومهمتها الانتقالية المرتبطة بالانتخابات، وما تحقق في توحيد المؤسسات وتحسين الخدمات وإدارة الإنفاق، ثم ندرس تعثر انتخابات ديسمبر 2021، واستمرار الانقسام التنفيذي، والعلاقة بين الإنفاق العام وبناء الشرعية السياسية.

ومن المهم عدم اختزال تعثر الانتخابات في الحكومة وحدها؛ فقد ارتبط أيضًا بالخلاف على القواعد القانونية والترشح والأوضاع الأمنية والسياسية.

هذه قائمة أولية وليست حُكمًا نهائيًا على أي حكومة. وباتالي سنفصل بين حكومة تولت السلطة رسميًا، وحكومة منافسة مارست سلطة فعلية، وحكومة تصريف أعمال، حتى لا نخلط بين الأوضاع القانونية والسياسية المختلفة.

ثانيًا: كيف سنقيّم كل حكومة؟

ينبغي اعتماد معيار موحد لجميع الحكومات، حتى تصبح المقارنة ذات قيمة علمية، بدلًا من أن تتحول إلى مجموعة انطباعات متفرقة.

محور التقييم

السؤال الذي نريد الإجابة عنه

الشرعية والتفويض

ما السند القانوني والسياسي للحكومة؟ وما حدود ولايتها؟

الأمن والسيادة

هل توسعت سلطة الدولة أم استمر اعتمادها على القوى المسلحة خارج مؤسساتها؟

بناء المؤسسات

هل أنشأت قواعد ومؤسسات قابلة للاستمرار بعد رحيلها؟

الاقتصاد والمال العام

كيف أدارت النفط والميزانية والإنفاق والرواتب؟

الخدمات والإدارة

ماذا تحقق للمواطن في الكهرباء والصحة والتعليم والإدارة العامة؟

العدالة والمصالحة

هل تقدمت سيادة القانون والمساءلة والمصالحة الوطنية؟

المسار الدستوري والانتخابي

هل قربت البلاد من نهاية المرحلة الانتقالية أم أطالتها؟

المسؤولية والقيود

ما الذي تتحمل الحكومة مسؤوليته، وما الذي فرضته عليها ظروف خارج سيطرتها؟

وسنميز في كل محور بين الإنجاز الموثق، والإخفاق الموثق، والادعاء السياسي، والنتيجة التي تحتاج إلى مزيد من الأدلة. كذلك لن ننسب كل إخفاق إلى رئيس الحكومة، ولا نعفي الحكومة من المسؤولية لمجرد وجود معوقات خارجية.

ثالثًا: الفرضيات التاريخية التي ينبغي اختبارها

قبل أن نصل إلى الخلاصات، أرى أن هناك خمسة أسئلة كبرى تستحق البحث عبر جميع الحكومات:

  1. هل أصبحت إدارة المرحلة الانتقالية بديلًا عن إنهائها؟ أي هل تحولت الترتيبات المؤقتة إلى وضع مستمر، مع غياب آلية ملزمة لنقل السلطة إلى مؤسسات دائمة؟

  2. هل سبقت تقاسمات السلطة بناء الدولة؟ هل جرى توزيع الوزارات والمناصب والموارد لتأمين التوافق السياسي، دون بناء مؤسسات مستقلة قادرة على فرض القانون؟

  3. هل أدارت الحكومات التشكيلات المسلحة أم أصبحت مضطرة للتفاوض معها؟ وما أثر ذلك في السيادة والقرار التنفيذي؟

  4. هل استُخدمت الموارد العامة لبناء مؤسسات مستدامة أم لتعويض غياب التسوية السياسية؟ وكيف أثّر الإنفاق والتعيين وتوزيع المناصب في استمرار شبكات النفوذ؟

  5. لماذا لم يتحول أي اتفاق سياسي إلى انتقال مكتمل؟ هل تكمن المشكلة في تصميم الاتفاقات، أو في المؤسسات المنفذة، أو في تضارب المصالح، أو في اجتماع هذه العوامل؟

هذه فرضيات للتحقيق وليست نتائج مقررة سلفًا. فمثلًا، تُظهر دراسة مجموعة الأزمات الدولية ومركز الأبحاث الألماني للشؤون الدولية والأمنية حول حكومة الوحدة الوطنية أن تشكيلها ساعد على تجاوز الانقسام التنفيذي في لحظة معينة، لكنه لم يحسم الخلافات الأمنية والسياسية الجوهرية. وهذا مثال على ضرورة التفريق بين إنجاز توحيد الحكومة شكليًا وإنجاز توحيد الدولة فعليًا.

رابعًا: ما المخرج الذي نريد الوصول إليه؟

في هذه المراجعة نريد أن ينتهي هذا المحور إلى ثلاثة مخرجات مترابطة:

  • ورقة المراجعة التاريخية: تسجل تجربة كل حكومة، وإنجازاتها وإخفاقاتها والظروف التي عملت فيها.

  • مصفوفة الأخطاء المتكررة: تحدد الأخطاء التي انتقلت من حكومة إلى أخرى، والأسباب المؤسسية التي أبقتها قائمة.

  • وثيقة الدروس المستفادة للحكومة التأسيسية: تحوّل نتائج المراجعة إلى شروط تشكيل الحكومة المقبلة، واختصاصاتها، ومدتها، وآليات الرقابة عليها، ومؤشرات نجاحها.

والمخرج الثالث هو الأهم بالنسبة إلى مشروع «الدولة الممكنة»: ألا نكتفي بمعرفة ما أخفقت فيه الحكومات السابقة، بل نستخرج من ذلك قواعد عملية تمنع الحكومة التأسيسية من أن تصبح حلقة جديدة في سلسلة الحكومات الانتقالية.

ولذلك علينا أن نبدأ في التحليل بحكومة عبد الرحيم الكيب، ونفحصها من لحظة تشكيلها حتى تسليم السلطة في 2012، ثم ننتقل إلى حكومة علي زيدان، فحكومة الثني وما تلاها، وصولًا إلى السراج والدبيبة.

بهذه الطريقة نحافظ على التسلسل التاريخي، ونمنح كل حكومة حقها في التقييم، ونبني الاستنتاجات على الأدلة بدلًا من إصدار أحكام مسبقة.

…

يتبع

____________